أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين الدَّاجنِ والمُفتَرِس .














المزيد.....

المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين الدَّاجنِ والمُفتَرِس .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 13:11
المحور: الادب والفن
    


كتب ابراهيم البهرزي : (( يجلس الذئب في صالة المعيشة , هو لا يفعل شيئا , يضع ساقا على ساق ويجلس هكذا , في بيتنا القديم كما في بيتنا الجديد , المفترس ُ والداجن كنايات تبادل ُ ما بينها الطقوس , بين حين وحين كان ثمة من يختفي , نبحث عنه , ويبحث الذئب معنا دون جدوى , وليس صدفة ان من يختفي هو الاجمل , وليس صدفة ان الاشد حزنا بيننا هو الذئب , الألفةُ الصُلبة التي بلورها الزمان صارت لا تمنحنا حق الشك , يمضي الذئب وينام في فراش من يشاء , يحلم الذئب وتنفرط ُالحياة عن ذئاب نألفها ومن تُعايش َ طفولته تألفه ُ حتما ولأمر ٍ ما لا تقول له : كفى , ولامرٍ ما نضحك جميعا ضحكة الذئب , ويختفي من يختفي , ويبحث من يبحث يحزن من يحزن ويضحك من يضحك وكل شيء على ما يرام )) , انها (( ألفةِ صُّلبة )) التي جعلت الذئبَ شريكاً في البيتِ والوساد.

يا سادة يا كرام , أولي النهى والأحلام , اسمعوا حديثاً ليس بالهذر , بل هو أدهى وأمرّ , حُكيَ عن (( بهرز )) وما فيها من شجون , وعن ذئبٍ سكن المتون , فصار كأنه من أهلِ الدار , يُشاركهُم ليلَهم والنهار , إليكم مَقامةً في تأويل الرمزِ والبيان , وكيف استوطنَ الخوفُ في زوايا المكان , فكّ رموز الذئب والدّار , حيث جلوس الذئب هو الأمر الواقع الذي يفرض سطوته بهدوء , لم يعد خطراً خارجياً بل صار جزءاً من أثاث الروح والمنزل , اما عبارة (( ساقٌ على ساق )) , فهو استعارة لـ الاسترخاء السلطوي , والمفترس لا يخشى فريسته , بل يعيش معها في طمأنينة الغالب , واختفاء الأجمل , رمز لـ الخسارات النوعية , فالحروب والظلم يختطفان دائماً الأنقى والأبهى , ويتركان الأشد حزناً (( الذئب )) يمثل دور الناعي , اما ضحكة الذئب , هي العدوى الأخلاقية , حين يتماهى الضحايا مع الجلاد , فيضحكون بمرارة لمجرد البقاء على قيد الحياة.

أما التعليقُ على ما سطرَه الأديب , فهو لعمري مِحنةُ اللبيب , لقد صبغَ (( إبراهيم البهرزي )) القسوةَ بصبغة الألفة , وجعل الفجيعةَ تمشي في ركابِ العادةِ واللفة , فوا عجباً لذئبٍ يبحثُ مع الباحثين , ويحزنُ مع المحزونين , وهو الذي طوى في جوفهِ الأطهار , وأظلمَ بظلهِ الأنوار , إنها (( سيرةُ التعايش مع الخطر )) حيثُ يصيرُ الوحشُ جليساً , والدمُ المراقُ حديثاً ومؤانساً , لم يعد الذئبُ هنا غريباً يطرقُ الباب , بل صار رباً للبيتِ يحلمُ فوقَ الثياب , إنها صورةٌ عن (( الخوف )) حين يتربى في الأحضان , فلا يُردعُ بلسانٍ ولا بسنان.

لم ينطق (( البهرزي )) عن الهوى , بل كشفَ عن جرحٍ في الوعيِ قد استوى , فكيفَ يسكنُ الذئبُ (( صالةَ المعيشة )) دونَ نكير , ويضعُ ساقاً على ساقٍ كأنه الأمير؟ إنها سيكولوجيةُ الاعتياد , حين يملُّ الناسُ من الطراد , فيرضونَ بالقاتلِ جليساً , وبالخطرِ أنيساً , لقد بلورَ الزمانُ (( ألفةً صلبة )) هي في الحقيقةِ قيدٌ , وخديعةٌ ما بعدها كيد , إذ كيف يُمنحُ (( حقُّ الشك )) لمن غدا من الأهلِ والخلّان , وتطهرت مخالبهُ في أعيننا بمرورِ الأزمان؟ إنها مأساةُ الضحيّة حين تعشقُ مَن يُفنيها , وترى في حزنِ الذئبِ دمعةً تُواسيها.

في عبثيةِ البحثِ والضحكِ المرير, قمةُ التأثير , تأمل في قوله : (( نبحثُ عنه , ويبحثُ الذئبُ معنا )) , تجد مفارقةً تُبكي العيون وتؤلمُ المعنى , فالذئبُ الذي يعلمُ أين اختفى (( الأجمل )) , يتظاهرُ باللوعةِ ولا يتعجل , يشاركُ في التفتيشِ وهو العارفُ بالخبيئة , ويُبدي الحزنَ وهو صاحبُ الدنيئة , ثم تأتي القاضيةُ في (( ضحكةِ الذئب )) الجماعية , لتُعلنَ انتصارَ العدوى الهمجية , فالمجتمعُ الذي لا يجرؤُ أن يقول للوحشِ : (( كفى )) , هو مجتمعٌ قد استسلمَ للردى وانطفأ فيه الوفا , ينتهي النصُّ بعبارة (( كلُّ شيءٍ على ما يرام )) , وهي ذروةُ التهكمِ والآلام , إذ كيف يستقيمُ الحال , والذئبُ ينامُ في فراشِ من رحلوا من الرجال؟ إنها حالةٌ من (( الاستكانةِ الوجودية )) , التي تجعلُ من الفجيعةِ مشهداً عادياً في السيرةِ اليومية.

فانظر يا رعاك الله , كيف صرنا نألفُ من ينهشنا , ونُجالسُ من بالرعبِ يوحشنا , تفرقت بنا السبل , وضاعت في الفقدِ الحِيَل , والكلُّ يضحكُ (( ضحكة الذئب )) إخفاءً للعويل , وهرباً من واقعٍ ثقيل , وحسبنا أننا نمضي والذئبُ معنا , لا هو تركنا ولا نحنُ استعدنا ما ضاعَ منّا.

تمت المقامة , ولكلّ قارئٍ فطانةٌ وعلامة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.
- مقامة جِنايةُ العِشقِ في السَّكتةِ الأخيرة : جلطة الثمانينيّ ...


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين الدَّاجنِ والمُفتَرِس .