أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود














المزيد.....

جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 21:19
المحور: الادب والفن
    


جدلية الغياب والانتظار
تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود
في قصة بلا ذرية، لا يظهر الغياب بوصفه حادثة عابرة، بل يتجسد كقدر يعاد إنتاجه مع مرور اللحظات، كأرض عطشى تعودت انقطاع قطرات المطر. إنه غياب يتحول إلى كينونة، غول كأنه يسكن الساعات كلها، ويصرخ كلما اقتربت ساعة الرحيل، حتى بدا النهار يرتدي ثوب الليل، وغدت الحياة معلقة بين حضور ناقص وانتظار سيكتمل بالألم. فالغياب، كما لو أنه يعيد تشكيل القلب، يجعله أكثر وعياً بما فقد، وأكثر هشاشة أمام ما ينتظر، وكأن القلب كما في تعبير "تينيسون" " لا ينمو إلا حين يُحرم مما يحب".
ورغم ما تخلفه " آمنة" زوجته من روائح في الأمكنة، ومن ظلال على جدران الذاكرة، يظل الخوف الأكبر هو طول الغياب؛ حتى وإن رُسمت صورتها على شراع سفينة الأشواق. إنه غياب لا يكتفي بالمسافة، بل يدفع الذاكرة إلى تخزين الأحبة في عتمة مؤلمة، حيث يتحول الحنين إلى وجع صامت، كما لو أن ما نحب يُودع في حجرة مظلمة من الذاكرة، على حد تعبير " كافكا"
فآمنة كأنها تمتلك خارطة الزمان والمكان في مخيلته، لذا فزوجها لا يكف عن نسج عرش الحلم فوق مقاعد الذكريات، غير أن هذا الحلم يظل قلقاً، خشية أن يتحول ذلك الانتظار إلى داء بلا دواء، وقدر لا فكاك منه، مشدود إلى عنق الوقت. فالانتظار هنا لا يُقاس بالأيام، بل بثقل الشعور، إذ يبدو الزمن أطول كلما تعلق القلب بحلم مؤجل، أو برجاء يعرف في قرارة نفسه أنه لن يكتمل.
في هذا السياق، فكأنما الزوج يحمل قلبه على كفيه، أسير انتظار لم يبدأ، مشوباً بالوجل، فتتقاذفه الأفكار كما تتقاذف الريح سفينة بلا مرسى، ليجد نفسه يمشط الطرقات المزدحمة بحثاً عن أثر، فلا يجد سوى فراغ أشد قسوة من قبل أن ترحل لأداء مناسك العمرة. وهنا تتجلى عزلة الانتظار، فليس كل من ينتظر محاطاً بالآخرين، بل ثمة انتظار يجعل صاحبه أكثر وحدة، لأن ما يُنتظر لا يشاركه فيه أحد.
فيشع الشوق من عينيه بوصفه العلامة الوحيدة الظاهرة على التعلق الروحي فيما بينهما، فلا أطفال تؤنس وحدته، ولا ضجيج يبدد الوقت الرتيب.
فالقصة، منذ سطورها الأولى، تُدخل القارئ في فضاء نفسي مشبع بالحزن الصامت، حيث تتجاور الطقوس الدينية مع هشاشة الداخل الإنساني، وتتصادم فرحة العمرة مع وجع الوحدة الذي سيدخل حيز التنفيذ. فالنص يُبنى على ثنائية واضحة: آمنة الذاهبة إلى العمرة، والزوج الباقي مع وحدته. تلك الثنائية التي لا تُقرأ بوصفها سفر وعودة، بل كاستعارة كبرى عن الغياب والانتظار. فالغياب والانتظار هنا ليسا حالتين منفصلتين، بل توأمين، فلا يتحقق أحدهما إلا بحضور الآخر، وكأن أحدهما يلد الثاني باستمرار.
آمنة لا تسافر لوحدها، بل محملة بذاكرة الوالدين، وبفراغ الأمومة المؤجلة إلى الأبد. أما الزوج، فيبقى لأنه مجبر على البقاء، حارساً لبيت لا يعرف الضجيج، ولا فوضى الحياة المكتملة.
الذرية الغائبة في القصة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي مركز الثقل الشعوري. فكل حركة، وكل قلق، وكل سؤال، يعود ليصطدم بهذا الفراغ. فحين تفكر الزوجة بالسفر، لا تفكر بمن سيودعها من الأبناء، وحين يقلق الزوج، لا يقلق من فراق مؤقت بقدر ما يتعلق بمصير الوحدة. هنا، يتحول عدم الإنجاب إلى غياب دائم، لا يعوض بالصبر وحده، لأن ذلك الصبر يصبح شكلاً آخر من أشكال الانتظار المؤلم.
البيت في القصة يحوله الكاتب إلى كائن حي، كائن ينتظر هو كذلك، المفتاح، الوسادة، الحلي، الغرف، كلها أشياء مشحونة بالخوف من الفراغ. حتى الخشية من السرقة تقرأ كخوف رمزي من انكشاف بيت بلا شهود. فالبيت الذي لا يضج بالأصوات، يبدو كأنه ينتظر اعترافاً بوجوده، ينتظر دليلاً مادياً على أنه ما زال مأهولاً بالحياة.
وفي السياق ذاته، يجعل الكاتب الموقف يبلغ ذروته في جدلية الغياب والانتظار في مشهد ساحة انطلاق القافلة. هناك، حيث يفيض المكان بالأبناء، وتتعالى أصوات الوداع والفرح، فينزوي الزوجان على الهامش. لا حسد في نظراتهما، بل وعي موجع بالفارق، فالآخرون يودعون أبنائهم، أما هما، فيقفان أمام انتظار يتغذى على المقارنة الصامتة، وعلى إدراك مرير بأن ما ينقصهما ليس شخصاً بعينه، بل معنى الاكتمال ذاته.
الانتظار هنا ليس مؤقتاً، وليس مرتبطاً بعودة الحافلة بعد عشرة أيام، بل إنه انتظار ممتد منذ عشرين عاماً، انتظار لشيء لم يحدث، ولن يحدث. وحين ينتظر على هذا النحو، فهو لا ينتظر العودة فقط، بل ينتظر معنى وجوده الذي غاب معها، وينتظر تفسيراً لصبر طال أكثر مما ينبغي. ولذلك، حين يلوح الزوج بيده للحافلة، لا يلوح لآمنة وحدها، بل يلوح لفكرة الرجوع نفسها، لفكرة أن تعود وتملأ الفراغ، ولو مؤقتاً.
إن قصة " بلا ذرية" نجحت في تحويل الخاص إلى إنساني شامل، فهي لا تتحدث عن زوجين بعينهما، بل عن كل بيت عاش طويلا على هامش الاكتمال، وكل روح تعلمت أن تتعايش مع الغياب، وأن تصنع من الانتظار شكلا من أشكال الصبر المؤلم. فالانتظار، في جوهره، ليس إلا اختبار الزمن لنقاء الرجاء، وكلما طال الامتحان، انكشفت هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد.
وهنا تكمن قوة قصة "بلا ذرية"، لا في الحدث، ولا في نهايته المفتوحة، بل في قدرتها على الإمساك بتجربة إنسانية هادئة وموجعة. إنها قصة لا تصرخ، بل تهمس، ولا تدين، بل تضع القارئ أمام الهشاشة الخاصة. فالصمت فيها ليس فراغاً، بل امتلاء بالأسئلة، والانتظار ليس زمناً ضائعاً، بل حياة كاملة تُعاش على الهامش.
لقد نجح النص كما أرى في أن يجعل الغياب أكثر حضوراً من الحضور نفسه، وأن يحول الانتظار من حالة عابرة إلى بنية شعورية دائمة، يتكيف معهما الزوجان كي لا ينهارا، وأن يعيدا ترتيب حياتهما حول ما لم يحدث.
وفي الختام، تبدو حركة تلويح الزوج للحافلة فعلاً رمزياً بالغ الدلالة؛ فهو وداعاً وتسليما لذلك القدر، أضافة إلى مصافحة أخيرة بالعيون لأمل العودة، وكأن النص يترك سؤالاً معلقاً في ذهن الزوج:
- متى يحين موعد العودة؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- منتدى -الصحافة في زمن الحرب-.. معهد الجزيرة للإعلام يناقش تح ...
- مايكل جاكسون.. ملك البوب يعود إلى الشاشة الكبيرة من خلال فيل ...
- مهرجان كان يكشف عن الملصق الرسمي للنسخة التاسعة والسبعين للع ...
- ألف فنان يدعون لمقاطعة مسابقة يوروفيجن بسبب مشاركة إسرائيل
- رئيسة الممثلية الألمانية لدى السلطة المبعوثة أنكه شليم في لق ...
- -توم وجيري- يعودان إلى السينما في -البوصلة المحرمة-
- تراجع النشاطات الفنية والرياضية في كردستان بسبب الحرب والأزم ...
- (فيديو) د. الشعلان تتحدّث عن (تقاسيم الفسطينيّ) في حوار استث ...
- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود