أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟














المزيد.....

مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 18:00
المحور: الادب والفن
    


كتب عبد الرحمن خاطر تحت عنوان : (( هل تمحو الموهبة الجريمة ؟ )) أنه توصل إلى موقفٍ شخصي واضح تجاه (( بابلو نيرودا )) بعدما قرأ مذكّراته (( أعترف أنني عشت )) , والتي يروي فيها واقعةً - لم يعبر عن استياءه منها أو ندمه عليها - حدثت أثناء عمله الدبلوماسي في سيلان (( سيرلانكا حاليًا )) , تتضمّن إكراه امرأةٍ فقيرة تعمل في تنظيف مرحاض منزله على علاقة , رغم رفضها , وحكى إنها ظلت صامتة فيما بعد ولم تنظر إليه بعدها , وهو ما رآه (( الكاتب )) ردَّ فعلٍ طبيعي في سياق وضع غير متكافئ بين رجل دبلوماسي صاحب سلطة وامرأة فقيرة من طبقة مقهورة بالفطرة , وهو ما يُعد اعتداءً لا يمكن تجاوزه أو تبريره , ويضيف انه ليست المشكلة في الواقعة وحدها , بل في استمرار العالم بالاحتفاء بصاحبها وكأنّ الموهبة تمحو الفعل , أو تُخفّف من وطأته.

يلمس هذا الطرح الذي قدمه (( خاطر )) واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وجدلاً في عالم النقد الأدبي والأخلاق , هل نفصل بين (( الفن )) و(( الفنان )) ؟ ان ما فعله خاطر هو كسر لـ (( صنمية )) الكاتب , فبابلو نيرودا ليس مجرد شاعر , بل هو رمز للنضال الإنساني والعدالة الاجتماعية في نظر الملايين , وعندما يتم كشف جانب مظلم - وباعترافه الشخصي في مذكراته - يتعلق باستغلال نفوذ واعتداء جنسي , فإن الصدمة تكون مضاعفة , وتعليق خاطر يضع الأخلاق كمعيار أساسي قبل الجمالية الأدبية , وهو موقف يحترم فيه إنسانية الضحية التي طُمست خلف بريق (( نوبل )) .

هذه هي إشكالية (( الموهبة تمحو الجريمة )) , هناك نزعة تاريخية للاعتذار عن أخطاء العباقرة بحجة أن إنتاجهم يخدم البشرية , ووجهة نظر خاطر هنا محقة جداً في تساؤله: لماذا يُمنح المبدع (( حصانة أخلاقية )) لا تُمنح لغيره ؟ الاعتداء هو اعتداء , سواء ارتكبه عامل بسيط أو شاعر عظيم , وغياب الندم في مذكرات نيرودا (( كما أشار صاخب الطرح )) يعكس (( نظرة فوقية )) واستعمارية , حيث رأى تلك المرأة ككائن أدنى لا يستحق حتى الاعتذار , وهذا يسقط قناع (( الإنسانية )) الذي كان يرتديه في قصائده , لنصل إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل , وهي دعوة خاطرالكاتب لـ (( عدم ترجمة أعماله أو النشر عنه )) , حيث يرى المؤيدون أن الاستمرار في نشر أعماله هو نوع من (( التكريم المستمر )) لشخص لم يحترم كرامة الإنسان , وأن المال والشهرة الناتجة عن هذه الأعمال تذهب لترسيخ إرث رجل (( مغتصب )) , اما المعارضون فيرون أن الأدب بمجرد خروجه من يد كاتبه يصبح ملكاً للإنسانية , ومنع الترجمة قد يُعد (( رقابة )) تحرم القارئ من فهم حقبة تاريخية أو تذوق جمال لغوي , مع ضرورة اقتران نشر العمل بـ نقد سيرة الكاتب لكي لا يُقدم كقدوة.

ولكن لو تسائلنا لماذا اعترف نيرودا بالواقعة دون الأعتذار عنها ؟ هل هناك رسالة من ورائها ؟ ان تحليل هذه النقطة في مذكرات بابلو نيرودا , يفتح الباب أمام قراءة سيكولوجية وسياسية معقدة لشخصيته في تلك المرحلة , لم يكن اعترافه مجرد (( بوح )) بل ربما حمل رسائل مبطنة - سواء قصدها أو وقع فيها - في (( صدق )) السيرة الذاتية المشوه , فقد اعتمد نيرودا في مذكراته أسلوباً يهدف إلى إظهار (( الحقيقة العارية )) عن حياته , بما فيها الخطايا , ربما كان يعتقد أن الاعتراف بالواقعة دون تجميل أو اعتذار هو قمة (( الأمانة الأدبية )) , لكن المشكلة هنا أن هذه الأمانة كانت تفتقر إلى الحس الأخلاقي , فبدلاً من أن يكون الاعتراف وسيلة للتكفير عن الذنب , ظهر كأنه (( توثيق لواقعة )) حدثت وكأنها جزء من الطبيعة أو من تجارب السفر المعتادة , لقد وصف نيرودا الواقعة بجمالية لغوية عالية , وكأنه يصف لوحة أو مشهداً طبيعياً , متجاهلاً الأثر النفسي المدمر على الضحية , وعدم الاعتذار هنا يرسل رسالة مفادها أن (( تجربة المبدع )) أهم من (( ألم الآخرين )) .

يرى بعض النقاد أن نيرودا أراد أن يقول : (( أنا لست قديساً )) كان يريد تحطيم الصورة المثالية التي رسمها له العالم كـ (( شاعر للحب والفقراء )) , لكنه اختار الطريقة الأسوأ لإثبات بشريته , فبدلاً من أن يثبت أنه بشر يخطئ ويتألم لخطئه , أثبت أنه بشر يمكن أن يكون قسياً ومتسلطاً , والمشكلة انه كان يساريا وصوت للشيوعيين قضى حياته يكتب عن (( عرق العمال )) , و(( آلام المسحوقين )) , و (( حقوق الشعوب المقهورة )) , لكن في تلك الواقعة , هو لم يرَ في تلك المرأة (( رفيقة )) أو (( إنساناً مسحوقاً )) يجب الدفاع عنه , بل رآها (( أداة )) لتفريغ رغبة عابرة , هذا يسلط الضوء على آفة تصيب بعض المثقفين , حيث يحبون (( الإنسانية )) في شعاراتهم , لكنهم يفشلون في احترام (( الإنسان )) الفرد أمامهم.

الحقيقة إننا لا نحاكم الشعر , بل نحاكم يد الشاعر التي تلطخت , لكي لا يصبح الجمال ستاراً نمرر من خلفه القبح , وان هذا التوجه يعيد تذكيرنا بأن الكلمة , مهما بلغت من الجمال , تظل ناقصة ما لم يسندها موقف إنساني نبيل , وانه ليس مجرد موقف نقدي , بل هو موقف قيمي نبيل , فهو يرفض أن تكون (( البلاغة )) وسيلة لتخدير ضمائرنا تجاه الضحايا , ومع ذلك , فأن الحل الأقوى ليس في (( محو )) نيرودا أو التوقف عن ترجمته - لأن المنع غالباً ما يؤدي لنتائج عكسية - بل في إعادة قراءته بعيون جديدة , كأن يُدرس نيرودا كشاعر كبير , ولكن كإنسان سقط سقطة أخلاقية شنيعة , وأن تُدرج هذه الواقعة في مقدمات كتبه المترجمة , ليعرف القارئ أن (( الجمال الفني )) قد يسكن أحياناً في وعاء (( قبيح أخلاقياً )) , والخلاصة , لا ينبغي للموهبة أن تكون (( صك غفران )) للجرائم , موقف خاطر يذكرنا بأن الضحية الصامتة في سيلان أهم من كل القوافي التي كتبها نيرودا , وهذا انحياز أخلاقي يُحترم جداً في زمن تُقدس فيه النجومية على حساب المبادئ .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...
- مقامة ستالين و وهم الديمومة : لماذا تهزم بصيرة الكلمة سطوة ا ...
- مقامة الهشاشة : إتيكيت الروح , حين يداوي الزعيمُ قلبَ الشاعر ...


المزيد.....




- -توم وجيري- يعودان إلى السينما في -البوصلة المحرمة-
- تراجع النشاطات الفنية والرياضية في كردستان بسبب الحرب والأزم ...
- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...
- كشف شبكة إعلامية ممولة من البنتاغون لترويج الرواية الأمريكية ...
- الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟
- وفاة -سيدة الشاشة الخليجية- الممثلة الكويتية حياة الفهد عن 7 ...
- في مئوية ميلادها.. بريطانيا تستذكر إليزابيث الثانية بـ 4 صو ...
- الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو أكثر ...
- رحيل حياة الفهد.. بيوت العرب تودع -سيدة الشاشة الخليجية- وحز ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟