داود سلمان عجاج
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 15:07
المحور:
الادب والفن
" في الدواخلِ تكمن الحقيقة" هكذا بدأت جدّتهُ حديثَها, مخاطبة إياه بـ" يا ابني" بعدما أبعدت عن مخيلته شبحي الخوف الطفولي, السعلاةُ في النهر, والذئبُ القادمُ من جزيرةِ الثرثار, ومن هنالك بدأت أفكارُ" خميس علاوي الجميلي" تتوارد, ففي تلك الليلةِ التي تلت حديث جدته, تذكر كيف كان يختبئ خلف جدرانِ البيتِ الطيني, يستمعُ لقصصها عن أبطالٍ تحدوا الصمت, فكانت عيناه تجسدان شغفه بالحرية, لذا أخذ يردد" سأكون قادرا على كسرِ قيود السكوت" فبدأ يقحمُ المشهدَ بالبوح, حينما تتلاقى النظراتُ وتكتفي الألسنُ بالانعقاد, فلم يجد يوماً في ذلك الصمتِ الإجابةَ التي تشفي الغليل, حتى وإن تلقى صفعةً من أحدِ الزملاءِ الذين يكبرونه, ولم يحط الجسدَ بوهمِ الأحلام, استعارة أو تلبس, إذ كان الخوفُ يبحثُ عن موطئِ قدمٍ في قلبه ولا يزال, لذا أطلق على نفسه أو أنطلق في سردِ قصصه باسم ابتدأ بحرفِ السينِ لذلك الشخصِ الذي تصالح معه" سليم سالم سعيد" فحاول ومن خلاله أن يسيرَ معه تحت مظلةٍ واحدة, أن يستشعرَ معه الألمَ من منابعه, وأن يرفضَ الرضوخَ على مضضٍ لعالمٍ يفرض الصمتَ المطبقَ تحت خيمةِ الحريةِ المفترضةِ من خلف الحدود, ضمن نطاقِ الخوفِ الخفي والمعلن, من مجهولٍ أو معلوم, إذ كان يدركُ أنَّ القبولَ بثرثرةٍ فارغةٍ لمليء الفراغ, ليس سوى نوعٍ من الانتحارِ الروحي.
ساعيا وراء البحثِ عن الحقيقة, تلك التي تكمن في الأعماق, فولّدت ضجيجاً متصاعدا, مذ أول صرخةٍ له عندما وجد ضالته في وسطِ السطور, فكلما وجد شيئا يقرّبه من تلك الضالة, كانت أفكارُ الحريةِ تتصارعُ مع قلقه" فهل ستكون تلك الأفكارُ إنذاراً مسبقاً وستجلب لي المتاعب؟" يتساءل دائما, لذا فلقد مضى كثيرا من الوقت وسيمضي على جسرِ الحياةِ المتأرجح, متّبعا أثرَ النداءِ في طريقِ النور, يحاول أن يحترقَ كي يضيء الدروب, ويسعى لأن يحملَ مشعلاً لذلك التنوير, فما برح يحملُ فتيلَ الأملِ علّه يؤثرُ في النفوسِ التي اختارت السكون, ولعلّه يُخرجُ تلك الأصواتِ من قمقمِ الخوف, من ذلك الخلودِ الأخرس, وبذات القلبِ الذي يدق بجرأة, يحاول كسرَ قيودَ الصمت, ويعيدُ صياغةَ الحكاياتِ التي تختبئ في الدواخل, لتصبح على شكلِ نشيدً للحريةِ كما يتصور, ويصرخُ في وجه الظلام.
" هكذا قالت جدتي" مجموعةٌ قصصيةٌ بدأت من بقايا ركامِ جدرانِ مدرسةِ الجميلة الابتدائية القديمة في الشرقاط في محافظة صلاح, تلك التي دُفنت تحت أنقاضها ذكرياتُ الطفولة, ذكرياتُ بدايةُ الأحلامِ التي ظلّت مختبئة, ومنها بدأت رحلةُ الغرامِ ببلقيس, تأخذه الحيرة, فلا يزال يرقبُ شروقَ الشمسِ من الاقاصي, رغم الدمِ والتشريدِ وكؤوسِ الهوان, فبلقيسُ تلك التي تسكنُ حنايا الروح, رغم تعدد المحاولاتِ كي تكون في طيِ النسيان, أو لنقل لتركها في وادي السبات وادي الحرمان, تائهةٌ بلا عنوان, أو كسفينةٍ بلا ربان, في بحرٍ بأمواجٍ عاتية, بلا سارية, بلا أمان, كي تبقى سجينةَ الخوفِ والأحزان, وسيلقى منها الإنسان, كلُّ من يحملُ سجايا الرفضِ بين ثناياه, وسيهجعُ في أتونِ لجةٍ سوداءٍ في هذا الزمان, فلم تعد هنالك حوتٌ تلتقفه" آه بلقيس" إنه الطوفان, والفراغٍ السرمدي يتمدد, فيتساءل" أيكون للأحلامِ نهاية؟" فلم تعد هنالك شعوبٌ تزلزلُ بأصواتها ترفض الحرمان, لذا ففي لحظات الوحدة, حينما ينساب النور من النافذة الصغيرة, ليعلن ولادةَ يومٍ جديد, يدركُ أنه لم يذق طعمَ النوم, كما في سابقِ الليالي, فيتكرر نفس السؤال" ترى هل ما زلتُ أنا, أم أنني مجردُ ظلُ الشخصِ الذي كنت أود أن أكونه؟"
وذلك الإهداءُ إلى من علّمه الحروفَ الأبجدية" عبدالمالك أوهيب" فلم يبقَ له سوى ذاكرةِ الوفاءِ والعرفان, ودعاءٍ له بالرحمةِ في جوفِ الليل, والوقوفِ لحظاتِ تأبينٍ ووداعٍ على لغةِ الضادِ وهي تحتضر, ثم لتبدأ كتلُ الأحزان, قصصٌ قصيرةٌ تحملُ في طياتِها تجاربه وتجارب الآخرين, منها ما نُقشت في ذاكرةِ الأجيال, ومنها ما كُتبت على سطحِ الماء, فالعوزُ حينما يكون سدا منيعا, يجعلُ الأشخاصَ في طيِ النسيان, من على خارطةِ الأوطان, ليجبر شخوصَها على اختيارِ طريقِ اللاعودة, بلا وجهة, بلا عنوان, بعيدا عن وصايا الجدّات, حينها ستتلقفه الأيادي الخفية, في زمنٍ يفرضُ الاعوجاجَ على الاستقامة, لِتُهدى الروحُ كقربان, هروبا في ملاذِ النسيانِ كطريقٍ للخلاص, ليبقى خاويا كشجرةٍ مقطوعةَ الأغصان.
" ما قصةُ الأفعى التي بحوزتك" تسأل العرافةُ ذلك الدرويشَ" فهي قاتلتك لا محال, فالطالعُ يؤكد ذلك, وإن بدت مسالمة" فالطبعُ يغلبُ التطبع, فهل تجاري من يمتلك النفوذ؟ أم تلك الأفعى تعرف سرَ الجاهِ من خلالِ الوجوه؟ وتعرفُ أنَّ الحبَ والخوفَ لا يجتمعان معا, فأما أن تكون كـ " قيس ابن الملوح مع ليلى" يبحرُ فوق شراعِ أحلامه, فلا يسألُ إلى أين تأخذه, ولا إلى أي مرفأ سيرسو, ولا في أي أرضٍ فلات سيكون, وأما أن تكون بذاتِ الخوف, الخوفُ من مجهولٍ قادم, والخوفُ من كلِّ هواجسِ الماضي عبر أثيرِ السنين, حكاياتٌ تترددُ عبر الألسن, وخواتيمها حمامٌ من الدماء.
" فرت قلوبنا من أقفاصها طربا على أكتاف الحناجر" بعدما دقت نواقيسُ التغيير, وخلجت تلك القلوبُ فرحاً بعدما أتعبها البحثُ عن وطنٍ آمنٍ ما بين الأوطان, لم يتمهل" سليم سالم سعيد" فلقد أخذته نشوةُ التغيير, لكنَّ صدمته الأولى حضرت بعدما شاهد الامتهانَ وحكايةَ السجونِ والمعتقلات, فتلاشى الفرحُ في قلبه كسراب, فأصبح يئن في كلِّ مساءٍ يحل, وليله كالأعمى لا يغمضُ له أجفان, والصخبُ يدقُ في دواخلِ الجمجمة, فتزاحمتُ الاسئلةُ تبحثُ عن جواب" ألسنا, ألسنا..." فأخذ يستمع إلى أصواتِ دواخله وهي تجيب" ستنهض الأشلاء حتما" فتحولَ إلى استخدامِ الكلمةِ كسلاح, حتى وإن اختارَ الشعبُ من يضمرَ له العداءَ في وضحِ النهار, يحاولُ فتحَ الأبوابَ المغلقة, مع أنها ستسبب له المزيد من الأوجاع, فالإيمانُ بالحريةِ لديه كحصنٍ منيع, وفي خضمِ اليأسِ ينسجُ خيوطَ الأمل, فالكلمةُ لا تقل وقعا عن سواترِ القتال, بعدما غزاه اليأسُ وفقد الأملَ بعودةِ الغائبِ عن المشهدِ عنوةً كوطنِ جديد.
" عندما تشتد العواصف, تُنزعُ الرحمة, فتسقط الأخلاق, وتُخنق الأصول, وتُنحر القيم الجيدة, فيصبحُ الأخُ جلّادَ أخيه والجاسوسَ عليه" يعجبُ عندما يكتشفُ لأول مرةٍ أنَّ العدالةَ والمساواة يمكن تحقيقها حينما يأخذ كلٌّ نصيبه من الخوفِ والإرباكِ والقلقِ فقط, وإلا فلا عدالةٌ في الرخاء, لا عدالةٌ حينما يُزج الشبابُ على السواترِ الأمامية, لا عدالةٌ في الموتِ المجاني, لا عدالةٌ في الأرضِ إلا في ذلك الاستثناء, وربما الظلمُ على البعضِ حينما يضعف القانون, ففي غرفته الطينيةِ التي تغفو على ضفافِ نهرِ دجلة, والتي شبهها" بخراجٍ ملئ قيحا" كُتب عليه أن يولدَ ويعيشَ ويموتَ ويبعثَ منها.
في خضمِ تلك الأجواء, أدركَ أنَّ القيمَ التي تربى عليها, وصقلها معلمه" عبدالمالك أوهيب" لا تعدو كونها خيوطا رفيعة تفصل الحياةَ عن الموت, ومع كلِّ دقةُ قلب, كانت تتراءى له مشاهدً من الماضي, إذ كانت الأحلامُ تُبنى على أكتافِ الأمل, إلا أنها اليوم تحولت إلى كوابيسٍ تلاحقه, فكان عليه أن يختار, أما الاستسلامُ لذلك التيارِ الجارف, أو المقاومةُ العبثيةُ إلى يوم ما, وسيحين ذلك اليومُ حتما.
فالوصولُ إلى شاطئِ دجلة لا يكون إلا في ذلك الخطِ الضبابي الذي رُسم سلفا, ففيه تنعدمُ الرؤيا, تلك تمثل العدالةَ الأرضيةَ التي تشمل الأغلب, شاء أم أبى, هي الأقدارُ تُرسمُ للأجيال, طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر, وعليه السير فيه, وأي تعثرٍ فسوف يُحسبُ عليه كسوءِ تدبير, ففي ذلك الخطِ الضبابي والذي رسمته حوافرُ الحيوانات, لا يمكنه الاستدلال وسط الضباب الكثيف, والتعرجاتُ غيرَ المحسوبة, لكن عليه السير, عليه أن يكملَ الطريق, كان يعرف أنَّ الوصولَ ليس بالهدفِ الوحيدِ الذي كانت ترسمه المخيلة في عنفوانِ الشباب, بل أنَّ التجزئةَ ذاتها كانت تحمل في طياتِها الدروسَ والعبر, فتجعله أكثر قوة ووعيا, فالتعثرُ لم يكن نهايةَ للمطاف, لكنه اليوم يسير بلا هدى, يدركُ النهاية, وسيسقط عاجلا أم آجلا, حتى وإن استطاع أن يصلَ إلى" حويجة علي السنّو" فهي مطوقةٌ بالمياهِ من الجهاتِ كلِّها, وقد وجدت أصلا لتكون وطناً للزواحفِ والوحوشِ لا أكثر, فسيرى المياهَ المتلاطمة, وسيجد صورته المتلاشية, بوجه شوهه القلقُ الداخلي, وعينان تحملقان في الفراغ, فسيدرك حينها أنه يقف متسائلا" ترى من سيمنحني الحياةَ من جديد؟".
" أنت فيها بين الهزيمةِ والانكسار, الإحباطِ والفشل" محاصرٌ في تلك الجزيرةِ المائيةِ على شكلِ كتلةٍ من الهمومِ ومجموعةِ من الشكوك, والحزنُ كذئبٍ يعوي في براري الوجدان, والخوفُ الذي لم يكن يهاب منه, بدأ يتسلل إلى دواخله حينما أخذ يرى النهاية, إذ بدأ يرى الروحَ كيف ستُقدمُ كقربان, ذلك القدرُ المحتوم, لذا عليه أن يتركَ كتبه على بعثرتِها في وطنِ عزلته الوحيد, سيودع وطنه الصغير" قرية أجميلة" ترافقه غربته الروحية, فكلما سار وحث الخطى في ذلك المسارِ الضبابي, غالبه هاجسُ الخوفِ أكثر, كأنه خارجُ أسوارِ الزمان, مع يقينه باستحالة الوصول, فحتما سيسقطُ في النهر, ذلك الهاجسُ الذي لم يفارقه, لذا فحينما حانت لحظةُ السقوط, لم يحاول فعل شيء, فالنهايةُ معروفة, فإن حاولَ اليوم فستنتظره مفاجأةُ الغد, فاليومُ مثل الأمسِ مثل الغد, لا تغيراتٌ في النهايةِ غير اختلافٍ في الوسيلة وربما في التوقيت, ففي أعماقِ روحه يدرك أن هذا هو صدى الحياة, وإنَّ صوتَه متجذراً في أعماقِ الظلام, كان ينادي بالحقِ ويبحثُ عن النور, لكنها هي الحياةُ قد لا تعطي فرصةً لتكرارِ المحاولات.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟