أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.














المزيد.....

مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 15:26
المحور: الادب والفن
    


تحت عنوان (( الكلمة بين النية والماهية , او كيف ينبغي ان نقرأ لغة الشعر؟ )) , نشر المندلاوي الجميل قول المتنبي : (( اذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم فالراحلون هم )) , ثم يعلق قائلا : الفعل (رحل ) في قواميس اللغة يعني : غادر, سافر , انتقل من مكان الى اخر , ولكن بمحض ارادته وتحقيقا لغرض في نفسه , اما ترحل : ابعد الشخص عن محل اقامته قسرا لاسباب قد تكون حقيقية او مفتعلة , فالمغادرة هنا تعني النفي والطرد , وظلال كلمة - ترحلت - غيرت مفاهيم كلمات اخر , فلم يعد معنى الراحل من انتقل من المكان , بل صار الذين بقوا ولم ينتقلوا هم الراحلون بمشاعرهم وافكارهم , فقد كان بوسعهم ان يجعلوه ان لايغادر, ولكن لسبب ما اصروا على فكرة الترحيل وقد اكتشفوا بعد ذلك أنهم صاروا راحلين , نستنتج أن الشاعر ذو موقف ولم يندم على ماجرى وانما صار يشمت بالذين اجبروه على الرحيل )) .

يقدم المندلاوي تحليلا نقديا ولغويا ماتع جداً , وهو يغوص في منطقة شائكة وجميلة في نقد الشعروكيف يمكن لزيادة حرف في المبنى أن تغير المعنى والموقف الشعري بالكامل , وقد أصاب في التفريق بين (( رَحَل )) و(( تَرَحّل )) , وفي اللغة زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى , فرحل فعل مجرد يوحي بالانتقال الطبيعي أو الاختياري , وترحّل على وزن تفعّل , وفي سياق المتنبي , تحمل ظلال (( التكلف )) أو (( الاضطرار )) , وكأن الشاعر يقول: (( جُعلتُ أرحل )) أو (( تجرعتُ الرحيل )) , والربط بين الترحل وبين القسر - النفي والطرد - ذكي جداً , لأنه يخرج البيت من كونه مجرد (( عتاب )) إلى كونه (( موقفاً وجودياً )) , فالمتنبي هنا لا يغادر سياحة , بل يغادر احتجاجاً.

أجمل ما في تحليل المندلاوي هي عملية قلب الأدوار وسيكولوجية (( الراحل الحقيقي )) , وتفسيره لقلب المتنبي للمفاهيم في الشطر الثاني : (( فالراحلون همُ )) حين قال إن الذين بقوا هم (( الراحلون بمشاعرهم وأفكارهم )) , وهو يلمس جوهر الاستعلاء الإبداعي عند المتنبي , فحسب الرحيل الفيزيائي المتنبي تحرك جسدياً , اما الرحيل القيمي فأن القوم تحركوا بعيداً عن الكرم , الوفاء , والتقدير, وبما أنهم فقدوا (( القيمة )) التي تجعل للمكان معنى , فقد صاروا هم الغرباء والراحلين عن الصواب , بينما المتنبي يحمل (( وطنه )) -عزته - معه أينما ذهب.

يفتح قول المتنبي الباب أمام فكرة (( النفي الروحي )) حين اعتبر أن الذين بقوا هم (( الراحلون )) فإنه يؤسس لمفهوم أن الوطن ليس جغرافيا بل تقديراً , المتنبي يرى أن إقامته بين قوم لا يقدرون قيمته هي (( الرحيل الحقيقي )) عن ذاته , وبالتالي فإن خروجه الجسدي هو في الواقع (( عودة )) إلى كرامته , هنا تتحول كلمة (( ترحلت )) من فعل حركة إلى فعل تحرر , فالشاعر لم يغادر الأرض , بل غادر (( سجن عدم التقدير )) , ومن هنا ندرك (( الماهية )) التي قصدها المندلاوي فالقوم الذين ظنوا أنهم يملكون المكان , اكتشفوا برحيل المتنبي أنهم فقدوا (( المعنى )) الذي كان يعطيه المتنبي لوجودهم , فأصبحوا هم التائهين - الراحلين - في فراغ غيابه , وكأن المكان فرغ من محتواه بمجرد خروج الشاعر منه, وتلك هي فلسفة المكان , والاغتراب داخل الإقامة .

نأتي الى بلاغة الهجوم بالمفارقة و تحويل الهزيمة إلى نصر , ففي الفقرة الثانية , يمكننا تأمل لغة (( الشماتة )) بوصفها استراتيجية دفاعية, الشاعر الذي يُجبر على الرحيل - قسراً كما في تحليل ترحلت - يكون عادة في موقف (( الضعيف )) أو (( المطرود )) , لكن المتنبي , بعبقريته اللغوية , قلب الطاولة تماماً , فاستخدم أسلوب (( الحصر )) في قوله (( الراحلون همُ )) ليجعل الرحيل صفة ملازمة لهم لا له , هذا التعليق يشير إلى أن الشاعر لا يكتفي بالرحيل , بل يترك خلفه (( لعنة لغوية )) تطارد من خذلوه , إنها شماتة المثقف الذي يدرك أن النية في طرده ستحول الطاردين إلى أشباح باقية في مكان لا قيمة له , بينما يظل هو (( الراحل )) نحو المجد , هكذا تصبح اللغة أداة انتقام ناعمة , تعيد صياغة الواقع بحيث يصبح المنفيُّ هو (( الحاضر )) والمقيمُ هو (( الغائب )) .

لابد من التثنية على استنتاج المندلاوي بأن الشاعر (( يشمت )) بمن أجبروه على الرحيل , ويمكننا قراءة هذه الشماتة كنوع من التعويض النفسي , لأن المتنبي كان يشعر بمرارة الخذلان - خاصة في علاقته بسيف الدولة أو كافور لاحقاً - وتحويل (( المطرود )) إلى (( منتصر )) و(( الباقي )) إلى (( راحل )) هو قمة الذكاء في الخطاب الشعري , إنه يجردهم من استقرارهم ويجعل إقامتهم في ديارهم عبارة عن (( نفي )) معنوي , ان قراءة المندلاوي تندرج تحت ما يسمى (( القراءة التأويلية )) , حيث لم يكتفِ بالمعجم , بل قرأ (( النية والماهية )) , هو يرى أن لغة الشعر لا تُقرأ بالقاموس الجامد , بل بـ (( ظلال الكلمات )) , وهذا التحليل ينصف المتنبي (( الإنسان )) الذي كان يرى نفسه دائماً أكبر من المكان , المندلاوي لم يقرأ بيتاً شعرياً , بل قرأ (( كرامة جريحة )) أعادت صياغة اللغة لتنتقم من الواقع , وبما يجعلنا نرى القصيدة لا كأبيات من الشعر , بل كمعركة إرادات.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...
- مقامة الاستطرادات الخمرية : في حضرة ابن هرمة وندماء الدهر.
- مقامة فلسفة المرق : التقوى الانتقائية , كيف نسرق بذكاء ونُصل ...
- مقامة ثقافة الأستسلام : خيانة الغوغاء.. أمانة التاريخ .
- مقامة ذُبابة الأعمش في صالون الأفندي تحسين : مناظرة النبيذ ب ...


المزيد.....




- تونس: حكم غيابي بالسجن 18 شهرا على الممثل الكوميدي المقيم بب ...
- الممثل الأعلى لمجلس السلام بغزة: مشروعات إنسانية بدأت في الق ...
- الممثل الأعلى لمجلس السلام بغزة: إسرائيل تفرض قيودا على إدخا ...
- الممثل الأعلى لمجلس السلام بـ غزة: تنفيذ الاتفاقات الإنسانية ...
- عمرو دياب يخطف القلوب مع طفلة على المسرح
- القضاء التونسي يقضي بسجن الكوميدي لطفي العبدلي غيابياً لـ18 ...
- القاهرة التي لا تنام.. كيف تعلّمت العتمة؟
- معرض تونس الدولي للكتاب ينطلق 23 أبريل بمشاركة 394 دار نشر
- وزير الدفاع الأمريكي يثير الجدل باقتباس نص سينمائي في صلاة ر ...
- صرخة الجني وإرث بخارى.. حكايات لم تُرو عن حضارات طريق الحرير ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.