صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 15:07
المحور:
الادب والفن
تنمّ هذه القصيدة للشاعرة العراقية ساجدة الموسوي عن وجع عميق ولوعة تسكن الوجدان , فهي ليست مجرد أبيات , بل هي صرخة استنكار في وجه واقع مرير يمزق الجسد والروح , وتسيطر على النص عاطفة الحزن الفاجع الممزوج بالذهول , فالشاعرة تبدأ بطلب (( الهذيان )) , وهو هروب اختياري من عقلانية لا تستوعب حجم الدمار , والجو العام مشبع برائحة (( المسك والعنبر )) التي يغطيها دخان الحرائق , وصور (( الرياحين )) التي تذبل في المهود , وهي ثنائيات ضدية لأن الشاعرة بنت نصها على مفارقات صارخة لتعميق المأساة , فالماضي (( الحضارة )) يقابله الحاضر (( الخراب )) , والثروة ضد الفقرحيث الفراتان مسك وعنبر(( مقابل )) يجوع العراق , وأيدي الغزاة تنير الطريق - سخرية - مقابل (( يقتلون , يحرقون , ينهبون )) .
في الرموز والدلالات , العراق كجسد واحد, شملت (( الشمال المغطى بالنجوم )) و(( الجنوب الحنون )) لتؤكد على وحدة الألم من الوريد إلى الوريد , والوطن كابن , رفعت الشاعرة سقف التضحية , فموت الابن فجيعة تنتهي بالتشييع , أما ضياع الوطن فهو موت مستمر لا ينتهي , والاستعارة التاريخية هنا في الإشارة إلى اختراع الكتابة (( الحرف , الطين )) تذكير بأن من علّم العالم القراءة لا يستحق أن يُكافأ بالجهل والدمار.
لقد نجحت ساجدة الموسوي في تحويل (( الأنا )) الفردية إلى (( أنا )) جمعية , فصرختها بـ (( ليتني كنت نسياً منسياً )) قبل سبي العراق , هي ذروة الفاجعة التي تعبر عن كبرياء الإنسان الذي يرى وطنه يُسلب منه وهو حيّ , الحقيقة انه نص يحاكي الوجع , وعلى صدى هذا الأنين , أكتب هذه المناغاة التي تحاور روح القصيدة : خُذيني بوجعِكِ لعلّي أهذي فصمتُ العروقِ رصاصٌ وأكثرْ , ألم تسألوا الريحَ كيف استباحتْ قلاعَ النخيلِ وعطرَ الصنوبرْ؟ لماذا تُباحُ دماءُ الضياءِ؟ ويغدو السحابُ رماداً ومجمرْ؟ بلادٌ بَنَتْ للسماءِ سلالمَ وصاغتْ من الشمسِ كحلاً ومِزهرْ , أجوعاً تذوقُ؟ وحبّاتُ رملِكِ تُنبِتُ تِبراً , وتسقي الكوثرْ , يقولون : جئنا نكفّنُ خوفاً ونزرعُ في ليلِكم ألفَ قمرْ, فما بالُ أقمارِكم لا تضيءُ؟ سوى فوق نَهبٍ وقبرٍ يُحفَرْ؟ سيبقى العراقُ نشيداً عتيقاً وإن لُطِّخَ الثوبُ سيبقى الأطهرْ , سلامٌ على الوجعِ المستبدِّ بقلبِ (( الربابِ )) وعينِ (( الغضنفرْ)) ولو جفَّ دمعي لَصِرتُ دُموعاً تُوضِّئُ وجهاً بنورِكَ يُسفِرْ.
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟