أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .














المزيد.....

مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 11:59
المحور: الادب والفن
    


كتب أحد الأصدقاء على صفحته : (( أخطر الوجوه ليست تلك التي تخفي العداء , بل التي تتقن تبديل المواقف , وتبيع الثقة في سوق المصلحة , فالمتاجرة بالمواقف ليسن حنكة , بل سقوط مهذب في هاوية الأزدواجية )) , أعجبني النص كونه يحمل عمقاً فلسفياً واجتماعياً حاداً , فهو لا يتحدث عن (( العدو الواضح )) الذي يمكنك الحذر منه , بل عن (( المتلون )) الذي يستنزف طاقتك وثقتك , إن الوجه الذي يبتسم للكل , ويوافق الكل , ويتحرك مع كل ريح , هو وجه بلا ملامح , فالإنسان يُعرف بما يرفضه بقدر ما يُعرف بما يقبله . وأن تبيع موقفك لتكسب جولة , يعني أنك خسرت نفسك في معركة الوجود الأكبر , وتذكر دائماً أن الكتابة عن هذه النماذج البشرية هي بحد ذاتها نوع من )) التحصين الفكري (( , فمن يملك القدرة على صياغة قبح الازدواجية في جمل أنيقة , هو إنسان يملك وعياً يحميه من السقوط في فخاخهم.

وجوه من زجاج , تلك التي تمارس السقوط في هاوية المصلحة , وخلف الأقنعة الأنيقة , تختبئ حقيقة مريرة , أن أخطر البشر ليس أولئك الذين يعلنون عداءهم صراحة , فالخصم الواضح يمنحك فرصة الاستعداد والمواجهة , أما المتلونون , فهم يسكنون المناطق الرمادية , يبيعونك الأمان اليوم ليشتروا به مصلحةً غداً , ذلك هو وهم الحنكة والذكاء الاجتماعي , فكثيراً ما يخطئ البعض بوصف (( تبديل المواقف )) كنوع من الدهاء أو الذكاء السياسي والاجتماعي , لكن الحقيقة المجردة تقول أن الحنكة هي المرونة في الوسيلة مع الثبات على المبدأ , اما الازدواجية فهي التخلي عن المبدأ من أجل المكسب اللحظي.

يمثل سوق المصلحة تجارة خاسرة , فعندما تتحول الثقة إلى (( سلعة )) تُعرض في مزاد المصالح , تسقط القيم الإنسانية في هاوية سحيقة , هذا النوع من البشر لا يملك وجهاً حقيقياً , بل يملك (( مرايا )) تعكس ما يحب الآخرون رؤيته لينال مراده , وذلك هو السقوط المهذب في الازدواجية , فأنها ليست مجرد (( كذب )) , بل هي تمزق في الهوية , إن من يتقن تبديل المواقف يظن أنه يتسلق سلم النجاح , بينما هو في الواقع يهوي في منحدر أخلاقي , لأنه بمرور الوقت يفقد القدرة على العودة لوجهه الحقيقي , ويصبح غريباً حتى عن نفسه , ان الثبات هو العمود الفقري للشخصية المحترمة , والوضوح هو أقصر الطرق لكسب الاحترام , حتى من الأعداء.

لو حاولنا عمل تشريح نفسي للمتلونين , ولماذا يفعلون ذلك ؟ لوجدنا ان هؤلاء الذين يبيعون الثقة ليسوا بالضرورة أذكياء , بل هم غالباً أسرى للحظة , يسكنهم خوف دائم من الفوات وخوف أكبر من مواجهة عواقب المبادئ , وتلك هي البراغماتية السامة , فهم يخلطون بين (( الواقعية )) وبين (( انتهاز الفرص )) على حساب جثث الثقة , وغياب المركز الأخلاقي للشخص الذي يبدل مواقفه كالثياب لأنه لا يملك (( نواة )) صلبة , هو مجرد صدى للأقوى في الغرفة.

أذن كيف تحمي مساحتك الخاصة ؟ بما أن هؤلاء يتقنون (( السقوط المهذب )) , فإن التعامل معهم يتطلب يقظة هادئة , فلا تمنح الصكوك المفتوحة, لأن الثقة يجب أن تُبنى على (( تراكم المواقف )) لا على (( عذوبة الوعود )) , وراقب تعاملهم مع غيرك , فمن يبيع صديقه القديم ليشتري ودّك اليوم , سيبيعك غداً ليشري ودّ عدوّك , فضع حدوداً للوضوح ولا تكن كتاباً مفتوحاً لمن يقرأك فقط ليبحث عن ثغرة لمصلحته.

ختاماً, ان الازدواجية ليست ذكاءً , بل هي إفلاس روحي يُغطى برداء الحذلقة , فكن ممن يملكون وجهاً واحداً , وإن كان متعباً , فهو على الأقل حقيقي , وإن المتاجرة بالمواقف قد تمنح صاحبها مقعداً في الصفوف الأولى مؤقتاً , وتفتح له أبواباً أُغلقت في وجه الشرفاء , لكنها تتركه وحيداً في النهاية , فالمصلحة تنتهي , والوجوه تذبل , ولا يبقى في ذاكرة الناس إلا (( المواقف)) التي صمدت حين مالت كل الرؤوس , وإن تجميل الغدر بمسميات مثل (( الواقعية )) أو (( الذكاء )) لا يغير من قبحه شيئاً , فالمواقف لا تُباع ولا تُشترى , ومن يبيع ثقة الناس فيه اليوم بذهب المصلحة , لن يجد غداً من يشتريه ولو بكنوز الأرض , لأن السمعة تُبنى في سنوات , وتنهار في موقف واحد متذبذب .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...


المزيد.....




- الثقافة جسر جديد بين موسكو والرباط
- مكسيم خليل: دولة القانون هي الطريق الوحيد لسوريا القادمة
- قلعة بعلبك بلا موسيقى هذا الصيف.. لماذا تأجل أحد أعرق مهرجان ...
- رحيل الأديب السوري عبد الله عيسى السلامة.. -بحتري العصر- وصو ...
- دميترييف بعد فضيحة المختبرات البيولوجية الأمريكية: ما الرواي ...
- -متى- تعيد كاظم الساهر إلى جذوره.. هل يعيد القيصر اختراع صوت ...
- أريانا غراندي تطالب البيت الأبيض بالتوقف عن استخدام موسيقاها ...
- الهوية الوطنية تجذب جيل الشباب.. قفزة في الإقبال على الثقافة ...
- رواية -مسك أحمر-.. مقاربة أدبية لمستقبل سوريا وإعادة الإعمار ...
- بجهود فنانين شباب.. جدارية ضخمة لدعم المنتخب العراقي في بغدا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .