أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين مفتاحاً للملكوت .














المزيد.....

مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين مفتاحاً للملكوت .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 09:47
المحور: الادب والفن
    


كثيرا ماترددت في مجالسنا الأدبية عبارة (( لو تعلمت الحساب لكشف لي الحجاب )) المنسوبة للأمام فخر الدين الرازي , التي قد تشير إلى دلالات روحية أو أدبية , حيث يربط البعض بين صفاء الذهن و(( كشف الحجاب )) - رؤية الحقائق - وتعلم الحساب الذي ينظم الفكر , إلا أن المقصود الشائع بـ(( كشف الحجاب )) في السياق الديني هو ستر الله للخلق , ومع ذلك , هناك مؤلفات مثل كتاب (( كشف الحجاب في علم الحساب )) , وعن كشف حجاب الستر, يرى كثيرون أن الله لو كشف عن الإنسان حجاب ستره , لرأى حقائق عثراته وزلاته التي أخفيت عنه , وكشف حجاب الحس في السياق الصوفي , يُفسر بأنه إزالة (( حجاب الحس )) عن نور الله , الا انه يشدد علماء مثل خالد الجندي على أن مقولة (( مكشوف عنه الحجاب )) بخصوص معرفة الغيب هي ادعاءات لا تصح.

تُعد هذه المقولة المنسوبة للإمام فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير (( مفاتيح الغيب )) من الجمل اللطيفة التي تجمع بين تواضع العلماء وعمق النظرة الفلسفية للكون , فعلى صعيد السياق المعرفي - الرياضيات كلغة للكون - يرى الإمام الرازي هنا أن الحساب - الرياضيات - ليس مجرد أرقام للجمع والطرح , بل هو علم المنطق الكمي , وكشف الحجاب, يقصد به الوصول إلى الحقائق اليقينية التي لا تقبل الشك , ففي الفلسفة القديمة والحديثة , تُعتبر الرياضيات هي اللغة الوحيدة التي تتصف بالدقة المطلقة , فبينما قد تضطرب الآراء في الفلسفة أو الكلام , يظل 1 + 1 = 2 حقيقة كونية ثابتة , وعلى صعيد البُعد الروحاني والفلسفي فأن الرازي كان متكلماً وفيلسوفاً غاص في بحور العقليات , ومع ذلك يقول (( لو تعلمت الحساب )) , وهذا يشير إلى الترابط بين العلوم , و الربط بين (( العلوم العقلية المحضة )) و(( الكشوفات الروحية )) , وكأن الوصول إلى أسرار الخلق يحتاج إلى أدوات قياس دقيقة , كما ان العبارة تشير الى نظامية الوجود عندما توحي بأن الكون مبني على هندسة دقيقة وحسابات محكمة , وأن من يمتلك مفتاح هذا الحساب , يمتلك مفتاح فهم القوانين التي وضعها الخالق في هذا الوجود.

أن يقول إمام بحجم الرازي (( لو تعلمت )) - بصيغة التمني أو التقصير - هو قمة التواضع , فهو يقرّ بأن المعرفة بحر واسع , وأن ما فاته من علم الحساب كان يمكن أن يختصر عليه طرقاً طويلة من التأمل الفلسفي والمنطقي , وتنم هذه العبارة عن رؤية ثاقبة سبقت عصرها , فنحن اليوم في عصر (( البيانات )) و(( الخوارزميات )) حيث أصبح الحساب والبرمجة هما اللذان يكشفان لنا (( حجب )) الفضاء , والطب , والذرة , فهل يكشف الحساب الحجاب فعلاً ؟ من وجهة نظر منطقية , نعم , فالحساب يزيل الضبابية , عندما تتحول الأفكار إلى أرقام ونسب , تختفي العاطفة والتحيز , ويظهر الجوهر العاري للحقيقة , وقد يرى البعض أن (( كشف الحجاب )) مصطلح صوفي يشير إلى المعرفة اللدنية , وربطها بالحساب - العلم المادي - هو محاولة لجسدنة الروحانيات , لكن عند الرازي , العقل هو الطريق الأول للإيمان , والحساب هو قمة كمال العقل.

كان الرازي يرى أن الرياضيات - وخاصة الهندسة والحساب - هي النموذج الأسمى للبرهان , في كتبه الكلامية , كان يسعى لنقل (( الدقة الرياضية )) إلى (( القضايا الإلهية )) , وكان يعتقد أن العقل الذي يتدرب على حل المسائل الحسابية المعقدة يصبح أكثر قدرة على ترتيب المقدمات والنتائج في الفلسفة , فالرياضيات عنده هي العلم الذي لا يختلف فيه اثنان , لذا اتخذها معياراً لمحاربة السفسطة والشك , وقد خاض الرازي نقاشات معمقة حول مفهوم (( اللانهاية )) بين الرياضيات والكلام مفهوم (( الجوهر الفرد )) - الذرة - وقابلية المادة للانقسام , واستخدم الحجج الهندسية لإثبات أو نفي بعض القضايا الفيزيائية , وفي نقاشه حول (( الخلاء )) و(( اللانهاية )) , كان يستحضر التصورات الرياضية ليحدد ما إذا كان العالم متناهياً أم لا , وهي من أعقد المسائل التي ربط فيها بين الحساب وعلم العقيدة.

في تفسيره الشهير بخصوص الرياضيات والحكمة الإلهية - الكون الموزون - يربط الرازي كثيراً بين الأرقام وبين إتقان الصنع الإلهي , ويرى أن الأعداد في القرآن والنسب في الطبيعة ليست عشوائية , بل هي (( حساب موزون )) , والتعليق المنسوب إليه (( لو تعلمت الحساب لكشف لي الحجاب )) , يشير إلى إدراكه أن القوانين الرياضية هي القوانين الخفية التي تُسير المادة , وأن الجهل بها هو حجاب يحجب الإنسان عن فهم (( هندسة الخلق )) , ورغم براعة الرازي في المنطق , إلا أنه كان يشعر بـ ((غصة )) أو فجوة معرفية لعدم تفرغه الكامل لعلوم الحساب المتقدمة في عصره - مثل الجبر والمقابلة - لذا , نجد في نبرته نوعاً من الاعتراف المعرفي بأن الفلسفة وحدها - بدون لغة الأرقام - قد تظل غارقة في التجريد , بينما الرياضيات تمنح الفكرة (( جسداً )) ملموساً ويقيناً لا يتطرق إليه الشك , أن اليقين الرياضي كان هو المهرب للرازي من (( حيرة المتكلمين )) التي اشتكى منها في أواخر عمره , مما يعزز فكرة بحثه عن (( كشف الحجاب )) عبر الأرقام .

خلاصة القول , لقد عُرف الإمام فخر الدين الرازي بكونه (( موسوعي المشرب )) , ولم يكن اهتمامه بالرياضيات مجرد ترف فكري , بل كان يراها ركيزة أساسية لبناء اليقين المنطقي , والعبارة تعكس إيمان العلماء المسلمين الأوائل بأن العلم لا يتجزأ , وأن القوانين الرياضية هي تجليات للحكمة الإلهية في الكون , وأن من أتقن لغة الأرقام , فُتحت له أبواب الفهم التي قد تظل مغلقة أمام التأمل النظري المجرد .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .


المزيد.....




- طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و ...
- السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة ...
- بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا ...
- طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري ...
- ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك ...
- -سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش ...
- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين مفتاحاً للملكوت .