أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( الأرض الطيبة )) ؟














المزيد.....

مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( الأرض الطيبة )) ؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 09:50
المحور: الادب والفن
    


مايعجبني في المندلاوي الجميل هو حسن اختياراته للشذرات الأدبية مما يطالع , وآخرها ذكره لرواية (( الارض الطيبة )) للكاتبة الامريكية بيرل باك , وقيام مجلسنا في صالون الأفندي د . تحسين بالتثنية على دهشته بأن الكاتبة بعد ان عاشت ما يقرب من ٣٥عاما في الصين صارت تكتب وتتكلم بل وتحلم باللغة الصينية , ان الأرض الطيبة هي وثيقة أدبية كتبت بحبر العاطفة لثقافة كانت تمر بمرحلة انتقالية كبرى , إنها ليست مجرد قصة عن فلاح صيني , بل هي مرثية للعلاقة المقدسة بين الإنسان وترابه , وهي الرواية التي أثبتت أن الأدب قادر على كسر الحواجز العرقية والسياسية حين يركز على (( الإنسان )) وحده.

تعتبر رواية (( الأرض الطيبةThe Good Earth )) للكاتبة ((بيرل باك )) علامة فارقة في الأدب العالمي , ليس فقط لقيمتها الفنية , بل لكونها الجسر الثقافي الأول الذي نقل تفاصيل الحياة الريفية الصينية إلى الوجدان الغربي والعالمي بصدق مذهل , أن شعور بيرل باك بأنها (( أجنبية )) بعد أحداث عام 1927 كان المحرك لكتابتها , هذا تحليل دقيق جداً؛ فالإنسان غالباً لا يدرك قيمة التفاصيل اليومية إلا عندما يهدده الفقد أو يشعر بالانفصال , لقد تحولت خيبة أملها من ((عدم الانتماء الكامل )) إلى رغبة في تخليد ذلك المجتمع , لقد كتبت (( الأرض الطيبة )) بروح الشخص الذي يعرف الداخل (( اللغة والحلم )) ولكن يمتلك عين المراقب الخارجي التي تلتقط الجوهري.

كل من قرأ الرواية أدرك ان البطل الوحيد (( وانغ لونغ )) ليست الشخصية الرئيسية , بل الأرض كبطل تراجيدي هي المبتدأ والمنتهى , وانها تعكس الفلسفة الصينية التقليدية التي تربط كرامة الإنسان ومصيره بمدى قربه من الطين والزراعة , وأن ذكاء بيرل باك يظهر في تصوير الصراع بين (( الارتباط بالأرض )) الذي يجلب الثروة والاستقرار , وبين (( حياة المدينة )) التي تجلب الفساد الأخلاقي والتفكك الأسري , وهي ثنائية كونية لمست قلوب القراء في كل مكان.

ان حصول بيرل باك على جائزة نوبل عام 1938 كان حدثاً تاريخياً , فهي أول امرأة أمريكية تنالها , وانها قد مُنحت الجائزة (( لوصفها الملحمي الثري والحقيقي لحياة الفلاحين في الصين )) , ورغم انها واجهت انتقادات من بعض النقاد الغربيين الذين اعتبروا أسلوبها (( بسيطاً جداً )) , لكن الأيام أثبتت أن قوة الرواية تكمن في تلك البساطة تحديداً , فقد كتبت بلغة إنجليزية تشبه في إيقاعها التراجم الصينية القديمة وكتب العهد القديم , مما أعطى الرواية صبغة ملحمية وأسطورية.

لقد تحولت الرواية إلى كلاسيكية عالمية يعود لعدة أسباب , منها الإنسانية العابرة للحدود , فرغم أن الأحداث في الصين , إلا أن مشاعر الجوع , الطموح , الحب , والجشع هي مشاعر إنسانية مشتركة , وكذلك تحطيم الصور النمطية فقبل هذه الرواية , كان الغرب يرى الصينيين كـ (( كتلة غامضة )) أو ((عمال رخيصين )) , لكن باك جعلت العالم يرى الصيني كإنسان يشقى , يحلم , ويخطئ.

إن عبارة (( صارت تكتب وتتكلم بل وتحلم باللغة الصينية )) , ليست مجرد وصف لمهارة لغوية بلغت حد الإتقان , بل هي توصيف لحالة من (( الانصهار الحضاري )) الكامل , وحين تذكر هذه العبارة في سياق تجربة (( بيرل باك )) فنحن أمام تحليل لثلاث مستويات من الوعي , فعلى مستوى الكتابة , فأنها تعني امتلاك قوالبها الفكرية , والتحدث بها يعني الانخراط في نبضها اليومي , وبالنسبة لبيرل باك , لم تكن الصينية لغة (( مكتسبة )) من الكتب , بل كانت لغة الفطرة الأولى التي تشكلت بها حواسها , هذا التمكن سمح لها بنقل (( الروح الصينية )) إلى الإنجليزية بأسلوب فريد , فكان القارئ يشعر وهو يقرأ (( الأرض الطيبة )) بالإنجليزية وكأنه يقرأ نصاً صينياً مترجماً , نظراً لاعتمادها على إيقاع الجملة الصينية وبنائها الصوري .

اما على مستوى الحلم (( استيطان اللاوعي )) , فالحلم بلغة أجنبية هو العتبة التي يحدد فيها علماء النفس واللسانيات وصول الشخص إلى مرحلة (( الاندماج التام )) , وعندما يحلُم الإنسان بلغة ما , فهذا يعني أن مخازن ذاكرته العميقة , وعواطفه , وصوره الذهنية باتت مرتبطة بتلك اللغة , وفي حالة (( بيرل باك )) كانت أحلامها تعكس انشغالات الفلاح الصيني وهمومه , مما يفسر قدرتها على رسم شخصية (( وانغ لونغ )) من الداخل بصدق مذهل , فهي لم تكن تصفه كـ (( آخر )) غريب عنها , بل كانت تعيش نبضه في أعماق عقلها الباطن.

وثم مستوى التحول من (( المراقب )) إلى (( المشارك )) , ان هذه العبارة تلخص التراجيديا الشخصية التي عاشتها الكاتبة , لقد بلغت درجة من الذوبان في الثقافة الصينية جعلت لغة وطنها الأم (( الإنجليزية )) تبدو أحياناً وكأنها لغة ثانوية , والمفارقة المؤلمة , رغم أنها كانت تحلم كصينية , إلا أن ملامحها الغربية وأحداث التاريخ (( موجة كراهية الأجانب )) ظلت تذكرها بأنها (( أجنبية )) , وهذا الصراع بين (( الهوية النفسية )) التي أصبحت صينية بالكامل لدرجة الحلم , وبين (( الهوية العرقية )) هو ما أعطى كتاباتها ذلك العمق الإنساني المشوب بالحنين والأسى.

الخلاصة , أن (( تحلم )) بلغة شعب آخر , يعني أنك لم تعد ضيفاً على ثقافتهم , بل أصبحت جزءاً من نسيجهم الروحي , و(( بيرل باك )) لم تكتب عن الصين بعين السائح , بل بقلب الابن الذي ينتمي للبيت وإن طُرد منه , فالحلم باللغة هو أقصى درجات الانتماء النفسي التي يمكن أن يصل إليها أديب مغترب , لأن (( اللغة هي بيت الوجود )) , وعندما سكنت بيرل باك اللغة الصينية حتى في منامها , صار الوجود الصيني هو حقيقتها الوحيدة , وما الرواية إلا ترجمة لتلك الأحلام الصادقة إلى ورق.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .


المزيد.....




- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار
- جامعة إيرانية: الهجمات الأمريكية الإسرائيلية تستهدف تقدم إير ...
- رحلة البحث عن الأم في -تحت قبة سقطرى- للروائية الفرنسية فابي ...
- شم النسيم: ما هي قصة أقدم -عيد ربيع- يحتفل به المصريون منذ آ ...
- مسئول إيراني: قواتنا المسلحة لن تمنح أمريكا إذن الحصار البحر ...
- (المثقف والسلطة/ القدرة المُحيّدة) جلسة حوارية فكرية في اتحا ...
- الإسكندرية تستقبل أفلامها القصيرة.. مسابقة خيري بشارة تكشف م ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( الأرض الطيبة )) ؟