داود سلمان عجاج
الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 13:48
المحور:
الادب والفن
ليس الجود مجرد فعل عطاء يقاس بكم ما يُمنح، بل هو في جوهره، انسياب داخلي يحرر الإنسان من ضيق التملك. أما البركة، فهي ليست نتيجة حتمية للجود، بل سر خفي يتجلى حين يلتقي صدق النية بنقاء الفعل. فكم من معطٍ جاد، لكنه لم يُبارك له، وكم من قليل أعطى، ففاض حتى اكتفى. وهنا تحديداً تتشكل المسافة بين الجود والبركة؛ مسافة لا تُقاس بما في اليد، بل بما في القلب.
وعليه، يمكن القول أن الجود اندفاع إنساني نبيل، لكن البركة هي ذلك الأثر الصامت الذي يتركه العطاء في الروح قبل الواقع. فالجود يمكن تعريفه على أنه فعل يُرى، بينما البركة فهي امتداد له. وبين هذا وذاك يقف الإنسان ممتحناً؛ هل يعطي كي يقال إنه أعطى، أم يعطي لأنه امتلأ بما يكفي ليفيض؟ أم أنه يدرك أن البركة لا تولد إلا حين يستقر العطاء في القلب بوصفه قيمة لا غاية؟ وفي هذا الصدد يقول "جبران خليل جبران":
"نحن لا نملك ما نعطيه بل نملك ما نبذله"
ويعزز هذا المعنى قول الفيلسوف "سينيكا":
"ليس العطاء بما تملك، بل بما أنت عليه"
أو كما يذكر "ملوبير" تعزيزاً لما ذُكر:
"يستطيع المرء أن يكون سيد ما يفعله، لكنه لا يستطيع أبداً أن يكون سيد ما يشعر به"
ومن هنا، تأتي قصة "بقرة حلوب" للدكتور رمضان علي عبود لتضيء درباً من الإنسانية كادت أن تُنسى في زمن تتراجع فيه القيم وتُبهت فيه معاني الجيرة. فهي ليست مجرد حكاية عن رجل بسيط وبقرة فحسب، بل هي سفر روحي عميق في معنى العطاء والبركة، حيث يتجلى السؤال الأبدي: كيف يمكن لبقرة واحدة أن تجمع قلوباً كانت متباعدة ولا نقول متفرقة؟ وما سر تلك البركة التي تفيض من بيت متواضع لتملأ بيوت الجيران الأربعة؟
فليست كل الحكايات تروى لمجرد السرد، فبعضها يُكتب ليكون مرآة خفية للقيم التي قد تغيب في زحام الحياة، ومنها قصة "بقرة حلوب" فهي لا تقف أمام واقعة عابرة من حياة ذلك الرجل البسيط "أبو جاسم"، بل أمام تجربة إنسانية عميقة تكشف كيف يمكن للعطاء، حين يكون خالصاً، أن يتحول إلى بركة تتجاوز حدود التوقع.
إنها حكاية تبدأ بالحاجة، لكنها تنتهي بالاكتفاء الجمعي، حيث يصبح الفرد سبباً في خير يعم الجميع. وهنا يمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى ما حصل في رواية "الكومونة" للروائي خالد موسى، حيث استطاعت تلك المعلمة الوافدة من المدينة، من زرع الوعي الجمعي في نفوس القرية، في أن تجمع الواردات كلها، ومن ثم تقسيم ما متوفر من طعام وملبس وغيرها حسب الحاجة، وادخار الباقي، وبذلك استطاع الجميع تجاوز سنين القحط. ولا نشير هنا إلى الجود والبركة كما في قصة "بقرة حلوب"، بل إلى تحول الفرد إلى سبب في خير عام، حين يصبح الجميع شركاء في الأخذ والعطاء.
وفي هذا الإطار، لم يساور الشك "أبو جاسم" يوماً، بأن ما يعطيه رغم ضنك العيش لغاية سامية، هي رضا الباري عز وجل. إذ لم يفكر في البركة بقدر ما يتطابق عطاؤه مع دواخل نفسه، فالطيبون تلتحف الأرض بقربهم وتبتهج السماء، وكأن حنينه إلى ذلك الجود يعتلي الفضاء، وحين يجن الليل يزداد ذلك كثيراً، فيسبح في بحيرات الرجاء، كحلم يستقر تحت وشاح ضوء يعبد الطرقات، إلى أن يغلبه النعاس، فينام على صفاء الذاكرة. ثم يصبح حاملاً حلمه إلى مكان عمله المتغير، وفق طبيعة ذلك العمل كعامل في خلط الإسمنت ورفع البلوك على شواطئ نهر دجلة الشرقية.
ومن هنا، تتخذ القصة من البساطة ثوباً لها، فالشخصيات تحمل أسماءً عادية: أبو جاسم، أم جاسم، مريم، أبو خالد. في حين أن الفضاء ضيق؛ لا يتعدى بيت صغير، وزريبة بقرة، قرية صغيرة. لكن العمق الذي تبلغه هذه العناصر البسيطة يجعلها كوناً قائماً بذاته.
"أبو جاسم" ليس غنياً، بل هو عامل يومي يعيش على هامش الحياة. سرواله الأسود وقميصه الجوزي الملطخ بالإسمنت يخلقان صورة رجل لا يملك إلا حلمه: "بقرة حلوب". غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن "أبا جاسم"، الذي كان يريد البقرة لتسد رمقه ورمق أسرته، يتحول فجأة إلى معطٍ. وحين تقترح زوجته أن الجيران أغنياء ويستطيعون شراء ببقر لهم، يأتي الرد الحاسم:
"نحن نعمل حق الجيرة أولاً ومرضاة الله، وما لنا علاقة بشأنهم الداخلي".
وهنا، يتضح أن العطاء لا يرتبط بالغنى، بل بالغنى الداخلي، أي بثراء الروح؛ فهو يعطي لأنه يملك قلباً واسعاً لا تحده جدران الفقر.
وما يحدث لاحقاً يتجاوز المنطق الاقتصادي البسيط. فبقرة واحدة تنتج خاثراً لا يكفي أسرة واحدة فحسب، بل أربع أسر متجاورة. وهذا هو سر البركة التي لا تخضع لقوانين الكمية، بل لقوانين النية والطهارة. إذ أن البركة في هذه القصة ليست مجرد زيادة عددية، بل هي تحول كيفي في العلاقات؛ فهي لم تُكتشف دفعة واحدة، بل تكشفت تدريجياً، لا في وفرة المال، وإنما في أثر العطاء الممتد بين الناس. وفي هذا السياق يقول "تولستوي":
"الخير الذي تزرعه اليوم تحصده غداً"
ولعل هذا ما يلتقي مع قول "أرسطو":
"الفضيلة فعل يتكرر حتى يصبح عادة"
وربما يعززها قول "شمس الدين التبريزي":
"لا يوجد أسهل من الكراهية والبغضاء، أما الحب فهو يحتاج إلى نفوس عظيمة"
ومع تطور الأحداث، يتحول الجيران الذين كانوا متباعدين إلى شركاء في تلك البقرة. وحين تقول "أم جاسم":
"ربي ارحم بنا وبأطفال الجيران"
فإننا بعد موت البقرة ندرك أن العطاء لم يكن موقفاً عابراً، بل صار جزءاً من هويتهم. فالبقرة ماتت، لكن المحبة التي زرعتها لم تمت؛ إذ لم تكن الخسارة فردية، بل فراغاً يشعر به الجميع. لقد غابت البقرة، غير أن حضورها بقي في القلوب. وهنا تنكشف الحقيقة الأعمق:
"أن ما يُفقد مادياً قد يبقى معنوياً، بل ويتجذر".
ولعل أجمل ما في القصة تحول الأدوار؛ فبعد موت البقرة، لا يترك الجيران "أبا جاسم" وحيداً. "فمريم"، التي كانت تأخذ الخاثر صباح كل يوم، تصبح هي المعطية:
"إن البقرة ليست لأبي جاسم وحده، وإنما لنا جميعا"
ثم يتفق الجيران على شراء بقرة جديدة "لأبي جاسم". وبذلك يتحول العطاء إلى دائرة متجددة، لا تنتهي عند فرد، بل تستمر كقيمة جماعية.
وهنا نصل إلى جوهر العطاء التأمل: وهو أن العطاء الحقيقي هو الذي يصنع دوائر من العطاء المتجدد. "أبو جاسم" أعطى الخاثر، فأعطاه الجيران بقرة. لكن الأعمق من ذلك؛ أن "أبا جاسم" صار نموذجاً، فأصبح الجيران معطين لا آخذين فقط.
ولم ينتظر "أبو جاسم" شكرا، ولم يطلب جزاء؛ بل كان يوزع الخاثر على الجيران، يفعل ذلك في الصباح الباكر قبل ذهابه للعمل، حاملاً السطلات بنفسه. وهذا التواضع ليس ضعفاً بل قوة كبيرة، لأنه يحرر العطاء من أي رياء أو منة. كما أن الزوجة تستقبل أطفال الجيران بالترحيب وبنفس طيبة ووجه بشوش، مما يؤكد أن لا قيمة لأي عطاء ما لم يكن من يد سخية وقلب رحيم.
في النهاية، لا تنتهي القصة عند موت البقرة، بل تبدأ من هناك؛ فحين يخرج "أبو خالد" وصاحبه وهما يرددان: "بقرة حلوب.. بقرة حلوب"، ندرك أن القصة لم تنته. إذ أن الخاتمة مشرعة على أمل جديد، ليس لأن بقرة جديدة ستأتي، بل لأن القلوب تغيرت. لقد تحول الجيران من مجرد جيران إلى عائلة ممتدة، ومن أفراد يطلبون العون إلى جماعة تتعاون.
لذلك، تترك لنا "بقرة حلوب" درساً بسيطاً عميقاً:
"إن ما نعطيه للناس لا يضيع، بل يعود إلينا بصورة أجمل، وفي وقت نكون فيه أحوج ما نكون إليه"
ويبقى السؤال معلقاً:
هل نستطيع، وسط صخب الحياة، أن نكون مثل أبي جاسم؟ أن نعطي من القليل فنصنع الكثير؟ أن نؤمن أن البركة لا تُشترى، بل تُزرع في القلوب؟
ولعل الجواب يكمن في بساطة الفعل الأول:
العطاء خطوة.... ثم البركة طريق يُفتح بعدها...
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟