داود سلمان عجاج
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 01:33
المحور:
الادب والفن
لا يولدُ الحلمُ من فراغ، بل ينمو من رحم الحرمان، وعدم الحذر من المفزعات السوداء المنصوبة على شجرة الحياة، كما أنه ينشأ من شوقٍ بجناحين يملأ حفيفهما الفضاء نحو مصدر النور، إلى فك مجاهيل المستقبل، ولتتجاوز محطات الأحلام بحرية تداعب الحرية نفسها، وبتعليم قائم على أن الإنسان يجب أن ينشأ منه ما يجتاز ما يحدده من قيود الواقع، لكي يصل إلى انقاذ الإنسانية من أغوار الماضي، وحينئذ تنتصب الإرادة معلنة أن القيود يمكنها أن تنكسر، تلك التي تسكن الذوات الخفية، فالطاهر هو من يرى النور في الظلام، والعدل في الظلم، عدا من يخنق الفقراء بأنياب الجشع، وينكر المساواة حقا، ويُسقطُ العدالةَ في هاوية المستحيل، كما أن الرقي بمفهومهم يأتي دون التعلم والاهتمام. لذا فلا مخلص إلا الإرادة لأنها تعني الابداع مقرونة بالشجاعة، ولأنها لا تعني السفر إلى المجهول المفترض، ولا الصبر على السياط وهي تلسع الجلود لتشتد العزائم.
هكذا بدت رواية الكومونة، هي صدى بعيد لشاب يحمل قناعة فكرة تغيير العالم، وإن الشمس ستتسلل إلى الظلمة، أو يشعل قنديلا يضيء أقفاص الأيام، ويكمل الصعود إلى الحلم، أو من أجل العودة ولو في الحلم إلى فكرة التساوي، إلى القمم العالية لها، والابتعاد عن الأيام المثقلة بالخسارات الكبيرة والمتاهات، فيتوغل القلب في أنفاس الزمن، فأي تفاؤل هذا الذي يصمد مع ضجيج الأحزان الكثيفة؟ وأي حلم لا يراد له أن لا ينتهي كي لا يعود إلى مرارة الواقع؟ فالحلم يحفر لنفسه عالما موازيا بين سطور رواية الكومونة، ينبض بالحياة كلما اقتربت الشمس من الغروب، فهو لا يغيب مع الصباح، بل يظلُّ نداءً يُعلن عن أملٍ لا يموت. لذا فقد استحالت تلك القناعة إلى نداء داخلي يرفض السكون، ويثور على أصنام التقاليد والظلم الاجتماعي. من على فراش بسيط وتحت ضوء فانوس زيتي نصف زجاجته مغطى برماد قديم، تبدأ الرواية بملامح الحلم في عمر الشباب، يقرأ الأدب الذي يرفض الحدود، بخيال يعلو فوق الواقع، ووعي يتشكل ليكسر حاجز الاعتياد.
ويظل الراوي يعيش الحلم، رغم طوفان الآلام والأحزان، فهو تجربة إنسانية وجدانية، بل ويترك الكاتب الكلمات كي تصل إلى حالة التجلي الحر، لتكون بوحاً يجسد تلك المعاناة بمدلولات الحل، وتوظيف البيئة القروية ليجسد نكهة أشبه بالتمرد الخفي على القوالب الجاهزة، والتي لا يجرؤ أحد على سبر أغوارها، ليترك لخياله القدرة على الهيمنة على المزاج العام، إذ يرى "خالد موسى" في الحلم ملجأ له يؤنس وحدته، بعيدا عن عتبات الوهم، ويسطر متاعبه وشكواه، بأيام تسربت من ثقوب العمر، وداهمت أعماقه كي تشتتها، ويتركها في صميم الزاوية المنسية. من هنا تبرز شخصية المعلمة "فخرية" التي لم تأتِ إلى قرية "تل الورد" بوصفها مجرد موظفة تتقاضى راتبا في نهاية كل شهر، بل كانت تجسيدا لفكرة، إذ كانت تلك الشابة قد نشأت في كنف أب يحمل قناعة عميقة بأن العدالة تبدأ من المساواة بين الناس، وأن التعليم ضرورة لا تكون بالتلقين بل أداة تحرر، وأن السعادة تكمن في مساعدة الآخرين. ففلسفة الأب تتناغم مع ما عبّر عنه "جان جاك رسو" بقوله" الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه المواطن من الثراء ما يجعله قادراً على شراء مواطن آخر" ، ولهذا ولدت الكومونة، فهي لم تكن نظام إداري، بل كانت استعادة لفكرة الوطن الذي لا يُبنى على التفاوت والهيمنة، بل على التكافؤ والاحترام المتبادل بين الناس، هي نظام قائم على تقاسم الحقوق والواجبات في قرية من ضمن القرى التي اجتاحها القحط، قرية كانت تُستغل من قبل اصحاب المال ومنهم "ياسين الجارو" نظرا لقلة الإدراك الناتج من قلة الاحتكاك مع العالم خارج حدود القرية، ومن ثم فالكومونة هي محاولة لتجريب الممكن في عالم يبدو مستحيلا.
غير أن الحلم، كما في كل التجارب التي تصطدم بالواقع، لم يكن سوى ومضة قصيرة في عالم تجتاحه العتمة الطويلة، لذا فالروائي "خالد موسى" تمكن من تحريك شخوص الرواية ضمن وسائله كي يصل غاية التساوي وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومنها المعلمة "فخرية" إذ تمكنت من تحقيق ما يشبه المعجزة في بيئة تقليدية قاحلة، تلك البيئة التي ساد الاعتقاد فيها بأن الفقر قدر، والتفاوت فطرة، فسرعان ما وجدت أن السرد الأيديولوجي لا يكفي وحده لصناعة التغيير، حينما أخذت على عاتقها إدارة موارد القرية، من كل حسب قدرته، على أن يُعطي كلٌّ حسب حاجته، حيث بدأت التغيير في بث روح الوعي والتعليم في مجموعة من الشباب ومنهم "عبيد السالم" موظف الخدمة في المدرسة ذاتها، الذي أصبح مع الأيام مساعدا للمعلمة فخرية في إدارة ذلك النظام، كما أنه ساهم لاحقاً في ترسيخ الفكرة بين أهالي القرية، بدءاً من شيخ القرية "عبدالله الفتحي" وانتهاءً بكل فرد، صغيرا أو كبيرا، مجسدة روح الإيثار لمن يملك المال والأغنام، وروح الثقة بتلك العدالة بمن لا يملك سوى الأسمال التي يلبسها.
سارت الأمور كما مخطط لها، فجمعت الأغنام في مكان واحد، والحبوب في مكان آخر، على أن يتم توزيع احتياجات أهالي القرية بشكل متوالي في الحدود الدنيا لتلك الاحتياجات، حتى رشيد الشاهر عليه أن يُسلّم ما يكسبه من أجور نقل لسيارته بين القرية والولاية لإدارة الكومونة. وعلى هذا الأساس، فهي تكشف عن نزعة إنسانية راسخة في مخيلة الكاتب، مظهرة رغبته في الوقوف إلى جانب من هم أقل حظاً، غير أن المعلمة سرعان ما وجدت أن أقسى الأعداء هم أولئك الذين أشبعوا من خزائن التمييز، فكانت الوشاية كالطفيلي الذي يتغذى على كل عليلة، فهو يهتدي إلى مواطن الضعف، ثم التحقيق، بعد أن رفض نظام الكومونة بيع المحاصيل الزراعية إلى التاجر "ياسين الجارو" لتبدأ مرحلة القمع، ليقع حلم التساوي الذي يمثل ربما قناعة الكاتب الشخصية في قبضة السلطة، لا لأنه يهدد نظام الدولة أو يزعزع الأمن المجتمعي، بل لأنه يعري جوهر الطبقية التي لا تطيق العدالة، تلك التي تلامس الوجود الإنساني، لتصل إلى معنى أعمق للحياة، بل وتجيب عن أسئلة قد تراود النفس البشرية في طريقة التعايش السلمي دون وجود فوارق، عسى أن تتجلى مشاعر التضامن العميق مع الطبقات الكادحة، حتى لو كان في قرية نائية حاولت أن لا تموت من الجوع في زمن القحط.
في هذا السياق، لم تكتب الكومونة كصيحة ضد نظام بعينه، بل كفحص دقيق للعلاقة الملتبسة بين الإرادة الفردية والواقع الجمعي، بين الحلم الذي يسكن القلوب، والجدران التي تبنيه السلطة حول كل محاولة خروج عن المألوف، فهي دعوة لكسر الحواجز الطبقية من خلال الفعل لا بالتنضير، حيث يبرز "خالد موسى" الصراع ضد الاستغلال، وجعل من القرية الصغيرة نموذجا مصغرا لعالم أكبر، وكأن قرية "تل الورد" تمثل كل الأوطان التي تقاوم التغيير ما إن يطرق أبوابها، حيث استخدم الأدب الروائي كأداة في مواجهة القمع، وليحرك الضمير ويحفز العقل على التفكير في الواقع الذي يعيشه في تلك السنين، وعدم القبول السلبي للظلم والاستغلال.
ومع أن الرواية توحي في لحظاتها الأخيرة بأن الحلم بدأ ينهار، ففي ذروة انحدار الحلم نحو ظلمة المعتقل، وبين صرخات المعلمة "فخرية" التي تتردد في دهاليز القمع، التي انتهى بها الحال إلى أن تُعرى من ملابسها في معتقل السلطة الذي لا يعرف الرحمة، ومع تمازج الأصوات من الغرف الأخرى في تلك الزنزانة، لتكون المفاجأة أنها كانت تعيش لحظات حلم طويل، إذ ارتفعت درجة حرارتها ووصلت إلى حد الهذيان، ليظهر هناك بصيصا يظهر فجأة ليعيد ترتيب الأحداث، كما لو أن الروائي "خالد موسى" أراد أن يقول أن الفكرة حين تتجذر في الوجدان، لا يمكنها أن تموت بهذه السهولة، لتذكرنا بمقولة "دوستويفسكي"" كلما كان الليل أكثر قتامة، كانت النجوم أكثر إشراقا" وكأن الرواية كلها تنهض على هذا المبدأ، فكلما اشتدت وطأة الظلم، انبعث الحلم أكثر صلابة، حيث بدأت تتشكل الأحداث قبل وقوعها كما رأته في حلمها الطويل، وكأن الإيمان العميق بالفكرة وحده قادر على مقاومة الزمن، والجدران، وأبواق الإعلام، وحتى خيانة الأقربين.
إن الكومونة ليست فقط قصة قرية صغيرة في هذه الأرض أرادت أن تتساوى، كما أنها ليست حكاية تتناقلها الألسن، بل هي صرخة ربما تُزلزل صمت الظالمين، هي صرخة في وجه كل من ظن أن العدالة حلم لا يعيش إلا في الخيال. لا شك إنها تجربة فكرية وإنسانية، تضعنا أمام مرآة كبرى لسؤال لا يموت: أيحلو للمظلوم أن يكتفي بالحلم، وهو يرى القيود تُنسج من دماء الفقراء؟ أم عليه أن يوجد لها موطئ قدم، ولو في قرية بحجم قرية تل الورد؟
ربما تكون الإجابة وهي تتأرجح بين فوهة الحلم وقسوة الواقع، بأن الرواية تثبت أن مجرد الحلم حين يكتبه من يؤمن به، قادر على أن يكون بداية الطريق، وأن الأمل حين يشتدّ عليه الليل، لا يخمد بل يتوهج، لتصبح أداة تحفيزية قوية، وشمعة تضيء في قبضة الليل، تُعلّم اليائسين كيف يشعلون الضوء من رماد الأحلام. فالكومونة لم تكن مجرد سردٍ لأحلامٍ مجهضة، بل كانت جرس إنذار يُدوي في وادٍ من الصمم، وإذا كان الحلم يموت في الواقع، فإنه قد يُبعث في النص الأدبي بوصفه فعل مقاومة، وبذلك تتحول الكومونة إلى صرخةٍ فكريةٍ ضد الصمت الجمعي، لا سيما أنها تُعبّر عن مواجهة حقيقية مع البنى الاجتماعية الراسخة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟