أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين يصرخ الظل














المزيد.....

قصة قصيرة: حين يصرخ الظل


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 12:34
المحور: الادب والفن
    


كان يعيش صامتاً ورغم تكرار التجاوزات ذاتها مئات المرات، يسرج حصان الوهم، كلمة قيلت بلا مبالاة، ولسعات تهكم، ووعودٌ ذهبت أدراج الرياح، كأنه يحمل قدراً مكتوباً في نظره. كان يبتلعها بذات الصمت ويخفيها في قلبه، وكأنه يحميه من العواصف، بنفس تحيا منزوعةً من أحلامها، معبأة بالخيبات، وذات حائرة بلا قرار بفرح يرفض أن ينام، ويقنع نفسه أن الخطأ ربما يكون منه، وأن مزيدا من الصبر سيعيد للحياة توازنها.
غير أن الصبر طال، حتى صار قيداً يلمع في الظاهر، ويخدش الروح في العمق، وفوق ذلكَ التعلق بأملٍ واهنٍ، وربما لا يمتلك الجرأة لأن يخرج الطاقة المخبأة في داخله كي يبدأ بشيء جديد، فالصمت كما يعتقد سيد العروش، حتى كأنه قد تجاوز السلوك الاحتضاري المُستسلم.
لكن في تلك الليلة، حدث ما لم يحدث من قبل، حيث كان يجلس وحيداً أمام جدار الغرفة، وكانت هناك لهفة غامضة، لم يكن الظلام يخيفه كما اعتاد، بل كأن عينيه أبصرتا فجأة ظلاً آخر، ظلاً يخرج من داخله لا من حوله، ظلاً لم يعد تابعاً للجسد بل متمرداً عليه، وصوت كأنما يأتيه من الماضي البعيد، متخطيا الزمن المحيط به، وشيء عميق بداخله يصرخ:
- كفى.
لم يكن صراخاً مسموعاً، بل كان ارتجافة خفية تسري في أعماقه، كأن جدارا داخليا انهار؛ إذ رأى فجأة العمر مسطورا أمامه. كم مرة ابتسم فيها رغم الخذلان، وكم مرة صدّقَ أن الصبر هو أعمق الحلول وأبقاها، كأنما هو البلسم لكل جرح، والمخرج لكل مأزق. غير أنه عند لحظة الوعي تلك، أدرك أن الصبر، حين يتطاول على الزمن ويطيل عمر الأمل الواهن، لا يعود فضيلة، بل يتحول إلى لعنة متنكرة بوجه الحكمة، تتخفى برداء القوة، بينما في جوهرها هشاشة وانكسار. كذلك كسيد متوج على عروش خاوية، يرفع صولجانه في العلن، لكنه عاجز في السر عن صد الريح، وقيد صدئ يلمع في الظاهر، غير أنه في الباطن ينهش الروح ببطء، ويمتص طاقتها حتى آخر قطرة.
وهكذا كانت الصرخة التي انطلقت في داخله أقرب إلى نشيد فرح تطلبه الروح، لحظة كسب في الإدراك، تمحو عنه وهماً جميلا يضيء كأنه يقين.
تمضي السنون كقوافل عمياء، تحمل على ظهورها أحمال العجز، دون وجهة في عتمة الأزمنة، وكأنها تساق بأقدار صامتة لا تكشف عن أسرارها إلا لمن تجرأ على قول لا.
ففي لحظة الانكسار تلك، رفع رأسه، ورأى في داخله مرآة لم يرها من قبل. انعكس فيها وجهه الحقيقي، وتوقف فجأة عن التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، وكأن تلك المرآة قد انكشفت أمامه بعد طول عتمة، رأى فيها كم كان يُنكر غضبه، يخفي ألمه، ويتصنع الرضا. ومن ثم أخذت تتراءى له مقولات الفلاسفة وبقايا من حكايات الجدات، ليتيقن أنَّ تلك اللحظة لم تكن غاضبة ولا انتقامية، بل صافية كالماء بعد عاصفة، نسخة وضعت حدودها بوضوح، لذا وبلا وعي منه قال:
- لا.
كرر القلب طفرته، إذ كان لأول مرة يقولها، وكأنه يفتح نافذة في غرفة مغلقة منذ سنوات. تسارعت دقات قلبه، ليقع بين النشوة الداخلية والخوف، فقد راقت الروح مع انطلاق تلك الكلمة، كلمة بدت وكأنها لم تُقل له فقط، بل للزمن كله، للتاريخ الصامت، ولأصوات ماتت في حلقها الكلمات. وبينما كان يتحسب لما سيقال عنه بعد هذا الصبر الطويل، بعدما حضرت الصور المحفوظة في ذهنه، والخوف من تلك الأشباح، التي تخرج إلى الضوء القابعة في الظلمة الغادرة، التي قد تعيد الأشياء إلى نصابها، إلا أن عقله واجهها بالثبات.
فكيف سيواجهون هذا التحول المفاجئ؟ خاصة ممن اعتادوا على ضعفه، إذ أنهم قد احترفوا في كيفية التلاعب بغضبه وانفعالاته. لكنه أدرك تلك التساؤلات، ليجيب نفسه بصورة الواثق بعدما بدأ يسمع صوته الداخلي بوضوح، الصوت الذي أسكته طويلا تحت ثقل المداراة، فلم يهرب من الأسئلة، بل كانت الإجابة بصوت واضح:
- الوحدة مع الذات أكرم ألف مرة من البقاء مع من لا يراني.
في تلك اللحظة تغير كل شيء، العالم بدا مختلفا، والخوف تراجع مذعورا، وصار شخصا ليس كما كان، فلم يعد خجولاً من إظهار أفكاره، ولا راغباً في حمل أعباء الصمت الموروث. لقد أدرك أن القبول الأعمى يحول الأبناء إلى ضحايا، وأنه لا بد أن يكسر السلسلة، حتى لا يُساق القادمون إلى المصير ذاته.
وعندئذ جلس هادئاً، وكانت عيناه تتأملان الظل الذي صار صوته. لم يكن بحاجة إلى كثير من الكلام، ولم يعد يهمه أن يسبح خارج المدار، فكما أن الطيور الوديعة تموت سريعاً، فإن الضارية وحدها تعرف كيف تصيد. وفوق ضفاف الجرح الغائر، تتكثف الحكمة جملة واحدة، تختصر الفرح والخذلان، الموت والميلاد:
- حين يصرخ الظل، تولد الذات من جديد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- خارج حدود النص
- مهرجان اوفير يعلن عن عروضه المختارة
- فيلم السيرة الذاتية لمايكل جاكسون.. دراما مؤثرة على الشاشة و ...
- افتتاح المسرح الملكي بالرباط تعبيرعملي عن تصور ملكي متكامل ي ...
- -ماء الحَجَر-.. يشرّح سيمياء الماء ولغة الجبل في الإمارات وع ...
- متابعات أدبية:صالون (قعدة مجاز) بأتيليةالاسكندرية:يستضيف الش ...
- الوجه المظلم لعالم المطاعم الفاخرة.. لهذه الأسباب بات من الص ...
- اعلان عن اختيار العروض
- لماذا حاول معجبو دريك مغني الراب الكندي كسر هذه المنحوتة الج ...
- فاعليات أدبية:صالون (قعدة مجاز) بأتيليةالاسكندرية:يستضيف الش ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين يصرخ الظل