أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة سفر بلا توقف














المزيد.....

قصة قصيرة سفر بلا توقف


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 13:56
المحور: الادب والفن
    


سفر بلا توقف
تعصفُ الريحُ في أروقة الخيمة بعد أن اجتاحت الأمطار المخيم بعاصفة هوجاء، فيما تقف ُأشباحُ الليل عند الباب تمارس لعبتها المألوفة، فتشعل مخاوفه الراقدة منذ أكثر من ثلاثين عاماً ونيف. وهو، في غربته البعيدة، سئم من المتاهات ودروب الانكسار، فتتدفق إلى قلبه الظامئ أعباء الذكريات المزدحمة بالهموم. تتملكه رغبة جامحة في إطلاق صرخة تشق جدار الزمن، فدوي أزيز الألم يشتعل في جوفه، فكأن بركاناً يثور على ذاته وعلى الزمن دون وعي منه. يترك لنفسه العنان للهرب نحو أماكن تشده إليها خيوط خفية، مدركاً أن رابطاً غير مرئي يجره إليها. وثمة تداخل غريب بين ما يهيم به من صور قديمة تتلاطم بلا رتوش وبين الواقع الذي يستهلك الزمن بلا جدوى، ولم تعد الكلمات، ولا الأحاديث، ولا المواويل التي تعبر عن وعيه قادرة على مواساته.
مرت عليه أعوام من المعاناة، يلاحقه شعور باللاجدوى. يستلقي على فراشه الذي اعتاد الجلوس عليه، عاجزاً عن إيجاد مخرج لهذا الكابوس. يجوب ببصره بين الأشياء المبعثرة في الخيمة الواقعة في أقصى شمال المخيم، ومن بينها كتاب مصاطب الآلهة للكاتب الراحل محمود جنداري، الذي حمله معه اعتزازاً في اللحظات الأخيرة. يستدير إلى الجهة الأخرى، ويخيل إليه أن شخصاً ما يقف في ذات الجهة، بعينين رسمتا في مخيلته في بحر من السواد، لكنه لا يجد شيئا. لا شيء يربطه بالمكان سوى حضور آني لا مفر منه، وطلاسم مبهمة، وهلوسات بجمل بلهاء. بلا وعي، ينساب مع موسيقى الروح وهي تحاول الابتعاد عن تلك الفوضى ومحددات النفس بأسئلة واستجوابات لا ينتهي في المخيم، فيسأل نفسه:
- هل ما زلت حياً؟
لم يعد يعنيه عدد السنوات التي قضاها في المخيم، ولا التجاعيد التي تعكس ضروب الزمن. فالوعي لديه صار مرادفاً لحضور الازعاج وما ينعكس من تجهم، وهو أيضاً استمرار لتعذيب النفس والتحليق في أسراب الأحزان. يمني النفس أن يكون في حلم وقد شارف على نهايته، غير أن الامتداد الهائل للخيام يعيده إلى الواقع؛ فالضجيج لا يتوقف إلا في الثلث الأخير من الليل، ونباح الكلاب لا ينقطع وهي ترتجف من البرد. خيام لا تفصله عنها سوى الأجساد، وحكاياتها لا تنتهي، سواء أرهف السمع أم لم يفعل، لتنتهي بدموع تنساب تلقائياً.
غالبا ما يأخذه الرحيل إلى أماكن نشأته حين يتدثر باللحاف، فيغطي أذنيه اتقاء للضجيج. عندها يسود الصمت في عالمه، وتجتاحه صور من مرايا الطفولة التي أروت قلبه بالعطش، أو مشاهد من شبابه قبل أن يغادرها عنوة. لا يفهم هذا الإحساس، كأن الأرض توقفت عن الدوران. ويطوف في قريته، بين سعادته الأولى وجنونه الذي لا ينتهي، عاجزاً عن المقاومة، إذ تسري تلك الصور في شرايينه. هناك نهر دجلة، والجزر التي نمت مع السنين، تلك التي كان الوصول إليها شاقاً، وناي يعزف على الضفة، بينما ظل الخوف من السعلاة حاضراً كلما خاض تلك المياه الصافية. ثم الطرق الترابية حيث العودة إلى البيوت الطينية التي ما زالت تقاوم الزمن، مخترقاً الأرض المستوية التي كانت مهبطاً للطائرات الزراعية، حيث يكثر نبات العوصلان الذي يصبغ الأقدام بلونه الأزرق. ومن جهة الغرب تمتد الصحراء بلا نهاية، حتى يطبق الأفق عليها، حيث الذئب الذي نسج الناس حوله عشرات الحكايات. والمدارس التي تطورت من حيث البناء، ومركز القضاء الذي كان يعتبره حلم طفولته الوصول إليه.
أخذ يعود إلى تلك الأمكنة أكثر من ذي قبل، يغوص في خوالج الذكريات، كأن فيها شيئاً عصياً على الإدراك. يتخيل نفسه يقف طويلا عند كل موقع، يتأمله بعناية، فيجد ذاته فيه فلا يغادره، مستعيناً سنوات عمره الضائعة. حتى الهواء فيها يحاول أن يتحسسه، ويبحث في وجوه المارة. إنه يبحث عن شيء لا يحدده تماماً، رغم يقينه بعبث ذلك السعي، غير أن دواخله تدفعه إليه، وكأنه نسي شيئاً ما هناك.
في كل مكان، يشعر بأن جزءاً منه عالق، لا يراه ولا يتمكن من تسميته، لكنه كافٍ ليزداد تفكيره وشوقه للعودة. لذا صارت الأيام أطول من المعتاد، كلما أشتد حنينه إلى تلك العودة.
وسط هذا التكدس البشري الهائل، حيث يستلذ أصحاب الحل والربط بزيادة وطأة المعاناة، يحاول أن يبتسم، ويتحدث عن أوجاعه لعلها تخف حدتها. لكنه يشعر دائماً بأن أشياء ما تنقصه، تركها هناك، لا يعرف شكلها ولا ماذا تكون، لكنه يدرك أنها موجودة في تلك الأمكنة بعينها. وإلا، لماذا كل هذا الترابط؟ ولماذا يحس أنها تمتلكه دون أن يستطيع امتلاكها.
هناك أدرك أن الأشباح تعود دائماً إلى أمكنتها القديمة، لأنها مثقلة بها، لا لأنها أخفت فيها كنوزاً ثمينة، بل لأنها تشعر أن الرحيل عنها لا يكتمل دون دفع الثمن. وعلى هذا الأساس، عليه أن يدفع ذلك الثمن. ما زال يبحث عن فجر ينتشله من الفوضى، وينقب في خسارات تحولت إلى فراغ دائم داخله. الخرائط الغامضة باتت تطارده، وهو يدرك أنه في تيه مستمر، ومع ذلك لم يتوقف عن السفر في رحلة بحث جديدة، ليصرخ في وجه الغياب.









ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- حسن المسعود .. المغايرة والتجديد في فن الخط العربي
- صراع الروايات بين واشنطن وطهران: حين يسبق التسويق السياسي نت ...
- برلين تفتتح -سود أوست غاليري- معلم الفنون الجدارية في الهواء ...
- من أساطيل البرتغال إلى حاملات الطائرات: هرمز مسرح الصراع عبر ...
- بيت المدى يحتفي بالفنان حسن المسعود
- المعايير العلمية في الخطاب الإعلامي في اتحاد الأدباء
- صوت مصري في فيلم عالمي.. نور النبوي يخطف الأنظار
- ملتقى الرواية الشفوية في رام الله: الذاكرة الفردية كخط دفاع ...
- «من مراسمنا».. معرض يجمع أجيال الفن التشكيلي في بغداد
- بعد حكيم زياش.. بن غفير يهاجم الممثل التركي جوركيم سفينديك ب ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة سفر بلا توقف