أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حدودُ الذئب














المزيد.....

قصة قصيرة: حدودُ الذئب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 08:17
المحور: الادب والفن
    


في فجر يوم صيفي خانق، دوّى صوتُ طلقات نارية في أطراف القرى، صوتُ لم يكن مألوفاً في ذلك التوقيت، لكنه كان كافياً ليوقظ في نفوس الأهالي إحساساً غامضاً بأن أمراً جللاً قد وقع. هرع الرجالُ من بيوتهم، كلٌّ حسب فهمه المتوارث لتلك الإشارات، فالرصاص في مثل هذا الوقت لا يطلق عبثاً.
وما إن بلغوا المكان حتى تبين لهم أن القطيع قد اختفى بالكامل. لم يبق سوى آثار أقدامٍ مضطربة، وترابٍ مقلوب، كأن الأرض نفسها شهدت الفزع. تردد الظن بين لص محترف يعرف كيف يختفي، أو ذئب باغت الراعي وأجبر الأغنام على الارتحال خوفاً، فالخوف حين يستبد بالقطيع يجعله طائعا لمن يقوده.
انقسم أهل القرى إلى مجاميع، وانتشروا في الجهات كلها. بعضهم امتطى الجرارات الزراعية، وآخرون سيارات حمل قديمة، ومن لم يجد سوى دراجته الهوائية لحق بهم. لم يكن البحث عن ماشية ضائعة فحسب، بل عن طمأنينة سُلبت مع الفجر.
وحين عثرت إحدى المجاميع على شاة هنا، وعنز هناك, وقد بُقرت بطونها وتُركت بلا اكتراث، أدرك الجميع أن الفاعل ذئب لا غير. ذئب يقتل بقدر حاجته، ثم يترك ما تبقى لوقت آخر. عندها أُطلقت طلقات جديدة في الهواء، لا رعباً هذه المرة، بل نداءً لجمع بقية المجاميع بعد أن تبين الدليل.
لم تمضِ دقائق حتى تناهت إليهم طلقات من جهة بعيدة، قرب أحد الأبراج النفطية. وحين وصلوا، وجدوا الحارس هناك قد تصدى للذئب، وأبعده عن القطيع، وخلّص ما تبقى من الأغنام. شكره الجميع، ثم تعاونوا على إعادة الماشية إلى صاحبها البدوي، الذي اختار أن يسكن وحيداً في أقصى الجزيرة، بعيداً عن ضجيج القرى.
عاد القوم، وبدأوا بإحصاء الخسائر. تجاوز عدد النافق ثلاثين رأساً بين شاة وعنزة. وفي خضم ذلك، حضر رجلٌ طويل القامة، لفحت الشمس ملامحه حتى صارت كالأرض التي عاش عليها. كان معروفاً بتربيته للماشية، لا كما يُعد، بل كأرواح تُصاحب روحه. كان يؤمن أنها تسمعه، وأنه يفهم شكواها؛ فإن ارتفع ثغاؤها أدرك أن خللاً ما يطرقها، وإن هدأت، اطمأن قلبه قبل أن يطمئن عقله.
لكن المواسم تغيرت. شحت الأمطار، وطمع أصحاب الأراضي بحرث ما كان مرعى، فلم يبقَ للأغنام متسع. وكأن نبوءة يوسف القديمة قد عادت بثوبٍ آخر: خصبٌ يعقبه جفاف. حينها، وتحت وطأة الواقع، أجبر قلبه على إيداع أغنامه الخمسين عند ذلك البدوي في أقصى الجزيرة. كان يزورها بين حين وآخر، فتلتف حوله كأنه تعرفه، تشكو بصمت أو تطمئن بسكوت.
بدأ العد... خمسون رأساً كاملة، لم ينقص منها شيء.
سادت الدهشة، إذ استغرب الأهالي هذا الذئب الغريب، الذي لم يمد أنيابه إلى أغنام الرجل، في حين أفنى أكثر من خمس وثلاثون رأساً من أغنام البدوي. فالذئب، في منطقتهم، لا يميز ولا يحسب، ولا يعرف معنى العدل.
لكن الرجل أدرك السر. كان يعرف حدوده في التعامل مع المال، ويعرف أن للمال حقاً ليس له أن يتجاوزه. لم يكن يُفصح عن ذلك، لكنه كان قد سمع آية لم يحسن تفسيرها، غير أنها استقرت في قلبه:
( ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)
كان يفهم التقوى على فطرته: هي سلامة في الرزق، وأمان في العطاء، وإيمان لا يكتمل دون حق الله في المال. فالمال عنده وسيلة، لا غاية في العمر.
وأمام دهشة الحاضرين، فاضت عيناه بالدموع. لذا طُرح السؤال:
- كيف حدث هذا؟
لم يكن يرغب بالإجابة، لكن النظرات أحاطت به، فأجبره الصمت على الكلام. قال بهدوء:
- كنت اعرف حق الله في مالي.
سأله الراعي الذي كان يعمل لدى البدوي:
- وما حق الله؟
قال:
- كنت أزكي أغنامي.
عندها، وبصوتٍ خرج مثقلاً بالخسارة، سأله البدوي:
- وما هي الزكاة؟
ساد صمت ثقيل. لم يُجب أحد. تبادل الرجال النظرات، كأن السؤال لم يُلقَ عليهم، بل سقط بينهم مثل حجرٍ في بئر ماء راكد. انخفضت العيون، وتراجع الصوت، وبقيت الأغنام واقفة، لا تعرف أنها كانت طرفاً في ميزان لم يُنصب لها.
مسح الرجلُ دموعه بكمه، وأدار وجهه نحو الصحراء الممتدة. فهناك، بعيداً، كان الذئب قد اختفى، مكتفياً بما أخذ، دون أن يتجاوز حدّه.
أما السؤال....
فقد بقي معلقاً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...


المزيد.....




- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حدودُ الذئب