أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ما زلنا نتعلل بالفصول؟














المزيد.....

مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ما زلنا نتعلل بالفصول؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 13:48
المحور: الادب والفن
    


أستذكر الأفندي د . تحسين اليوم البيت الشهير الذي يحث على طلب العلم ويقول: (( إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا , ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى؟ )) وهو مقطوعة شعرية (( بيتين )) من عيون الأدب التعليمي والتربوي , وهي من نظم (( الإمام ابن فارس الرازي أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا )) اللغوي الشهير, وهوإمام في اللغة , وعالم في النحو والحديث , وصاحب معجم (( مقاييس اللغة )) المولود سنة 329 هـ والمتوفى سنة 395 هـ , وسياق البيت انه يستنكر التعلل بالظروف المناخية أو التلهي بجمال الوقت لتضييع طلب العلم , مؤكداً أن العلم يحتاج إلى جد واجتهاد في كل الأوقات , والبيت يُستشهد به غالباً في كتب الحكمة عن قيمة الزمن , وأهمية استغلال الوقت في الدراسة والتعلم .

يُعد ابن فارس صاحب (( المجمل )) و(( مقاييس اللغة )) نموذجاً للعالم الذي لم يكتفِ بجمع اللغة , بل صاغ فلسفتها , وفي هذين البيتين , نلمس روح (( المُربي )) قبل (( اللغوي )) , ان عبقرية البيتين تكمن في استيعاب الفصول الأربعة وحصار (( المتسوف )) أو (( المتعذر بالظروف )) من كافة الجهات , فالشاعر استعرض الفصول الأربعة (( الصيف , الخريف , الشتاء , الربيع )) ليثبت أن النفس البشرية بارعة في خلق الأعذار , ثم قسّم الشاعر العوائق إلى نوعين في ثنائية الألم واللذة , فهناك عوارض طبيعية مؤلمة (( حر الصيف , يبس الخريف , برد الشتاء )) , وهي ما يهرب منها الإنسان طلباً للراحة , وعوارض جمالية ملهية (( حسن الربيع )) وهي ما يهرب إليه الإنسان طلباً للمتعة.

ثم ختم الشاعر الأبيات بقوله (( قل لي : متى؟ )) وهو استفهام استنكاري فهذا السؤال ليس للاستعلام , بل للتقريع وإقامة الحجة , إذا استبعدنا وقت الألم ووقت اللذة , فماذا بقي من العمر؟ والتضاد في المقابلة بين تعب الفصول الثلاثة وجمال الربيع , تعكس واقع الحياة , فهي إما شدة يُصبر عليها أو رخاء يُشكر عليه بالعمل , ومن فاته الأمران فقد فاته العلم كله , لقد لخص الشاعر (( فلسفة التسويف )) في بيتين فقط , مما يجعلهما سهلي الحفظ والترديد على ألسنة الطلاب والعلماء.

يُستشهد بهذا البيت في كتب (( قيمة الزمن )) مثل كتاب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (( قيمة الزمن عند العلماء )) لأنه كسر (( فخ المثالية )) , فالكثير من الطلاب ينتظرون (( الظروف المثالية )) - الجو المعتدل , الفراغ التام , المزاج الرائق - ليبدأوا الطلب , والبيتان يحطمان هذه المثالية الزائفة , فالعلم يُنال بالمكاره , وأهمية مجاهدة النفس , لأن العلم ليس نزهة , بل هو جهاد مستمر , ومَن جعل العلم رهيناً بحالة الطقس أو الحالة النفسية , فلن يبرح مكانه أبداً.

من الجميل ربط هذا الشعر بصاحب (( مقاييس اللغة )) , فالرجل الذي تتبع جذور الكلمات وقعد لأصول اللغة العربية , يدرك تماماً أن (( العلم )) كجذر لغوي وعملي يتطلب انقطاعاً وتركيزاً لا يقطعه تقلب الفصول , ان هذه الأبيات ليست مجرد وعظ شعري , بل هي تشخيص دقيق لآفة التسويف, وهي رسالة لكل باحث وطالب علم بأن (( الوقت المناسب )) لن يأتي أبداً , بل أنت من يصنع الوقت بعزيمتك , سواء كنت تحت لهيب الشمس أو في قرّ الشتاء , وقد يعرف الكثيرون ابن فارس كصاحب (( المقاييس )) لكنه كان صاحب روح عزيزة , وقناعة نادرة , وهذا ما يفسر شعره الذي يدعو فيه للجد , وهو القائل في عزة النفس والرضا بالحال : (( يا رزاقُ , رزقُ يومٍ بيومٍ لا ترِدْهُ بغيرِهِ ليَ رِزْقَا )) , وهذا يتقاطع مع أبياته عن العلم , فمن أراد أن يعيش عزيزاً بعلمه , عليه أن يترفع عن التذلل للظروف أو للناس , وأن ينشغل بالجوهر (( العلم )) عن العرض (( تقلبات الفصول )) .

لقد برع الشعراء في وصف (( المكابدة )) في طلب العلم , ويمكننا مقارنة أبيات ابن فارس بأبيات أخرى سارت على النهج نفسه لتأكيد المعنى , فمن حيث الصبر على الشدة, يقول الشافعي : (( اصبر على مرِّ الجفا من معلمٍ فإنَّ رسوبَ العلمِ في نفراتهِ )) , وهنا يلتقي الشافعي مع ابن فارس في فكرة أن (( الأذى )) سواء من المعلم أو من حر الصيف وبرد الشتاء هو جزء أصيل من ضريبة الوصول , ومن حيث استغلال الشباب, يُروى عن الإمام الماوردي قوله إن العلم يحتاج إلى (( فراغ القلب )) و(( حدة الخاطر )) , وهما أمران يسرقهما الانشغال بالتمتع بحسن الربيع أو الهروب من كدح الحياة.

تمثل أبيات الإمام ابن فارس (( مانيفستو )) - بيان - لكل طالب علم يبحث عن المثالية قبل البدء , وإذا أسقطناها على واقعنا المعاصر , سنجد أن (( الفصول )) لم تعد هي العائق الوحيد , بل حلت محلها (( فصول افتراضية )) , ان حر المصيف وبرد الشتاء يمثلان اليوم التحديات اللوجستية , أو ضغوط العمل , أو نقص الموارد , و (( حسن زمان الربيع )) يمثل اليوم (( المشتتات )) الرقمية ووسائل الترفيه التي تسرق الوقت بحجة الترويح عن النفس .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .


المزيد.....




- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...
- «تيلاي» الإفريقي يتصدر أفلام مهرجان كان بنسخة مرممة
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية وغموض بشأن أموال طهران ال ...
- اختتام المحادثات الفنية بين طهران وواشنطن في سويسرا وتوافق ع ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ما زلنا نتعلل بالفصول؟