أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .














المزيد.....

مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 10:50
المحور: الادب والفن
    


اختار الأستاذ المندلاوي هذا النص الجميل من كتاب (الاعمال النقدية الكاملة) لجورج طرابيشي , (( قال الناقد جورج طرابيشي وهو يتناول رواية (( أولاد حارتنا )) للكاتب الكبير نجيب محفوظ :كان يسعى نجيب محفوظ الى التوفيق بين الدين والعلم والتاكيد على وحدة هدفهما، والوصول الى علمنة الدين وتديين العلم اذا جاز التعبير , بالرغم من كل هذا قوبلت الرواية بالرفض والاستنكار , وضيق عليها الحصار , فلم تطبع في كتاب مستقل الا في المنفى اذا جاز التعبير , لقد كتبها بلغة غير مباشرة , رمزية , مزدوجة الدلالات , ولكن الرموز لم تكن على قدر كاف من اللا مباشرة والابهام للحيلولة دون وقوع ما وقع )) .

تعد قراءة جورج طرابيشي لرواية (( أولاد حارتنا )) من أكثر القراءات عمقاً , كونها تلامس الجوهر الفلسفي الذي حاول نجيب محفوظ صياغته في هذه الملحمة , وفي تحليل المفهوم (( علمنة الدين وتديين العلم )) , يشير طرابيشي إلى محاولة محفوظ جسر الفجوة بين الميتافيزيقا (( الدين )) والفيزيقا (( العلم )) , وتعني علمنة الدين في سياق الرواية إنزال القصص الديني من سماء المطلق إلى أرض الواقع البشري , وتحويل (( الأنبياء )) إلى (( مصلحين اجتماعيين )) - أدهم , جبل , رفاعة , قاسم - والهدف هو القول بأن جوهر الدين هو العدالة الاجتماعية , اما تديين العلم فتمثله شخصية (( عرفة )) - العلم - حيث أراد محفوظ للعلم أن يحمل (( أخلاق )) الدين ورسالته في إنقاذ البشرية , لا أن يكون مجرد أداة تدمير أو وسيلة لسيطرة (( الفتوات )) .

ثم نأتي الى إشكالية الرمز والوضوح (( لماذا حدث الصدام؟ )) , يرى طرابيشي أن محفوظ حاول الاختباء خلف (( اللغة الرمزية )) , لكنه يوجه نقداً ذكياً لمحفوظ بقوله إن الرموز لم تكن (( مبهمة )) بما يكفي , واشار الى الشفافية المفرطة, فرغم الرمزية , كانت الإسقاطات في (( أولاد حارتنا )) شديدة الوضوح , حيث يشير (( الجبلاوي )) بشكل مباشر إلى الخالق (( أو فكرة الألوهية )) , والبيت الكبير هو الجنة , والصراع بين الإخوة هو صراع الخير والشر التاريخي , اما المفارقة فهي حين يرى طرابيشي أن (( ذكاء )) محفوظ الروائي خانه في (( تغطية )) أفكاره , فالمؤسسات التقليدية والمجتمع آنذاك لم يقرأوا الرواية كعمل أدبي , بل كـ (( مانيفستو - بيان )) فلسفي يمس الثوابت , مما أدى إلى (( الحصار )) الذي ذكره طرابيشي.

اذا اردنا ان نعطي رأيا نقديا في كلام طرابيشي , فيمكننا القول ان وجهة نظر طرابيشي تتسم بالدقة التاريخية والفلسفية , ويمكننا تأشير وحدة الهدف, فقد أصاب طرابيشي في أن محفوظ كان (( توفيقياً )) , فهو لم يرد هدم الدين لصالح العلم , بل أراد (( مصالحة )) بينهما , لكن المأساة هي أن المتشددين رأوا في (( موت الجبلاوي )) إلحاداً , بينما رآه محفوظ (( موت الصورة الذهنية القديمة )) ليبدأ عصر المسؤولية البشرية (( العلم )) , وان تعبير (( المنفى )) حين استخدم طرابيشي لمصطلح (( طبعت في المنفى إشارة لبيروت 1962 )) يوضح حجم الاغتراب الذي عاشه النص داخل وطنه , وان الرواية كانت (( لاجئة )) ثقافياً رغم أن كاتبها كان يعيش في قلب القاهرة , أما ما اعتبره طرابيشي (( قصوراً في الرمز )) في ما يسميه (( عدم كفاية الإبهام )) هو في الواقع شجاعة أدبية من محفوظ , ولو كانت الرموز أكثر تعقيداً لضاعت الرسالة الإصلاحية , لكن الوضوح كان هو الثمن الذي دفعه محفوظ من أمنه الشخصي (( محاولة اغتياله لاحقاً )) .

يلخص رأي جورج طرابيشي المأساة الفكرية لـ (( أولاد حارتنا )) , فهي رواية توفيقية في جوهرها , لكنها صدامية في شكلها , لقد فشل المجتمع في استيعاب (( تديين العلم )) , وركز فقط على (( علمنة الدين )) , مما جعل الصدام حتمياً , الا انه يظل توصيف طرابيشي (( تديين العلم وعلمنة الدين )) من أذكى المفاتيح النقدية لفهم أدب نجيب محفوظ الفلسفي , لأنه يخرجه من صراع (( إيمان/إلحاد )) إلى فضاء (( تكامل الأدوار للبناء الإنساني )) , هذا التكرار التاريخي للمنع يذكرنا بما حدث مع طه حسين الذي كان (( البروفة التاريخية )) لما حدث مع نجيب محفوظ , وكأن العقل العربي النقدي (( كما يراه طرابيشي )) محكوم عليه أن يظل في صراع دائم مع (( الحراس )) كلما حاول مد الجسور بين المقدس والدنيوي , أو بين الدين والعلم , وأن الكلمة الحرة , سواء كانت رمزاً أو منهجاً , تظل هي القوة الأكثر تأثيراً وإثارة للأسئلة في مجتمعاتنا.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...
- مقامة السؤال الصادم : الحبل والخيال , في فكِّ قيودِ العجزِ و ...
- مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أو ...


المزيد.....




- قاليباف: أنا مقاتل، لكني أتابع العمل الدبلوماسي بثقافة القتا ...
- المخرج الباقر جعفر: الأدب معين لا ينضب للسينما
- على غرار سومريات.. فرقة نسائية تحيي التراث الموسيقي الكردي
- كلاكيت: قضايا المجتمع والسينما
- صناعة الرواية الوطنية: تحديات الذاكرة وبناء الإنسان في سوريا ...
- شون بن يعيد اقتحام الكونغرس إلى الواجهة بفيلم عن شرطي
- رسم بوتين بطريقة ساخرة.. مقتل فنان روسي معارض بالرصاص في بول ...
- نقابة الفنانين السوريين: نرفض الممارسات الانتقامية وندعو للا ...
- مصر.. وفاة الفنان محمد مرزبان بعد أيام من تعرضه لحادث سير
- مناقشة رسالة ماجستير عن (أعشقني) لسناء الشّعلان في جامعة كرد ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .