صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 11:13
المحور:
الادب والفن
يقول عنها أهلها في (( بهرز )) : هي (( راهبة الزمان الجاحد )) , كنتُ , ولا أزال , أقتفي أثر مدادها , وهي التي لم تزدها المنافي إلا اقتراباً من جوهر الفجيعة , هي القائلة في فلسفة الغربة : (( كنتُ أظنُّ أنّ الاغتراب هو تلك المسافة الفاصلة بين مطاريْن , فاكتشفتُ لاحقاً أنّ المسافة الحقيقية هي تلك القائمة بين الذاكرة والواقع )) , وفي توصيف (( الوجع المؤجل )) الذي يسكن العراقي في منفاه , تقول بلسان العارف : (( في المنافي لا أحد يسألك من تكون , لكنّ كلّ شيء حولك يذكّركَ بأنّك لستَ من هنا , لا انفجارات ولا اغتيالات , لكنّ في قلبك انفجارات مؤجلة , فالحنين ليس دفئاً , بل سكين باردة لا تنفكُّ تذكّرك بأن ما تحِنّ إليه قد تلاشى في ضباب الفقدان )) .
ثم تعرج على حال بغداد , فتضع إصبعها على الجرح في تشخيصها لما أسمته (( ألزهايمر بغدادي )) : (( هكذا يعجبني توصيفُ الحالة , مَنْ بقي هناك يعيش في وطن يتبدّل وجهه كل يوم , بمشاهد تغريبية عن روح بغداد , وأصوات طائفية ناشزة , وجدران تُبنى بين الجيران , صار الحبُّ فعلاً مشبوهاً , والصمت وسيلة نجاة )) , وتصل في مراراتها إلى ذروة التوصيف حين تقول : (( صار العراقي يخاف من العراقي , وصارت الهوية تهمة لا انتماء , المعلم يُهان , والمثقف يُقصى , والقاتل يُحتفى به , القيم تبدّلت , والكرامة صارت ترفاً , والمستقبل فكرة مضحكة )) , لكنها , وبرغم هذا السقف المنخفض الذي أطبق على الصدور , تظل تؤمن بأن (( الكتابة مقاومة للعدم )) , وعصيان هادئ على قسوة العالم , ففي كل زمن هناك أشخاص نادرون , خافتون , يتسلّلون في الظلام حاملين ناراً صغيرة , متّقدة , يأبون إلا أن تظل مضيئة مهما تراكم الرماد.
كانت لطفية الدليمي لا تكتب لتروي حكاية فحسب , بل كانت تحفر في تربة الهوية بمرآة المثقف العضوي , فهي التي آمنت بأن الرواية هي (( تاريخ المهمشين )) , لذا جاءت نصوصها مشبعة برائحة الأرض , وضجيج المقاهي البغدادية القديمة , وأنين البيوت التي هجرها أصحابها , كانت حروفها جسراً يمتد بين حضارة (( إشنونا )) العريقة وبين وجع المواطن العراقي المعاصر , وكأنها في كل سطر تحاول استعادة تلك الروح التي حاول الزمان طمس معالمها.
برحيل راهبة الحرف , لا يفقد أهل (( بهرز )) ابنةً بارة فحسب , بل يفتقد الأدب العربي صوتاً كان يأبى الانكسار أمام قبح الواقع , إنها غادرتنا جسداً , لكنها تركت خلفها (( حديقة حياة )) من الكلمات التي لا تذبل , تذكرنا دائماً بأن المثقف الحقيقي هو من يختار الانحياز للجمال والحرية حتى في أحلك الظروف , فسلامٌ على روحها التي حلقت بعيداً , وبقيت شذراتها ناراً متقدة في ضمير كل من قرأ لها أو أحبها .
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟