أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة














المزيد.....

قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 02:30
المحور: الادب والفن
    


ربما كان يظن أنه يستفيق من غيبوبة طويلة، لكنها لم تكن غيبوبة الجسد بقدر ما هي غيبوبة الهروب من الواقع، غيبوبة ارتبطت بلوحة التاريخ، وألواحٌ كُتبت عليها قصةَ الحياة قبل أن تُختتم، ليجد نفسه فجأة يسمع صوتا يصرخ في أذنيه، ويبصر ظلاماً يتوهج في محاجره. إذ ارتبطت تلك الغيبوبة بإحداثيات القتل من إنسانية الإنسان، والهزيمة في داخله، بعدما ألقى النعاس بحمولته على مقلتيه، لمح في الهروب وشماً من مرارة الواقع، محاولا أن يسترجع ما تبقى منه، فيتلمس أطرافه المرتجفة، ويبحث عبثا عن ما يسمى قلبا يخفق بداخله. كانت عظامه تتراقص مع ارتعاشة الروح، وأنفاسه لم تجد سوى رائحة الرمال المبتلة بالبارود، فيما لم ترَ عيناه غير أحلام خاسرة بأجنحة محنطة، وتماثيل من خوف تتلاشى شيئاً فشياً. لقد وجد نفسه في مملكة الضياع، منسلخاً من ماضٍ طواه النسيان، وكأن العمر قد استبدل بصفقةٍ غامضة.
رفع عينيه نحو السماء، فرأى نجوماً تتدلى فوق كونٍ ساكنٍ تماما، في ظلامٍ دامسٍ يمتدُ إلى ما لا نهاية، يغطي كل ما يحيط به، كأنما يذكره بصورةِ انقطاع التيار الكهربائي التي تعود عليها منذ الطفولة. وفي ذلك السكون الموحش، كان يطارده صدى الأغاني المرتبطة بطفولته وأرضه الأولى، صدى يشبه وشماً من حزنٍ لا يمحى، أو حديث روح مثقلة بالجراح، فيستسلم للوجع. يسمع صدى في صمت مكتظ حدّ الهذيان، صدى يتغذى على الأحاسيس المجهضة. ومع تلك الأصداء، أخذ يلوح بذراعيه بلا وعي, كأنه يريد صدّ تيارات الهواء الهادئة التي لم يألفها يوما، فالكل مسجى هنا بلا أكفان.
كان السكون أثقل من ضجيج المعارك التي اعتادها، لذا أخذ يبحث عن طيف تلك الأرض في مملكة الصمت، عن تلك الأسطورة التي كان يؤمن أنها تكسرت على أبوابها حملات الغزاة. لكنه استقر نظره على صورة أخرى مغايرة، لم يجدها مكبلة بالحديد كما كان في ذاكرته، ولا كان هناك أثر للأماكن المحظورة، بل تاهت في غيوم أضاعت حياءها البري قبل الانسحاب، وتناثر أمتعة السفر في طرق مدن لم يعد يجدها. وهنا، تتراءى الوجوه الحقيقية بعد أن انزاحت عنها أقنعة الهزائم المتكررة, وظهرت شموس الجموح وغبار الأزمنة المثخنة بالنوائب.
عندها سالت دموعه بغزارة، وتساءل: هل سيلوم الحلم الذي ألقاه في سفر بعيد؟ حلم كان يراود الجميع، لكنه في أعماقه بدأ يتمنى لو قيل له الحلم ممنوع، لكان قد نجا من هذا التيه، ولبقي مع السواد الأعظم يكابد، الوهم، بحبٍ رُبِطَ بمومياء الذكرى، مرميةً على قارعةِ طريقٍ منسي.
وهنا، أدرك في لحظة خاطفة، أن استيقاظه لم يكون سوى غفوة أخرى في سلسلة غيبوباته الطويلة، غفوة لا تفضي إلى صحو منتظر، بل إلى سبات أبدي في أحضان تلك المومياء، ملفوفا بقماط الذكرى، بعيدا عن ضجيج الحياة، فصار هو الذكرى، لكن أي ذكرى تلك، أهي حياة منطفئة أم خلود في العدم؟.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة