داود سلمان عجاج
الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 14:29
المحور:
الادب والفن
تنسابُ الحكاياتُ بين زخارف الزمن، كأنها خيوطٌ متشابكةٌ تنسجُ مشهداً مستقلاً ينبض بالحياة، يختزل حكايات الأمس وأصداء الغد، إنّها ليست مجردَ تفاصيلٍ عابرة، بل سلسلةً متواصلةً من الروايات التي تتوالد من رحمِ الزمن، كأنها تحملُ في طياتها صدى العصور، ففي كل مكانٍ وزمان، هنالك خوفٌ كامن، وسيوفٌ مشرعةٌ تحاولُ وأد الأصواتِ قبل أن تولد، فتظلُ الأرواحُ حبيسة المحاجر، والصمتُ سيدُ الموقفِ أمام نزيف لا يتوقف.
في هذا الفضاءِ العتيق، تتجلى صورةُ امرأة، صوتُها المترددُ عبر العصور، يحملُ سمةً تتجاوز مسافاتِ الخوف، ويرسمُ حلماً جميلاً للحرية بعد الثبات، إنها "قهرمانة" تلك المرأةُ الأسطوريةُ التي تجسدت فيها ملامحُ البطولةِ والحكمة، فكانت رمزاً يجمع بين أنفةِ النحاتِ الآشوري المتعالي ورهافةِ الشعراءِ المتألقين في ذلك العصر، إنها ليست مجردَ شخصيةٍ عابرةٍ في التاريخ، بل هي جزءٌ لا يتجزأ من هوية بغداد، تلك المدينةُ التي احتضنت إرث الحضارات.
"قهرمانة"، لم تكن مجردُ ظلٍّ لرجلٍ عظيم، بل كانت رمزاً للصمود، امرأةٌ حملت بين طياتِ اسمها صدى الأمجاد وروح التحدي، فهي تروي للأجيال حكاية مجد لا يبهت، وتحملُ في طياتها تأملات في معاني العشق والهوية، إنها "قهرمانة" أكثر من مجردِ منحوتةٍ صامتة، بل هي محاولةٌ لتوثيقِ لحظةٍ من الزمن، واضفاء طابع الخلود على الماضي في عالمٍ يسير بلا هوادة نحو التغيير، وكأن النحّاتَ يسعى لانتزاع هذه البطلةَ من عالمِ الأساطير وادخالها إلى عالمِ الواقع، حيث لا تزال قيمها حاضرة ولكن بصيغٍ مختلفة.
في لحظةٍ إبداعية، يتجسد شوقُ النحّات، الذي يعبر عن حيرته في تفاعلٍ مستمرٍ بين الحبِ والتجسيد، يحاول إدماجهما في هيئةٍ تلامس الخلود، الحيرةُ التي تتداخل مع رغبةِ النحّات في إبراز رمزيتها، حتى يظن أنها قد تسطع وتستمر في الذاكرة البصرية للأجيال القادمة، حيث يصفها الشاعر وفق تصور ذلك الافتتان:
"خاتونُ بغداد الجميلةُ قهرمانةُ
زوجةُ الباشا المفخّمِ شوكَتْ
من عصرِ بغداد القديمِ
تزورُنا منحوتةً
ومن الزمانِ المُثبَتْ"
هكذا، يجسد الشاعرُ الصورةَ الأزلية التي يستشفها من منحوتة" قهرمانة" ، حيث يتلاشى الزمانُ في طيفٍ غامضٍ بين غصةٍ خانقةٍ واكتئابٍ دفين، ويظل الماضي حبيسَ ذكرى يعجز النحّات عن تحريرها، وعلى سحاب تلك الذكرى، يمضي السويدي، متلمّساً آثار الضياع الذي خلفته السنين، محاولاً أن يعيد رسم ملامح الزمن المنسي، يعزف الشجن على أوتار المحبة، وحيداً في تلابيب اللحن، متشبثاً بأملٍ أن يمحو اضطرابَ الصورةِ الذهنية، إذ تتبدل التصوراتُ وفق تحولاتِ الشعوبِ وأمزجتها، فتتدخل المعاني بين الحقيقةِ والوهم، وبين ما كان وما يمكن أن يكون.
عندها، يجنح العقلُ في رقصٍ هستيري، يلامسُ حدَ الهذيان، بحثاً عن اقتناص الجوهر المنسي، إنه توقٌ لا يهدأ، اشتياق إلى التعبير المطلق، حيث تمتد اليد، لا لتنحت مجرد شكل فحسب، بل لتصنع رمزاً محملاً بالدلالات، كرؤيةٍ جماليةٍ تتجلى في المدى، تعبر الأزمنة، لتظل راسخة في ذاكرة الأجيال، لذا، قال الشاعر السويدي:
"لما رأها حكمتُ النحَّاتُ
قال بأنَّها لا بُدَّ من أن تُنحَتْ
فأراد منها أن يصورَ مشهداً
من ألفِ ليلةَ
في رحابِ المنحَت"
هكذا ينقل الشاعرُ صورةَ" قهرمانة" لتظلّ منحوتةً خالدةً أمام الأعين، بعد أن سُطرت من قبل على الورق، متسائلا: "يا كاتب التاريخ، فهل انصفتها" أيها السويدي، لقد أيقظت اللحظات الهاجعة، وأعدت بعث ذلك الإيحاء في زمنِ التردي، حين توقف العسس الليلي من أداء دوره، فلم يعد الواقع بحاجة إلى البحث والتمحيص، إذ أضحى صهيلُ الحزنِ يُسمع في وضحِ النهار، متّهمٌ من أراد أن يصرخ، ومتّهمٌ من اختار الصمت، لكن طاحونةَ الذكريات لا تزال تدور، تعيد تلك الأيقونةُ ممزوجةً بعبقِ التاريخ وصوره المتراكبة.
المنحدرون من حكايات ألف ليلة وليلة ليسوا مجرد شخصيات خرافية في نظر الشاعر، بل هم رموزٌ حيةٌ تعكس تحولاتِ الزمن وتناقضاته، يجسدون الصراع الأبدي بين الطموحِ والجشع، بين الماضي الذي يتلاشى والحاضر الذي يتشكل بسرعةٍ مذهلة، فحتى إن خمدتْ الأضواء، سيظلُّ بريقها متقداً في عتمة الليل، ليذكر الأجيال بأن الزيتَ ربما ما عاد ينفع، وربما أصبح من يسكبه أكثر حرصا على تحويله إلى عطر يحمل بين ذراته وجع التراب وأحلاما واهنة، في زمن صار فيه الأملُ أقرب إلى سراب هش يتلاشى عند أول نظره.
لكن حينما أدركت "قهرمانة" أن النزيف لم يتوقف، بل ازداد غزارة، وأن متاهات الخوف اتسعت حتى ابتلعت آخر بصيص للأمل، لذا، اختارت الصمت الطويل، بقيت صورتها كأنها واجمة رغم جمالها الأخاذ، وكأنها تودع صوتها الأخير، ذلك الصوت التحذيري الذي فقد أثره بعدما أيقنت أن الآذان قد صمّت عن سماع الحقيقة، فظلت صورتها عالقة بين الحلم والحقيقة، حيث يقول:
" فمضت تصبُّ الزيتَ
فوق الأربعينَ حراميَ المتلصصينَ
وغَنَّتْ
نَحتَ الزمانَ لها جراراً
فهو شبَّاكٌ على الأيَّام منه أطلَّت"
استرح في قبرك أيها النحّات "محمد علي حكمت"، فقد جاء من يعيد تقييد تلك الذكرى، ويصوغها من جديد وفق رؤى لا تشبه ما نحتته يديك، نعم ناديت بأعلى صوتك، لكن الصدى تلاشى في زحام العابرين.
"مرحى قهرمانة تمّت" ها قد رحلتِ، وها هي الجرار التي كانت يوماً رمزاً للحيلةِ والانتصار، تحولت إلى مأوى للأحلام القديمة، تتآكل وسط عالم متسارع، وكأنها تشبه سجون سرية رمزية تأسر الذكريات على مدى العصور، أما مدينتكَ التي كنتَ تحلمُ بها، كمدينة أفلاطون الفاضلة، فقد عبثت بها الأيادي، وشوهت معالمها، حتى أصبحت محض خيال مستهلك في ذاكرة منسية، لذا، قال السويدي:
" حين انتهى من نحتها
نادى بأعلى الصوتِ:
مرحى قهرمانةُ تمَّتْ
والآن عادَ الأربعونَ
ليسكنوا تلك الجرارَ
وقهرمانةُ ولّتْ"
الزيت المسكوب من الجرار لم يكن مجردُ حادثة عابرة، بل رمز لاستمرارية الزمن، لذلك السائل الذي يتخلل كل شيء، للأحداث التي تتكرر في دورات لا نهائية، وكأن الماضي لا يزال يفرض حضوره من خلال هذا الرمز العابر للأزمنة.
وهنا نجد أن النحّات، تماماً كالشاعر، يلاحق خيالاتٍ بعيدة، محاولاً أن ينحت الزمن في صخور ذاكرته، كي يحي الماضي من خلالها، لكن سرعان ما أدرك أن محاكاة الزمن هو حلم بعيد المنال، حينما تتبدل الأجيال، لذا، أصبح طيفه في المدينة خائفا يتلفت، يهرب من ضوء النهار، ويستتر في ظلمة الليل، وعلى كل صوت يقترب منه يفزع، كأنما يجد في العتمة الملاذ، ليهرب من الزمن الذي لم يتمكن من الإمساك به على مدار العصور، فيؤكد الشاعر:
" أما الفتى نحاتُها المهووسُ
أصبح في المدينةِ خائفاً يتلفَّتْ
من أين نأتي يا بلادُ بقهرمانةَ
والذي شغلَ المناحتَ حكمتْ؟"
ماذا بوسعها أن تفعل الآن؟ سوى الاستسلام والصمت، في لحظة غابَ عنها الجمال الذي كان يزهر في قلبها، وربما الدموع التي غسلت وجهها تمنعها من الكلام، لكنها سرعان ما تذكرت كيف كان يشاد بها في القصائد، كيف كانت رمزاً للجمال والصمود، والكلمات تتغنى بها، وأخرها قصيدة السويدي، التي كرست جدلية الصراع بين المدينة الحديثة التي تطورت، وبين محاولات إحياء الماضي عبر الفن والتاريخ.
وكما قال "مكسيم غوركي" "إن ولادة إنسان في هذا العالم أمر صعب للغاية، والأصعب تعليمه أن يكون شريفا"، هكذا، يحاول التمثال أن يكون درسا في عشق الشرف والإنسانية، رمزا لمعان تتجاوز حدود اللغة، يرفض أن ينصاع للهوان أو أن يسجن في قفص الروح المستكينة، فالهوية الحقيقية لا تتجسد في مجرد استحضار القيم الحضارية فحسب، بل في الإصغاء العميق لنبض الذات، وفي التمرد على صور الانحدار، لترسيخ اليقين في مواجهة الشكوك والتردد.
لكن في عالمٍ متسارعٍ نحو نسيان قيمته، يصطدمُ التمثالُ بروحٍ تحاولُ التشبثَ بمعناها، بين أملٍ باستعادةٍ مجدٍ كان في يوم ما، وخيبةٍ تدركُ استحالةَ إحياء ما أصبح مجرد ظلال في ذاكرة الزمن، ففي الوقت الذي يضج التمثال بالحياة والأسطورة، تظل روحه عالقة بين الماضي الذي يأبى الرحيل، والحاضر الذي كأنما يتنكر لجذوره، كأنما يحاول الابتعاد عن تلك القيم في إزالة شوائب المجتمع أينما وجدت، فكم ستحتاجين "يا قهرمانة" اليوم من الجرار، فيما لو عدتِ في زمنٍ انقلبت فيه الموازين.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟