أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟















المزيد.....

مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 10:02
المحور: الادب والفن
    


مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟

قرأت نصا عن الخلود جاء فيه : (( أن المشكلة ليست في قِصر الحياة , بل في غياب الحضور فيها , وأن الخلود , إذا خلا من الهشاشة , يتحول إلى فراغ ممتد , وأن النهاية على قسوتها , ليست عدوا للحياة , بل شرط من شروط معناها , لا نحتاج أن نعيش مئة عام , بل أن نكون حاضرين في يوم واحد كما يجب , فالحياة لا تقاس بطولها , بل بقدرتنا على أن نشعر بها , قبل أن تصبح ذكرى )) .

لطالما كان الخلود هو الحلم الأزلي الذي طاردته البشرية في أساطيرها ومختبراتها , لكننا نادراً ما سألنا أنفسنا : هل نحن مستعدون حقاً لعبء الأبدية ؟ إن المعضلة الإنسانية لم تكن يوماً في ضيق الوقت , بل في ضيق الشعور بالوقت , في هذا النص , نبحر بعيداً عن وهم (( كمّ البقاء )) لنكتشف أن الجمال يسكن في (( الهشاشة )) , وأن المعنى لا يكتمل إلا بوجود النهاية , لنعيد تعريف الحياة بوصفها حضوراً طاغياً , لا مجرد تراكم للسنين .

يمثل هذا النص مرافعة فلسفية عميقة ضد (( كمّ البقاء )) لصالح (( كيف الوجود )) , إنه يتناول معضلة الوجود الإنساني من زاوية مغايرة لما ألفناه في التراث الإنساني الذي لطالما بحث عن إكسير الحياة وخلود الجسد , ان المشكلة الأساسية هي ((غياب الحضور )) ,فنحن نقضي أعمارنا في مطاردة (( المزيد )) من الوقت , بينما نهدر (( الآن )) في التخطيط للمستقبل أو الندم على الماضي , وهذا هو وهم الكمية أو الحضور مقابل الطول والغياب الذهني , وعندما تغيب عن اللحظة , فأنت ميت إكلينيكياً من الناحية الوجودية , حتى لو كان قلبك ينبض , حيث يقترح النص أن يوماً واحداً من الحضور الكامل (( الاستغراق في الشعور , الإدراك , والاتصال بالذات )) يزن في ميزان المعنى دهراً من الرتابة والآلية.

وهناك مفارقة الهشاشة , والتساؤل لماذا نحتاج إلى الضعف ؟ وهذه هي النقطة الأكثر ذكاءً لأن الخلود إذا خلا من الهشاشة يتحول إلى فراغ ممتد , حيث القيمة نابعة من الندرة والأشياء تكتسب قيمتها لأنها قابلة للكسر , ولأنها مؤقتة , الزهرة الجميلة تبهرنا لأنها ستذبل , لو كانت بلاستيكية خالدة لفقدت سحرها الروحي , ولو انتبهنا للهشاشة كمحرك للمشاعر , فالخوف من الفقد هو ما يدفعنا للحب بعمق , والوعي بالضعف هو ما يخلق التعاطف الإنساني , وبدون (( الهشاشة )) يصبح الكائن صخرياً , بارداً , وغير مبالٍ , مما يحول الخلود إلى سجن من السأم .

في فلسفة النهاية , يبدو الموت كواهب للمعنى , حين يصحح النص المفهوم الشائع عن الموت باعتباره ((عدواً )) , ويقول : (( النهاية ليست عدواً للحياة , بل شرط من شروط معناها )) , وذلك بناءً على مبادئ الوجودية , في ان الموت هو (( الإطار )) الذي يجعل للوحة الحياة شكلاً , ولو كانت الحياة كتاباً بلا صفحة أخيره , لتاهت الأحداث وفقدت الحبكة ضرورتها , ووجود (( نهاية )) هو ما يخلق حالة الاستعجال الوجودي , وهو ما يدفعنا للإنجاز, للعناق , وللبحث عن الغاية .

يكمن عبء الخلود في الفراغ اللامتناهي , فالخلود (( الرتيب )) هو في الحقيقة لعنة وليس نعمة , تخيل تكرار الأفعال ذاتها لمليار سنة , ستنفذ المعاني , وستصبح الأحاسيس باهتة , والفراغ الممتد هو الحالة التي يصل فيها الكائن إلى (( التشبع المطلق )) حيث لا جديد يُدهش ولا قديم يُفتقد , والحياة تحتاج إلى (( الدراما )) الناتجة عن الصراع مع الزمن , وبدون زمن ينفذ , لا توجد دراما.

يدعونا النص إلى (( يقظة الحواس )) , إنه يقول لنا : (( توقف عن عدّ السنين , وابدأ في جعل السنين تُعدّ )) , إن الشعور بالحياة قبل أن تصبح ذكرى هو جوهر الذكاء العاطفي والوجودي , المأساة ليست أننا سنموت جميعاً , بل المأساة أن يعيش المرء مئة عام دون أن يلمس جوهر الحياة لمرة واحدة , نحن لا نحتاج إلى (( إكسير خلود )) بل نحتاج إلى (( عدسة مكبرة )) لنرى الجمال في التفاصيل الصغيرة التي تمنحنا إياها (( الهشاشة )) كل يوم , فالمعنى لا يوجد في (( الأبدية )) بل في (( اللحظة )) التي نعيشها وكأنها الأبدية.

المشكلة في الخلود تكمن في قانون (( التناقص التدريجي للمتعة )) , في علم النفس نحن نعتاد على المثيرات مهما كانت قوية ((سيكولوجية الاعتياد وقتل الدهشة )) , ففي حياة خالدة , سيصبح أعظم منظر طبيعي مجرد خلفية باهتة , وأعمق مقطوعة موسيقية مجرد ضجيج متكرر , فقط الموت هو (( المُبهّر )) الذي يعطي للنكهة قوتها , عندما يدرك الإنسان أن هذه هي (( آخر مرة )) يرى فيها غروب الشمس أو يصافح صديقاً , تتضاعف حدة الشعور وتتوقد الحواس , الخلود يسلبنا (( لذة المرة الأخيرة )) .

نأتي الى مفهوم (( الزمن النفسي )) مقابل (( الزمن الفيزيائي )) , حيث يشيرالنص بذكاء إلى أن الحياة لا تقاس بالساعات , بل بـ (( كثافة اللحظة )) , هناك لحظة عاطفة وجدانية قد تختصر في داخلها عشر سنوات من الرتابة , والخلود الفيزيائي هو مجرد (( تراكم أرقام )) , أما الحضور فهو (( تراكم معانٍ )) , والإنسان الذي يعيش في (( حضور)) تام يختبر نوعاً من الخلود النوعي وليس الكمي , هو يشعر بالأبدية في دقيقة واحدة لأن استغراقه فيها كان كاملاً.

تأمل في الهشاشة كجسر للتواصل الإنساني , وفي قول النص : (( الخلود إذا خلا من الهشاشة يتحول إلى فراغ )) , لو كنا كائنات خالدة لا تمرض , لا تشيخ , ولا تموت , لفقدنا القدرة على (( الحب )) , لأن الحب في جوهره هو رغبة في حماية المحبوب من زواله المحتوم , ونحن نهتم ببعضنا لأننا نعرف أننا (( مؤقتون )) , ان الهشاشة هي التي تخلق الرحمة , والكائن الذي لا ينكسر لا يمكنه أن يشعر بآلام الآخرين , لذا , فإن الخلود هو (( عزلة مطلقة )) , بينما الفناء هو (( رابطة إنسانية )) تجمعنا جميعاً في ذات القارب.

الحقيقة ان الهروب من الموت هو هروب من الحياة , الكثيرون يقضون حياتهم في محاولة (( تجنب الموت )) بالهوس بالصحة , بالمال , بتخليد الاسم , لكنهم في الحقيقة ينسون أن يعيشوا , أن قبول النهاية هو الذي يحررنا , عندما تقبل أنك لن تعيش مئة عام , ستتوقف عن تأجيل سعادتك إلى (( الشهر القادم )) أو (( السنة القادمة )) , والحضور هو فعل شجاعة بأن تفتح عينيك على اتساعهما لترى الواقع كما هو , بهشاشته وقسوته وجماله , دون أن تختبئ خلف أوهام البقاء الدائم.

أغلب البشر يعيشون حياتهم (( بأثر رجعي )) , لا يدركون قيمة اللحظة إلا بعد أن تفوت وتتحول إلى ذكرى , والفلسفة هنا في (( الوعي باللحظة وهي تحدث )) أن نشعر بها قبل أن تصبح ذكرى , أن تتذوق طعم القهوة وهي في فمك , لا أن تتذكر طعمها غداً , هذا الحضور هو الذي يكسر (( عبء الخلود )) ويجعل من اليوم الواحد عمراً كاملاً , نحن لا نخاف الموت لأن الحياة قصيرة , بل نخافه لأننا لم نشبع من (( الحضور )) فيها بعد , الخلود الحقيقي ليس في البقاء للأبد , بل في أن تترك في العالم أثراً من (( الدهشة )) و(( الحب )) لا يمحوه الزمن , وهذا لا يحتاج إلى قرون , بل يحتاج إلى (( قلب مستيقظ )) الآن.

في نهاية المطاف , الخلود الحقيقي ليس استمراراً بيولوجياً في خط زمن لا نهائي , بل هو القدرة على اختزال الأبدية في دقيقة من الدهشة , إننا لا نحتاج إلى (( إكسير للحياة )) بقدر ما نحتاج إلى (( يقظة للروح )) , فالموت ليس السارق الذي يسلبنا أيامنا , بل هو الملح الذي يعطي للحياة نكهتها , لنعش الحاضر بكل هشاشته وقلقه وجماله , فالحياة لا تقاس بالأنفاس التي نأخذها , بل باللحظات التي تحبس أنفاسنا من فرط الحضور.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.
- مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .
- مقامة إكسير فيروز: قراءة في فلسفة الحنين عند المندلاوي.


المزيد.....




- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟