أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ استِكان الشاي .














المزيد.....

مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ استِكان الشاي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 15:00
المحور: الادب والفن
    


صاحبنا المهاجر الثمانيني , الأستاذ صفاء الملا , نشر على صفحته : ((أفكار ليست للبيع , في ثلاث كلمات جمع فيها الشاعر مظفر النواب أهداف الانسان الكبرى , منذ وجوده العقلاني على الأرض وهي - السعادة وراحة البال - في مقطع جميل يقول فيه - عساها تخضًر التينة ونمد بفيها لسواليف , خبزة وستكيًن جاي وراحة بال تكفينا - نعم , خبزة وستكين جاي وراحة البال تكفينا , وهل هناك هدف اَ خر للانسان يسمو اليه ؟؟ )) , يلمس الأستاذ وتراً حساساً في الوجدان , فهو ليس مجرد استحضار لبيت شعر , بل هو (( مانيفستو )) للزهد العراقي الجميل الذي يتلخص في البحث عن الجوهر وسط ضجيج الحياة , ويحن للحظات العمر الذي تسرب , مكتشفا ماكان العرب قديماً يتداولونه : (( القناعة كنزٌ لا يفنى )) لم يقصدوا بها الرضا بالفقر , بل قصدوا أن (( السكينة )) هي الثروة الحقيقية التي لا تُباع في الأسواق , وقول أحد الحكماء: (( هناك أشخاص فقراء جداً , لدرجة أنهم لا يملكون سوى المال )) .

انها فلسفة (( الاكتفاء )) عند النواب , لقد أصاب الأستاذ صفاء حين اختار هذا المقطع , فمظفر النواب , رغم كونه شاعر الثورة والتمرد واللغة العالية , يعود هنا إلى (( فطرة الأرض )) , والتينة والظل يمثلان الجذور والأمان , و(( عساها تخضر )) هي دعوة للأمل المتجدد الذي لا يحتاج لمشاريع كبرى , بل لنمو شجرة تمنح فيئاً للمتعبين , اما الخبزة واستكان الشاي فهما الرمزان الأكثر تكثيفاً للقناعة العراقية , الخبز هو العيش , والشاي هو (( طقس )) الألفة , وفي هذا المزيج , تتحول المادة إلى روح , ويصبح القليلُ كثيراً إذا ما رافقه الهدوء.

يشرح الأستاذ راحة البال كأسمى الغايات , ويطرح سؤالاً جوهرياً: (( وهل هناك هدف آخر للإنسان يسمو إليه؟)) إن هذا الطرح يعكس حكمة (( الثمانيني )) الذي عبر لُجج الحياة واكتشف في النهاية أن الألقاب , والمراكز , والركض خلف المستحيل , تتبخر جميعاً أمام لحظة سكينة واحدة , ويفرق كما الحكماء بين السعادة (( التي قد تكون لحظية وفوارة )) وبين راحة البال (( وهي حالة من التصالح مع الذات والقدر)) , وان ما ينشده الأستاذ صفاء هو هذا (( الاستقرار الداخلي )) الذي يفتقده الإنسان المعاصر في بلاد الغربة أو في زحام التكنولوجيا.

ذلك هوحنين المهاجر والزمن المتسرب , فصاحبنا يحن للحظات العمر والأيام التي انفرط عقدها , والمهاجر لا يحن للخبز والشاي كأطعمة , بل يحن لـ (( السواليف )) التي ترافقهما , الحنين هنا هو للغة المشتركة , للضحكات التي لا تحتاج إلى ترجمة , وللجلسات التي كان فيها الزمن يمشي ببطء ومحبة , قبل أن يتسارع ويصبح (( رقمياً )) بارداً .

إن استحضار الأستاذ صفاء لمفردة (( السواليف )) في فيء التينة يكشف عن فجوة الروح التي يحدثها الاغتراب , فالمهاجر قد يجد (( الخبزة )) ووفرة العيش في بلاد المنافي , لكنه يفتقد (( السواليف )) بمعناها العراقي الحميم , أي ذلك الحوار التلقائي الذي يرمّم انكسارات النفس , الحنين هنا ليس للمكان الجغرافي فحسب , بل هو حنينٌ لزمنٍ كان فيه التواصل بشرياً خالصاً , بعيداً عن برودة الشاشات وعزلة الجدران الأجنبية , إن (( راحة البال )) التي ينشدها هي العودة إلى حضن الجماعة التي تفهم صمتك قبل كلامك , وهو ما جعل النواب يربط بين نضوج الثمر (( تخضّر التينة )) ونضوج الألفة الإنسانية.

في اختيار الأستاذ صفاء لعنوان (( أفكار ليست للبيع )) إشارة ذكية إلى أن القناعة بـ (( استكان شاي )) هي في حد ذاتها فعل مقاومة ضد عالم مادي يحاول تسليع كل مشاعرنا , إن الثمانيني الذي عاصر تقلبات السياسة وضجيج الأيديولوجيات , يدرك في خريف العمر أن أثمن ما يملكه الإنسان هو (( حريته الداخلية )) , هذه الحرية لا تتحقق بالامتلاك , بل بالاستغناء , فمن اكتفى باليسير (( خبزة وراحة بال )) فقد مَلَكَ ناصية الوجود , ولم يعد لأي قوة في الأرض سلطة على سعادته , هو درسٌ في الزهد يلقيه جيل الأساتذة الكبار على مسامع عصرٍ يركض خلف السراب ولا يشبع.

ما نشره الأستاذ الملا هو دعوة للعودة إلى (( الإنسانية الأولى )) , ففي عالم يبيع كل شيء ويشتري كل شيء , تبقى (( الأفكار التي ليست للبيع)) هي تلك التي تتعلق بكرامة الإنسان وطمأنينته , إن (( استكان الشاي )) في القصيدة ليس مجرد مشروب , بل هو رمز لمجلس لا يقطعه رنين هاتف أو قلق من غدٍ مجهول , هي دعوة لنا جميعاً لنبحث عن (( تينتنا )) الخاصة ونمد في ظلها بساط الألفة , فالعمر مهما طال , يجد مستقره في تلك التفاصيل الصغيرة الصادقة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .


المزيد.....




- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص( سَأَقولُ لكِ أُحِبُّكِ بِطَرِيقَتِ ...
- كيف لي أنْ أرأبَ الصدْعَ
- نحو استعادة زمن الحياة


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ استِكان الشاي .