أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .














المزيد.....

مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:29
المحور: الادب والفن
    


في جلسة الصالون لهذه الجمعة , وفي محفل أدبي اتسم بعمق الطرح , جرى العصف الذهني للأفندي الدكتور تحسين مجراه , واستعرض شذرات من سيرة الإمام عبد القادر الكيلاني في مقتبل شبابه , وحكى لنا واقعة حدثت مع الشيخ عندما كان شابا , عندما رحل من مسقط رأسه بقرية (الجيل) في بلاد الرافدين , ويمم شطره نحو بغداد منارة العلم آنذاك للدراسة على يد شيوخ الصوفية هناك , وقبل الرحيل , تقلد وصية أمه كأثمن زاد: (( لا تنطق بغير الصدق )) , حيث ودعته بدمع هتون , ووصية لا تخون , وقالت: (( يا بني , اجعل الصدق لك شعاراً , ولعرضك دثاراً , ولا تنطق بالزور وإن حز القضاء فيك المدى )) , وفي فيافي الطريق , داهمت القافلة عصابة من العيارين والشطار , فنهبوا المتاع وسلبوا الأموال , وان العصابة أستولت على ماعند المسافرين , ولما وصلوا للكيلاني واستجوبوا الفتى عما يملك , لم يتردد في كشف سره المكنون : (( خمسون قطعة ذهبية في أحشاء ردائي )) , تعجب اللصوص من شجاعة اعترافه , ولما ذهب العيارون الى رئيس العصابة وأخبروه بأعتراف هذا الشاب على ماعنده وأنه لولا ذلك لما اكتشفوا القطع الذهبية التي كان بأمكانه عدم ذكرها , سأله زعيمهم عن سر هذا النطق الذي أورده المورد الصعب , أجاب بوقار : (( عاهدت أمي على الصدق , فما كنت لأخون عهدها )) , وما إن وقعت الكلمة في مسامع الزعيم حتى اهتز عرش غيه القديم , وصاح بوجد : (( أنت تخاف خيانة عهد أمك , ونحن لا نخاف خيانة عهد الله في خلقه؟ )) فخر ساجداً للتوبة , وأعلن الرجوع عن النوبة , فكان صدق لسان الفتى , أعظم من سيف الردى , وكانت هذه الحادثة والتفكر بها السبب في توبة وهداية العصابة ورئيسها , وان صدق الفتى كان سبباً في توبة الجماعة وعودتهم إلى جادة الصواب .

تعد هذه القصة من كلاسيكيات التراث الصوفي والأخلاقي , وهي تحمل في طياتها أبعاداً تاريخية واجتماعية عميقة , كما تبرز تصحيحاً جغرافياً مهماً يتبناه المؤرخ (( د . مصطفى جواد )) , بنسبة الشيخ الكيلاني إلى قرية (( الجيل )) في ديالى العراقية , بدلاً من (( جيلان )) إيران , مما يعكس اهتمام صالون الأفندي الثقافي بتأصيل الهوية , كما يشير النص إلى ظاهرة (( العيارين والشطار )) , وهي جماعات ظهرت في العصر العباسي , كانت تمارس السلب أحياناً والتمرد الاجتماعي أحياناً أخرى , مما يعكس حالة الانفلات الأمني في تلك الحقبة , وتعتمد القصة على (( المفارقة )) , ففي الوقت الذي ينجو فيه الناس بالكذب , ينجو الكيلاني بالصدق , مما أدى إلى انقلاب السحر على الساحر وتحول المجرمين إلى تائبين.

(( الصدق منجاة )) ليست مجرد مقولة , بل هي قانون روحي , فبينما ظن اللصوص أنهم ظفروا بالذهب , ظفر الكيلاني بأرواحهم وأعادهم إلى رحاب الحق بكلمة واحدة صدق فيها, لقد تجاوزت هذه الحادثة كونها مجرد سرقة عابرة , (( العيارون )) في التراث الإسلامي كانوا طبقة معقدة , فهم ليسوا لصوصاً بالمعنى المبتذل دائماً , بل كان لديهم (( نظام قيمي )) خاص (( الفتوة )) , وصدمة الصدق التي واجههم بها الكيلاني ضربت هذا النظام في مقتله , فكيف لفتى غريب أن يلتزم بعهد (( الصدق مع الأم )) في حين يخلون هم بعهد (( الفتوة وحماية الضعيف )) , هذا التناقض هو ما ولد شرارة التوبة.

في الفكر الصوفي الذي نشأ عليه الكيلاني , الصدق ليس مجرد مطابقة القول للواقع , بل هو (( استواء السر والعلانية )) , والكيلاني لم يكن يخبر اللصوص بمكان الذهب فحسب , بل كان يختبر إيمانه بيقين أن (( الحافظ هو الله )) , هذا النوع من الصدق يُسمى (( صدق الحال )) , وهو أقوى تأثيراً من (( صدق المقال )) , وإشارة الدكتور تحسين إلى رأي العلامة مصطفى جواد ليست مجرد معلومة عابرة , بل هي استرداد للهوية المكانية , نسبته إلى (( جيل )) ديالى يربط التصوف العراقي بجذوره الأرضية , ويخرجه من حيز التأويلات البعيدة , مما يضفي على الشخصية بعداً وطنياً عراقياً خالصاً.

تبرزالدروس الوجدانية والاجتماعية من هذه الواقعة الصدق كقوة تغيير اجتماعي , فالفرد الصادق يمكنه أن يغير (( منظومة )) كاملة - العصابة - ليس بالسلطة , بل بالقدوة الأخلاقية , وكذلك أمانة النقل التاريخي والدرس المستفاد من ذكر (( مصطفى جواد )) وهو ضرورة الأمانة في تحقيق التاريخ وعدم التسليم بالمشهور دون تمحيص , وكذلك العلاقة بين التصوف والأخلاق حيث تؤكد القصة أن التصوف في جوهره ليس اعتزالاً , بل هو ثبات على المبدأ في مواجهة الأزمات (( مواجهة اللصوص )) , ثم درس بر الوالدين في الغياب ,عندما تمثل القصة ذروة الوفاء للأم , فالالتزام بالوصية في حال الغياب هو الاختبار الحقيقي للتربية.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...
- مقامة القول السامق والمديح المارق .
- قامة حكاوي أغاني الجيل : سينما الآذان .
- مقامة البخار والبخاري : صراع العقل والأسطورة .
- مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار .
- مقامة سريالية النص : عندما تصلي الحداثة عارية .


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .