داود سلمان عجاج
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 01:28
المحور:
الادب والفن
منذ السطر الأول، تفتح الرواية أبوابها على وجع أنثوي متجذر بين فطرة الحياة ووساوس القمع الاجتماعي. فالحق في الحياة لا يأتي من العادة، ولا من منطق موروث، بل من الوجود ذاته، في عالم تصادر فيه الضحكات ضمن قوالب جاهزة ومتوارثة، تتشكل سيرة "ورقاء"، الأنثى التي تأرجحت بين قدرٍ لم تختره وإجبار تلبّس ملامح التضحية. كانت فتاة تعتز بذاتها وسط مقاعد الدراسة، تسكنها ضفائر عابثة، وذكريات شقية مع زميلٍ رحل باكراً، ليترك في قلبها فراغاً مملوءاً بصورة لم يخفت. "ورقاء" ليست بطلة عادية، بل تمثيل لصوتٍ أنثوي يحاول أن يعلو وسط جوقة الصمت التي يفرضها عالم لا يعترف إلا بضعفها وبحقها في الانكسار.
إلى جانبها، تقف "سناريا"، صديقة تشاركها نفس القفص، حيث الأدوار محددة سلفاً منذ لحظة الولادة. وعندما تجد نفسها مضطرة للزواج من زوج أختها الراحلة، لا عن حب، بل شفقة على الأطفال، تبدأ سلسلة التنازلات المفروضة التي تحاكي لعنة أنثى شرقية وُلدت لتقول "نعم" في حين تختفي حروف "لا" من قاموسها. تبدأ الرحلة في منطقة رمادية بين حقٍ شرعي تعلمته من همساتِ الأمهات، وأمل خافت بأنَ الحبَ قد ينمو، ولو بعد حين.
في أولى ليالي الزواج، بل حتى مع بدايات الخطوبة، تكتشف الحقيقة "ورقاء" أنها كصفعة باردة: فلم تكن زوجة، بل مربية مؤقتة، حارسة على أنفاسِ الصغار لا تنتمي إليهم إلا بظلٍ باهتٍ الأمومة، وزواجٍ لا يحمل من قدسيته إلا اسمه. النفور الذي اعترى روحها لم يكن ضعفاً، بل انبعاثاً لوعي داخلي طالما قاوم، وعي بأن الأنوثة ليست تضحيةً صامتة لإرضاء المجتمع، بل طاقة وجودية تبحث عمّن يصغي لها، لا من يخنقها بقوالب جاهزة.
لكن أعظم الدروس لم تأتِ إلا عندما اكتشفت، وهي في قلب تلك اللعبة البليدة من الحوارات الواهية، أن ما سُلب منها ليس مجرد حقوق، بل جوهر كيانها ذاته، كلما حاولت أن تُجاري المجاملة المصطنعة، كلما ابتعدت عن ذاتها، وغادرت ظل الكلام لتزرع في داخلها زهرةَ السكوت، سكوتٌ نشأ في مرارة، تفيض فيه أحزانٌ لا ضفاف لها، ودموعٌ متجمدةٌ عند حافةِ العين، وصرخاتٌ آثرت أن تختبئ في صمت، تروي روحها بما تبقى من كبرياء مكسور.
تمرر الكاتبةُ آفاق محور روايتها “ورقاء" في دهاليز حياة تتنازعها التناقضات: أمومة فُرضت عليها دون سابق رغبة، وزوجٌ صار قدرا لا مهرب منه، وقلبٌ يُنتزع منه الحلم تلو الحلم كأنما وُلد لينزف. في قلب هذا التشظي، تبدأ ملامح الوعي بالتشكل، ويدب فيها إدراك خافت بأن الخلاصَ لا يأتي عبر المعرفة الظاهرة، بل من مواجهةِ الذات، لا بوصفها انعكاسا لرغبةِ الآخر، بل كحقيقةٍ متجذرةٍ في الداخل، حتى وإن كانت موجعة. لم تختر الاختباء خلف ستائر الإنكار، بل سعت إلى تدوين الألم، كما لو أن الكتابةَ يمكن أن تصبح خلاصا، أو على الأقل، عزاء.
استحضرت في رحلتها صورة "إنخيدوانا" الشاعرة، ابنة سرجون الأكدي، التي جمعت بين قداسة الكلمة وحرقة الأنوثة في زمنٍ سحيق، واستشعرت جذورها السومرية والآشورية التي تمتد عميقا في صحراء الروح، رغم رفض زوجها المستمر لمحاولاتها في التعبير والبوح. لكنها، وقد وصلت إلى هذا الحدّ من الانكسار، فلم تعد تخشى شيئا، إذ لم يتبقَّ ما يمكن أن يُسلب منها أكثر مما خسرته.
الى جانبها تقف “سناريا"، شابة في مقتبل العمر، وندبة غائرة في قلبها لا تزال تنزف بعد خذلان الحب الأول. تركتها الحياةُ وحيدةً في مواجهة عالمٍ لا يعرف الرحمة، عالم يتغذى على عنف لا يرحم هشاشة الأنثى. في خضم هذه العاصفة، كانت "ورقاء" لها بمثابة البلسم، الجدار الذي امتص صدمة السقوط، رغم أنها، هي الأخرى، كانت بأمس الحاجة لمن يسندها، لمن يسمع وجعها من خلف أسوار صمتها.
"زوج ورقاء السادي" لا يرى فيها سوى جسد مملوك، كائن خلق لتلقي الضربات أو إشباع رغباته كلما شاء. ومع ذلك، وفي مفارقة دامية، تصبح رغم هشاشتها الظاهرة ملاذا "لسناريا". أنثى تضم أخرى في عراء الخراب، تداويها بما تبقى لها من روح، وكأن لعنة عشتار قد اختارتها لتكون مرآة لكل وجعٍ أنثوي لا يجد من يصغي إليه إلا أنثى مثله، مجروحة لكنها تقاوم الطعنات.
ما بين جبروت الحب وجلد الذات، بين منطق الواقع ومنطق التقاليد، تتوالى أحداث الرواية كسلسلةٍ من الأسئلةِ الحارقة: كيف يمكن للطاقة الأنثوية أن تزهر في تربةٍ لا تعرف شمس الروح؟ كيف تُفهم الكرامة في مجتمع يصوغ الشرف كقيد لا كقيمة؟ وهل يمكن للمرأة أن تخلع ثوب الطاعة لترتدي ثوب القوة دون أن تُجلد أمام الملأ؟
زواجها من زوج أختها لم يكن سوى شبح حلم مرّ، لكن صحوة الوعي كانت أعمق من قدرتها على التحمل. لم تعد قادرة على العيش مع رجل يرى فيها مربية لا أكثر، إذ إن الحب لم يكن حاضرا في أي لحظة من تلك العلاقة، فهي مجرد ظل لأم راحلة. ومع هذا، بدأت تستعيد ذاتها تدريجياً، تتحرر من حضور شكلي يغلفه الزيف، يغتال المشاعر خلف واجهات من الادعاء. فلم تعد تقبل أن تستمر حياتها على هامش الحكاية، أو تخدع ذاتها بادعاء التكيف.
في هذا المسار، توصلنا الكاتبة في متاهة الحب التي تتقاطع فيها أسئلة الهوية والكمال، إذ يصحو فضول "ورقاء" الداخلي. فتكشف الفرق بين السراب والحقيقة كمسافةٍ تُقاس بالزمن والخيال والهروب. تمتطي أحصنة الأحلام، رافضة أن تُختزل في أداةٍ داخل وطن فُرضت عليها هويته منذ ولادتها، واستمرت لعنته بعدها، لعنة عشتار التي لا تهدأ.
تمضي بنا الرواية في دروب امرأة شرقية تحاول أن تطلق صوتها في فضاءٍ لا يبيح لها سوى الهمس. لم تكن تسعى لخرق العادات بقدر ما أرادت تجاوزها بوعي، ولم تنكر القوانين بل كانت تحلم بتعديل مساراتها. لكنها، في كل مرة تجرؤ فيها على الحلم، تصطدم بجدارٍ سميكٍ من واقعٍ يخشى الأنثى إن فكرت، ويرتعد منها إن أحبت خارج حدود الإذن الذكوري، فالحقُ مطلق للرجلِ، أما هي، فمؤجلة دوما، مؤجلة في الحب، في القرار، وفي الحلم.
تبدأ "ورقاء" في مساءلة كل شيء: ما معنى الحياة إن لم تُصنع بها أسطورتها الذاتية؟ تستدعي روح "عشتار"، تلك الإلهة التي مشت درب النار بحثا عن ذاتها. تنسج من الأسطورة خيطا من القوة، تلون به الطريق نحو الجزء المجهول من روحها، لا لتثبت شيئا لأحد، بل فقط لتؤكد لنفسها أنها قادرة على اقتحام المستحيل.
ومع تنامي هذه السلطة الداخلية الغامضة، تتدفق الأسئلة كالسيل: هل كانت لتختار طريقا مختلفا لو عاد الزمن؟ هل أصبحت أقوى فعلا، أم أنها فقط تعافت من الوهم؟ وماذا عن تلك الطيبة الزائدة التي تدفعها لقبول زواج لا يشبهها؟
تستفيق "ورقاء" على وعي مغاير، تكتشف أن الحبيب الحقيقي هو من يجعلها ترى أجمل نسخها، لا من يغرقها في جلد الذات. تتوق إلى إسقاط أصنامها الداخلية، إلى التحرر من الأوثان التي ادّعت امتلاك الجيوش وهي بلا خيول، ومن الانتصارات التي لم تكن سوى سراب، فذلك الفراغ المتباهي لم يكن إلا قلقا متنكرا، وخدعة بارعة في الاختباء.
أربعة آلاف عام أو يزيد، وما زالت الحريةُ مختطفة، منذ الخدعة الأولى التي أوقعت عشتار في فخ تموز، تتوالد الوقائع وتتكرر، كأن الزمنَ لا يعرف سبيلا للقطع مع الألم. كانت عشتار، ولا تزال، معلقة فوق صهوة حصان بري، يصهل في العصور: حزنا آنذاك، ووجلا اليوم. وحدها "ورقاء"، كظلِ تلك الإلهة المنفية، تمتطي الحلم المستحيل، عيناها تحدقان في المجهول، في جزرها السرية التي تخشى أن يكتشفها أحد، تركب رياح العاصفة لا لتنجو، بل لتصل. علّها هناك، في آخر المدى، تتشكل من جديد خارج الأرض التي ترفضها، تلك الأرض التي يتسول فيها الفقراء على ضفاف الذهب الأسود.
كأن زواجها لم يكن عبثاً، بل كان المفتاح الخفي لباب لم تكن تدري أنه يوصلها إلى ذاتها، فجراح القهر كانت مرآتها، وجعلت طاقتها تتفجر في الداخل. أصبحت تبحث عن أرض بلا أوهام، ونهر بلا دماء، بل وأكثر من ذلك، صارت تنفض عنها كل هويةٍ فُرضت عليها عنوة. وفي خضم رحلتها، التحقت بها "سناريا"، الأخرى التي كسرت حاجز الرعب بين خطيئة الرجل وخطيئة المرأة، ومشت مع خارطة النبض، حتى وإن كانت الحرب ضدها لا ترحم، لم تطلب بطلا، بل شريكا يرسم معها الحياة، لا من يرسمها لها.
"ورقاء" تصرخ: لِمَ الخوف؟ وهي تدرك أنها تقف في المنطقة المحرمة. ففي زمن يصدح فيه الرجل بشعارات حرية المرأة بينما يمارس نقيضها، تظل القوافل النسوية تسير نحو الأفول، بلا صدى، بلا أثر. لكن صوت "ورقاء" اليوم لا ينتمي للصمت، لن ينكسر أمام الياقات المشذبة والبدلات الرسمية التي تحرس التخلف باسم النظام. بدأت تبحث، بين ملامح الرجال، عن وجه رجل حقيقي، لا ليحبسها في صورة، بل ليسير معها نحو الحلم، حتى آخر نبضة منه.
الكاتبة آفاق تجعل “ورقاء" تعيش في شقٍ بين عالمين، كأنها مقيمةٌ على خطِ الوهمِ والحقيقة. ففي أحلامها، تؤمن بأن التغيير ليس ترفا بل ضرورة، وبأن الحبَ يجب أن يكون شركة لا عبودية، وصوتها لا بد أن يُطلق كنداء حر، لا همسا خائفا خلف جدران الخضوع. تحلم برجل تشتهيه روحها لا تفرضه الظروف، أن تختاره بكامل وعيها لا أن يُفرض عليها كقدرٍ منزوع الحرية.
لكن الواقع لا يمنحها سوى نقيض تلك الأحلام. فهي زوجة بالإكراه، بلا إرادة، تُضرب متى شاء، وتُهان كلما شاء، وعليها أن تُظهر الطاعة كما تُظهر الملامح المستعارة. ومع أنها تتحدث عن ذاتها، فإن صوتها يحمل صدى نساء كثيرات، مقموعات، أجبرنَ على لبس الطاعة وكأنها فستانُ عرس.
لذا، لم تعد "ورقاء" تنتظر منقذا، بل قررت أن تكون بذاتها المعول الذي يحاول كسر صخرة التاريخ. آمنت أن الحبَ حين يكون صادقاً ونابعاً من الذات، يمكنه أن يكون طاقة تحرر لا قيدا جديدا، فالحياةُ لا معنى لها دون الحب، وليس سوى عبور في صحراء الشك والاستسلام.
الرواية لا تطرح أجوبة، بل تنكأ الجرح لتكتشف طريق التئامها، كأنها تسير حد الألم والحب، حيث تتغذى الروح من النزيف، وتنبثق القوة من لحظات الانكسار. إنها ليست مجرد حكاية امرأة تُداوي ذاتها، بل نداء أنثوي يعبر من خلال "ورقاء" إلى كل امرأة سقطت ولم تُهزم، انكسرت ولم تُفنَ.
هكذا، تمضي رواية "مس عشقي" كصرخةٍ مكتومة، كجدليةٍ أنثوية تنقب عن هويتها في أعماق كل امرأة تنشد الحياة، وليس كموضوع للحب فقط، بل ككيان يريد أن يكون، وما "ورقاء" إلا عشتار أخرى، لا تطلب خلاصاً فرديا، بل بعثاً أنثوياً أشبه بصدى لعشتار المعاصرة، تلك التي نثرت شعرها لحزن لا ينتهي، أرادت أن تحب فعوقبت بالاتهام، أرادت أن تكون فقيدوها، لكن رغم كل شيء، ما تزال على قيد العشق.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟