أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .















المزيد.....

مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 13:11
المحور: الادب والفن
    


عندما فتحت الحاسوب هذا الصباح , وجدت النشر التالي : (( المال يشتري السرير و لا يشتري النوم , المال يشتري الساعه ولا يشتري الزمن , المال يشتري الدواء ولا يشتري الشفاء , المال يشتري كتاب الأخلاق ولا يشتري الأخلاق , المال يشتري الطعام ولا يشتري الشهية )) , وهي حكمة شعبية تعبر عن أن المال وسيلة لتوفير المظاهر والراحة المادية , لكنه لا يضمن الراحة النفسية , الصحة , أو السعادة الحقيقية , تعني أن الرفاهية (( السرير )) لا تضمن السكينة (( النوم )) التي تأتي من الرضا , الصحة النفسية , والهدوء الداخلي , وفي جوانب هذه الحكمة ان الماديات مقابل المعنويات,
فالمال يشتري الدواء ولا يشتري الشفاء , يشتري الطعام ولا يشتري الشهية , ويشتري الكتب ولا يشتري المعرفة , وفي جانب الوقت والناس , يشتري يشتري الساعة ولا يشتري الزمن , وقد يشتري مرافقين ولكن لا يشتري الأصدقاء الحقيقيين , اما جانب القناعة فأن الهدوء الداخلي والرضا (( النوم )) هما مفتاح السعادة الحقيقية , والمال لا يشتري الرضا , بينما يسهل المال الحياة , إلا أن الصحة , السكينة , والمحبة قيم لا يمكن مقايضتها بثمن.

يزخرتراثنا العربي والإسلامي بالقصص والمواقف التي تُرسخ هذه الحقيقة , فالحكماء والشعراء أدركوا مبكراً أن السلطان والمال لا يحكمان الروح , فلما دخل سليمان بن عبد الملك المدينة , وكان ملكاً مهيباً , سأل عن أحد التابعين , فجيء بـ أبي حازم الأعرج , قال له سليمان : (( يا أبا حازم , ما لنا نكره الموت؟ )) قال أبو حازم : (( لأنكم عمّرتم دنياكم وخربتم آخرتكم , فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب )) , والشاهد هنا , يملك سليمان (( قصور الدنيا )) - السرير - لكنه لا يملك (( طمأنينة النفس )) - النوم الهادئ - عند ذكر الموت , بينما كان أبو حازم لا يملك شيئاً لكنه يملك اليقين , وذلك هو كبرياء الروح .

يلمس الموضوع وتراً حساساً في طبيعة الحياة المعاصرة , حيث يخلط الكثيرون بين (( الوسيلة )) و (( الغاية )) , المال في جوهره هو طاقة كامنة قادرة على شراء المادة , لكنه يقف عاجزاً أمام الروح والمعنى , وتلك هي فلسفة المادة مقابل الجوهر , والمنشور يعتمد على أسلوب المقابلة , وهو وضع الشيء ونقيضه في جملة واحدة لإبراز الفجوة بينهما , ف (( السرير, الساعة , الدواء , الطعام)) تمثل (( الأدوات )) التي نمتلكها , في حين ان (( النوم , الزمن , الشفاء , الشهية )) تمثل (( الحالات )) التي نعيشها , نحن نشتري (( الأداة )) بالمال , لكن (( النتيجة )) هي نتاج لسلامنا الداخلي .

تُكتسب القيم الإنسانية بالتربية والمجاهدة , لا بالشيكات البنكية , فالمال يشتري (( الساعة )) كجماد , لكنه لا يعيد (( الزمن )) الذي فات , وهذه دعوة لاستثمار الوقت في اللحظات الحقيقية لا في مراكمة الثروة فقط , والحكمة تقول إن (( النوم )) لا يحتاج إلى ريش نعام بقدر ما يحتاج إلى ضمير مستريح , وقد يطرد المال الضجيج الخارجي , لكنه لا يهدئ الضجيج الداخلي , والمال ليس شراً , بل هو (( خادم جيد وسيد سيئ )) , المشكلة ليست في امتلاك السرير الفاخر , بل في الاعتقاد بأن فخامة السرير هي التي ستجلب النوم , ان المعادلة الحقيقية هي : (( السعادة = توازن المادة + سكينة الروح )) , فإذا طغت المادة , أصبحنا (( أغنياء فقراء )) , نملك كل شيء ولا نشعر بشيء .

يبدو أن ضغوط الحياة الحديثة جعلت (( شراء السرير )) غاية في حد ذاتها , مما أنسانا أهمية (( النوم )) الهادئ ؟ خاصة في زمن طغت فيه الأرقام على القيم , اذ يمنح المال الإنسان شعوراً زائفاً بالقدرة على (( إدارة القدر )) , حين يشتري المرء أحدث الأجهزة الطبية (( الدواء )) , فهو يحاول (( شراء )) البقاء , لكن الشفاء يظل خارج نطاق البيع والشراء , لأنه يتعلق ببيولوجيا الجسد وبأمر الله , هذا التصادم بين ما (( نملكه )) وما (( يحدث لنا )) هو قمة المأساة البشرية التي تلخصها هذه الحكمة.

لو انتبهنا الى الفارق بين (( الاقتناء )) و(( الاحتواء )) , لوجدنا ان الاقتناء هو فعل خارجي (( شراء الكتاب , شراء الساعة )) , في حين ان الاحتواء هو حالة داخلية (( أن تكون متخلقاً , أن تعيش اللحظة )) , والمال يعزز (( الاقتناء )) لكنه قد يضعف (( الاحتواء )) , فالغارق في جمع المال ليشتري (( ساعة )) ثمينة , غالباً ما يضحي بـ (( الزمن )) الذي كان يجب أن يقضيه مع أحبائه أو في التأمل , فيتحول من مالكٍ للشيء إلى مملوكٍ له.

وتلك هي أزمة (( المعنى )) في العصر الحديث , ففي الماضي , كانت الحكمة الشعبية تكتفي بالقول إن (( المال لا يشتري السعادة )) , أما اليوم , فقد تفككت هذه المقولة لتصبح أكثر دقة , المال يوفر (( الرفاهية )) لكنه لا يوفر (( الرضا )) , والرفاهية هي غياب الألم الجسدي (( فراش وثير , طعام شهي )) , أما الرضا فهو حضور السكينة في القلب , وعندما نقول إن المال يشتري (( كتاب الأخلاق )) ولا يشتري (( الأخلاق )) , فنحن نلمس جرحاً اجتماعياً , حيث يظن البعض أن الوجاهة الاجتماعية والقدرة الشرائية يمكن أن تحل محل الرقي الإنساني , اذ ان الأخلاق هي ((عرق الروح )) وتراكم المواقف , وليست بضاعة تُغلف وتُهدى.

يُروى أن أحد الأمراء أراد أن يرى (( ليلى )) التي جُن بها قيس , فلما رآها وجدها امرأة عادية السمات , فقال متعجباً : (( أنتِ التي جُن بها قيس؟ ما أنتِ بأجمل من غيرك )) , فردت ليلى بذكاء الفطرة : (( اسكت , فإنك لا تملك عين قيس لتراني بها )) , والشاهد هنا , الأمير يملك المال لشراء (( الجواري والحسان )) , لكنه لا يملك ((عاطفة )) قيس ولا نظرته التي تجعل من العادي معجزاً , وفي الرضا مقابل الملك , دخل ابن السماك على الخليفة هارون الرشيد , وبينما الرشيد يهمّ بشرب قدح من الماء , قال له ابن السماك : (( يا أمير المؤمنين لو مُنعت هذه الشربة بكم تشتريها؟ )) قال الرشيد : (( بنصف ملكي )) قال : (( فلو مُنعت خروجها منك - أي حبس البول - بكم تشتري خروجها؟ )) قال : (( بنصف ملكي الآخر )) , فقال ابن السماك : (( يا أمير المؤمنين , إن ملكاً لا يساوي شربة ماء , لخليقٌ ألا يُتنافس عليه )) , والحكمة هنا الرشيد يملك (( الماء )) - المادة - لكنه لا يملك (( الصحة والارتواء )) - الشفاء والنعمة - وماله كله لا يضمن له وظيفة حيوية واحدة بجسده.

كان العرب قديماً يقولون : (( القناعة كنزٌ لا يفنى )) لم يقصدوا بها الرضا بالفقر , بل قصدوا أن (( السكينة )) هي الثروة الحقيقية التي لا تُباع في الأسواق , ويقول أحد الحكماء: (( هناك أشخاص فقراء جداً , لدرجة أنهم لا يملكون سوى المال )) ,انها معادلة بسيطة , المادة (( المال )) هي (( الجسد )) , والمعنى (( النوم - الشفاء - الأخلاق )) هو (( الروح )) , وكما أن الجسد لا يحيا بلا روح , فإن السرير يظل قطعة خشب صماء ما لم يزره النوم , أن (( الفقر الحقيقي )) هو فقر النفس , مهما تضخمت الحسابات المصرفية , وان الحياة أوسع من محفظة ممتلئة وقلب فارغ , فلنبحث عن الأشياء التي لا تُشترى بالمال , فهي وحدها ما يجعلنا أغنياء حقاً .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .
- مقامة الخصام في سيكولوجية شكل تاني : كيف فكّك محمد عبد الوها ...
- مقامة الملتفت وبغية المسترشد : حكمة قديمة لنجاحات حديثة.


المزيد.....




- عدسة الغائب الحاضر.. -أوسكار الإنترنت- يتوج فيلم محمد سلامة ...
- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .