أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا














المزيد.....

قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 00:53
المحور: الادب والفن
    


في سراب الجغرافيا
حملتها الطائرة مع أسرتها من الهند، مبتعدة عن المكان الذي ستقضي فيه ما تبقى من سنوات عمرها. سوء الأحوال الجوية جعلها تشك في إمكانية الوصول والهبوط بسلام؛ إذ تصاعد الخوف إلى أقصى درجاته، وفي تصورها أنهم على حافة الهلاك. كل شيء في الطائرة كان مضطرباً. حاولت أن تبعد هذه الأفكار، وشربت قليلاً من الماء، لكنها بالكاد انحدر إلى جوفها. ومع ذلك، بدأ صوت خفي في داخلها يهمس بأن ما تخشاه لن يحدث.
شابة تجاوزت العشرين بقليل، يحمل وجهها أكثر من تعبير، تسكنها هواجس لا تنتهي. في طفولتها أقرب إلى السذاجة، لا تعيش إلا في تلك اللحظة التي هي فيها، كورقة بيضاء لا أكثر، لكنها كانت تنسج مستقبلاً من الأحلام. فستغفو على الوسادة دون تفكير، مكتفية بكلمات الوعود، في وطن السنابل والمروج الخضراء. كانت تغار من شمس الصباح وهي تغازل خيوطها موطن نشأة والدها في المناطق الغربية من العراق، لا تعرف عنه سوى موقعه على الخريطة التي رسخت في ذاكرتها.
لكنها تثور أحياناً، كأن في داخلها بركاناً من مرارة، استجابة لمكان ولادتها؛ الهند، بلد التوابل الحادة. كانت ترتدي قلقها الشتوي، ويستفزها الخوف، فلا تنسى بسهولة، رغم أنها كانت تتغذى على أحاسيس مجهضة. بدت كورقة خريف سقطت من شجرتها وراحت تتلاعب بها الرياح. ومع نشأتها، بدأ المكان يسبب لها الحزن والكآبة، بسبب نظرات الاستغراب لوجودها بين الناس. اكتشفت أنها لا تشبه أحداً ممن درست معهم أو تعاملت معهم لاحقاً، فلا شيء يمحنها الانتماء ثم الأمان، لكنها أمام واقع لا يمكن تجاهله، وقبلت خيار والدها الذي رحل عن الديار وتزوج هناك. كانت في سنوات عمرها الأولى تظن أنها تملك الكون كله، لكنها صارت تشعر كأنها في سجن حياة فلا خيار فيه.
ما إن هبطت الطائرة سرعان ما حل الليل واشتدت الظلمة، وبدأت الصور الذهنية تتشكل من جديد في مخيلتها. شعرت بأن الليل أطول من المعتاد، وازعجها انتظار لا نهاية له. تتقلب على الفراش، إذ يشق عليها الإيمان بحقيقة وجودها في هذا المكان الذي كانت تنسج أحلامها وانقاذ لنفسها التي ما كادت تتقبل الاستمرار في بيئة تراقبها في نظرات استغراب دائمة. ومع ذلك، تسلل إليها إحساس بأن تلك النظرات قد ولت إلى الأبد، فهي الآن في ديار والدها، ومع الأيام ستغدو جزءاً من هذا العالم الذي كانت تحلم به.
زحف النهار ليزيح ظلمة الليل، فخرجت مع والدها لاستكشاف المكان الجديد بثياب متنافرة الألوان، كانت فرحة، تمتطي فرس السعادة، لكنها في أولى خطواتها، بدأت تسيل الدموع من عينيها. لم تدرِ أهي ولادة جديدة أم أنها تعيش في كينونة الخيال بعيدا عن الحقيقة؟ وربما هو فعل العادة؛ فهي احيانا تبكي للذكريات الحزينة، وقد تبتسم وسط اليأس.
غير أنها شعرت بذات النظرات التي كانت تخترقها في بلد والدتها، وكأن المأساة لا تفارقها. لازمها الخوف منذ اليوم الأول، كأنه الخوف ذاته. عادت تلك الكلمات ترن في رأسها، حين غادرتها البراءة بلا رجعة، لتسأل نفسها:
- ترى، هل لم يعد الهرب كافياً؟
أخذت تتفحص ملامحها في زجاج واجهة المحلات، فوجدت الفارق ذاته؛ هيئة مختلفة وتعثر في نطق الكلمات. فأيقنت أنها بدأت تخشى وجهها أينما حلت أو ارتحلت. أخذت ترتجف، وجف لسانها، وتشتت ذهنها. وكم تمنت لو كانت الناس هنا أشباحاً بعيدة عن الحقيقة، لذا بدأت تحدق في عيني والدها، الذي لا يشعر ما يدور في رأسها، خاصة وهو في بلده الأصلي. أرادت أن تنطق، إلا أنها ادركت أن الكلام لم يعد له قيمة، فشيطانها الذي تركته في موطن ولادتها يلاحقها الآن، فيأخذها إلى ذلك البئر السحيق المليء بأوجاع روحها. حيث بدأ في أعماقها ضجيج يشبه موسيقى الموت، أو إحساساً بالتلاشي الأبدي، حتى خيل لها أنها تتذوق لذة الفناء، فذاكرتها سر شقائها.
تمنت أن تصرخ بأعلى صوتها، بعدما لم تجد سوى شيء واحد حقيقي هو الألم، ذاك الذي أوصلها إلى حد الهذيان، كسجين يغازل قضبانه. سمعت صوتاً يناديها:
- لن يتوقف هذا النزيف بعد أن غادرتكِ الطفولة من الأعماق.
تصرخ بصوت مسموع، صادحاً بصوت المصير، فتأججت أوصالها، وهاجت أفكارها، وقلبها الذي ذاق انكسارات متشابهة لم يعد قادراً على مغادرة جغرافية الجذور. فهو لم ينل الأمان، بعد أن أرهقه البحث عن مُلكٍ في سراب. هي الآن لم تكن هنا كي تلتمس الشفاء، ولم تكن هناك لتعزي النفس بالآمال، فالليل في غربتها طويل ثقيل، تحتضن الوسادة بلا سعادة، فلا خيار ولا اختيار، والنهار لم يعد رحيماً.
نظرت في الأفق البعيد، فتشكلت صور لهيئات وأجناس مختلفة في وفاق تام، أتكون تلك الحياة التي كانت تحلم بها؟ والمخاوف قد تبددت؟ دبت الحياة في أعماقها، وابتسمت، وهمت بالنهوض، لكنها سرعان ما رأت تلك الصور تتلاشى مع الريح. انطفأت ابتسامتها، وودعت ذاك التمني، ثم ارتحلت في فضاءات الشك. جلست في سكون تام تكتب رسالتها الأخيرة بخط عربي متعثر، والألم ينهشها من الداخل:
- وصيتي بعد الموت، ألا يمشي مع نعشي غير الأطفال.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...
- بينها فيلم مغربي.. مهرجان كان السينمائي يكشف عن الأعمال التي ...
- السجن 15 عاماً لـ-ملكة الكيتامين- في قضية وفاة الممثل ماثيو ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي تتوج بالجائزة العالمية للرواي ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا