أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم














المزيد.....

قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 20:43
المحور: الادب والفن
    


من بين الطيور، كانت حمائم القرية تحاول أن تعيش بسلام، إذ اختارت أعالي الأسطح وأغصان الأشجار كأنها تبتعد من ثقل التراب، مبتعدة عن عبث الأطفال. لكنها في الوقت نفسه نسجت علاقة خفية مع سكان هذه القرية، على الأقل من جانبها كما تظن، وهي تطمح في أعماقها إلى حياة أهدأ، علّ منظرها الوديع يجلب البهجة لقلوب ساكنيها، كما يمنحها الأمان الذي تحتاجه لتواصل حياتها. كانت تتشبث بوهم جميل عن تبادل الود مع ساكني البيوت، بينما الحقيقة تومض خلف ستار من الطمأنينة الزائفة، ولهذا فهي حذرة على الدوام، كأنها ترى في مرآة البشر سلاماً يخفي غدراً مؤكداً. كانت تراهم منشغلين بتدبير شؤون حياتهم، فتنزل إلى الأرض لتلتقط فتات الخبز المتناثر عند عتبات البيوت، وكأنها رسائل محبة غير منطوقة، بقدر ما تسمح به قوانينها الطبيعية من اقتراب.
لكن شيئا ما بدأ يتبدل مع مرور الأيام، رأت الرجال يحملون بنادق الصيد على أكتافهم، يمتطون الدراجات النارية منذ الصباح ولا يعودون إلا عند المغيب، وهم يحملون سلالا ممتلئة بطيور من أنواع شتى، وإذ كانت ترقبهم بفضول البراءة، باغتها مشهد اختلطت أجسادها المذبوحة في صمتٍ واحدٍ، فيتم تقاسمها بين أفراد المجموعة، وهم يمارسون طقوسا احتفالية أمام هذا الكم من الصيد الوفير. دب الذعر في قلوب الحمائم الضعيفة، فهاجمت التساؤلات في أعماقها، بهديل لا يترجم إلا خوفا خفيا من مصير قادم.
بدأت تشعر بانعدام التوافق بين ما تراه وما تؤمن به، كأن كوابيس أعوام طويلة، بعد أن انقضت، عادت لتنهش طمأنينتها. لم تعد ترى فتات الخبز نقيا كما كان، بل صار طعما ساما كما كانت تسمع، ينتظر أن تلتقطه، والأصعب من ذلك، تلك الشباك الشفافة المعلقة على أغصان الأشجار، لذا شرعت بالبحث عن إجابات لسؤالها المتكرر، بعد أن ملأتهم تلك المناظر بالرعب:
- ما الذي يمكنه أن يقع؟
رغم عالمها المكرس للطاعة، ظل في أعماقها هديلٌ خافتٌ يعكس قسوة العالم، لا يمكن قطعه بالكامل، إذ كانت تخشى تجاوز ميراث الأجداد، حيث عليها أن تؤمن بأن الموافقة سيدة المواقف، وأن الصمت جواز البقاء. كانت ترى الإنسان يغير أعشاشها متى شاء، فيغمرها شعور بالازدواجية الموجعة؛ كيف للوديع أن يتحول في لحظة إلى قاتل بارد؟ فتصعد إلى الحواف العالية تتأمل القرية في وجوم، كأنها تهمس لنفسها:
- هل يمكننا أن نهرب من هذا العالم الزائف؟
وحين بلغت القناعة بضرورة الرحيل. أدركت أن البقاء لم يعد ممكناً. لذا تركت أعشاشها التي بنتها بتعبٍ وأمل، ويمّمت وجهها نحو الصحراء الشاسعة، حيث الآبار المهجورة والكهوف الغائرة، علها تجد حرية خالية من الخداع البشري.
في البداية، سكنت في ظل اتساع مريح، لا نوافذ تترصدها، ولا صخب قرية خادع، وارتياح دافئ لكونهم معا في ظلمة مشتركة من خلال نداءات داخلية متبادلة، كأنها رحم جديد، فتلقي بنفسها على الغذاء النابع من شدة الجوع, ويغورون في غمارها كمن يستعيد ذاته بعد الأسر.
غير أن الوهم لم يدم طويلا، فذاك الذي هربت منه كان ينتظرها في وجه آخر. سرعان ما اكتشفت أن وحشة الصحراء تخفي أخطاراً جديدةً؛ فالشباك التي كانت تراها معلقة في الأشجار، عادت إليها الآن في هيئة فخاخ تُنصب على حواف الآبار، لتصطاد أجسادها الطرية. وفي الأعالي، كانت النسور والصقور ترسم دوائر الموت في الفضاء، تتربص بالغنائم وفق قانونها الغريزي الصارم.
صار الخوف مضاعفاً، وكأنه علم باطني إلى حد بعيد؛ خوف من الأعلى حيث المخالب الحادة والمناقير المميتة، وخوف في الأسفل حيث الحيلة البشرية التي لا تنتهي. لذا أصبحت محاصرة بين عدوين؛ الوحش الذي يصطاد باسم الغريزة، والوديع الذي كان كما تراه يقتل باسم المتعة. ومع ذلك، ظل الجوع الذي يجبرها على الخروج من مخابئها، كونه حالة لا يمكن تجاوزها حتى لو حاولت الوصول إلى الأسمى من خلال الصوم الطويل.
ثم وقع ما لم تتوقعه: بدأت النسور تختفي شيئاً فشيئاً مع دوي الطلقات النارية. أحست بأمل واهن، إذ خُيل إليها أن الإنسان هذه المرة يدافع عنها، لكنه ما لبث أن تلاشى حين أدرك أنه لم يفعل ذلك إلا ليحتكر الصيد وحده. فمع انحسار الطيور الجارحة، تكاثرت القوارض والزواحف في كل مكان، وغدت الآبار نفسها غير آمنة.
وأحكم الإنسان قبضته على الصحراء، كأن الوحش الذي هربت منه لم يكن سوى صورته الأخرى، حيث حولها إلى ساحة صيد بلا حدود، بسياراته وأسلحته الحديثة، كأنه امتلك الأرض وما عليها. عندها تساءلت الحمائم بصوت خافت يشبه الندم:
- من نكون؟
الآن، تختبئ في عمق الآبار المظلمة، لا ترى سوى بريق ضوء خافت من فوهة ضيقة، وتسمع أصوات المحركات تقترب. تدرك أن صورة الإنسان التي كانت تؤمن بها كانت قناعا هشاً، وأنه لم يعد ذلك الكائن التي كان يتركها تلتقط فتات الخبز المتناثر، بل السيد الذي حول العالم إلى فخ واحد كبير.
في صمت الليل الصحراوي، كانت الحمائم تتأمل النجوم من فتحة البئر الضيقة، ترنو إليها بعينين تملؤهما الحسرة، ثم تغمض جفنيها كأنها تستدعي فجرا ظل طريقه إليها. فقد تبدل وجه الإنسان، وخسرت مأواها الآمن، ولم يبق لها سوى خوف أبدي من سيد لا يعرف للرحمة معنى، ولا يفهم من لغات الوجود سوى الامتلاك والتدمير.
وما زالت تلك الوصية القديمة تحيرها "كن طيبا كالحمامة، وحكيما كالأفعى". فلربما لم يتغير الزمن، لكنها أدركت أنها كانت مطاردة منذ الأزل، وأن الطيبة وحدها لا تقي من فخ الخديعة.
لتقرأ السلام بكل أسى على من يشبهها في الأمس واليوم، وعلى كل كائن وديع ما زال يؤمن بأن في العالم متسعا للطمأنينة، وعلى مسلتها البعيدة التي نُقشت عليها الحكاية بحروفٍ من حزنٍ مضيءٍ "مرثاةَ الحمائم"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم