أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ المقعد الخالي














المزيد.....

قصة قصيرة؛ المقعد الخالي


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 14:32
المحور: الادب والفن
    


كان يحمل ابتسامة توحي بالأمل، لكنها لم تكن من طينته المعتادة؛ فوجهه الذي ألفه الناس صار أكثر هدوءاً، وكأن ملامحه قد تدربت على التناقض. خطا بثوبه الرسمي عبر البوابة الرئيسة، تتبعه نظرات الحراس الذين شدوا على أسلحتهم تهيؤ لأي طارئ. انقبض صدره، فذلك الهدير المعدني لم يكن يطمئنه يوما، فمنذ صغره لم يؤمن بالسلاح ولا بالاستعراض، بل يرى في الفكر طريق الخلاص من كل قيد، وفي الكلمة وسيلة لتكسير القضبان.
ولذلك حين دخل الفسحة المخصصة للاحتفال، بدأ الاضطراب ينهش كيانه، والموسيقى الصاخبة تصدح بأناشيد التوحد ورص الصفوف. التفت إلى جهة جدار عال، وإذ بشاشة ضخمة تبث عليها صور متلاحقة، وكأنما شاهد وجها يشبهه تماماً، أو ربما كان وجهه هو، وقد غزاه الشيب وغابت الحياة عن عينيه، إذ بدتا غائرتان في المحاجر مكحلات بالإرهاق، هي صورة تختلف عما كان يشاهده في المرايا الكبيرة في الأسواق ومداخل البنايات الشاهقة. تساءل في خفوت ودهشة:
- هل أنا حقاً على الشاشة؟
تلفت قليلا حوله، ثم أراد أن يسأل الرجل الجالس بجانبه عن ماهية هذه الشاشة، إلا أنه اصطدم بنظرة جامدة من الرجل المجاور، نظرة استغراق لا مكان فيها للسؤال، فأدرك أن شيئاً يتصدع في داخله، وبدأ الشك يزداد من هذه الإجابة، مع أنه لم يجد ذلك الدافع من قبل الذي قاده إلى هنا، حتى ظن أنه ربما يكون مجرد احساس لا أكثر، ليجيب نفسه بصوت ضئيل بعد أن شاهد علامات الشحوب في ملامح وجهه:
- لا بد أن شيئاً ما قد انكسر.
ومع مرور اللحظات شعر أن يقينه يتآكل، كانت هذه أولى الحجارة التي بدأ يجدها بدت تختلف في جدار ذلك اليقين الذي بناه طوال سنين عمره، وربما كانت بداية حدوث خلل ما في مركز تفكيره، فلم يكن يدرك ذلك في تلك اللحظات، إذ كان يتعايش مع مشاعر المشاركة طوال تلك الساعات، غير أن العقل بدأ يستيقظ فيه فجأة أمام صورته المتغيرة، كلما مرت الدقائق وهو يجلس في الصف الأمامي من المقاعد، والطاعة التي وجد نفسه ينساق فيها، فكانت تلك الطاعة لحظة اختبار للمبادئ التي ظن أنه ما زال يؤمن بها. وها هو الذي يبني عالمه من على رفوف الكتب، ويزرع أفكاره بين هوامش الفلاسفة، ويلوذ إلى كلماتهم كلما ضاق به الواقع، يجد نفسه ينساق في تيار الطاعة، وربما كان يقنع نفسه أن الوعي وحده يكفي ليبقى حرا، وقد كان يهاجم بالكلمات حصون التلون التي تخرج من أعماق الروح، عسى ألا تدفن في مقبرة الكلام، وبانتظار أن يأتي حلم جديد، ليسأل نفسه بصيغة الخروج من هذا المأزق:
- ربما جسدي خذلني في هذا الاندفاع؟
لكنه بدأ يهز برأسه:
- وأين العقل؟
اللافتات المعلقة على الجدران كانت تكرر الكلمات ذاتها، والموسيقى تغلي في الآذان، تدعو للثبات والطاعة والانتماء، والعناوين التي تظهر من على الشاشة الكبيرة التي تصورها تكرر الكلمات. لذا بدأ يشعر بأنها أثقل من أن تكون دعوة، بل هي أقرب إلى اختبار لولائه أو مقدار وعيه، لتبدأ المقارنة ما بين الدعوة التي جاء على ضوئها وما بين ما يراه، ومن هنا بدأ التناقض في ذهنه بين الكتب التي قرأها وما بين حدود الرؤية لكل ما يرى، ليستعيد حالة عبيد روما الذين حملوا سلاسلهم كأنها تيجان، أو غيرهم ممن جار عليهم الزمان، وابتسم بسخرية حزينة:
- يبدو أن عبودية الحاضر أكثر أناقة.
ففي غفلة وجد نفسه محاطاً بوجوه متشابهة، كأنها نسخ من إرادة واحدة، فيرى ظلال القصيد تحاور المساء، وكأن الأماني تسير على مهل وتستجيب لمن يناديها. ارتفع التصفيق وكأنه المطرقة التي تهدم ما تبقى من ذلك الجدار، وتعالت الشعارات، فشعر أنه فقد ملامحه في زحام الحشود، ليستمع إلى صوت خافت يتمتم:
- أنت هنا جسد لا أكثر.
تغلغلت البرودة في أطرافه، وغابت الرغبة عن حواسه، لكن الجسد لا بد أن يجري فيه الدم في هذا المساء الذي خذله، فيغمض عينيه بنشوة اللارغبة، وتتداخل الأصوات والهواجس ويغدو الفضاء ساحة معركة بين ضميره وصدى التصفيق، عندما يتطلب الأمر الوقوف احتراماً لشخصية مهمة، حينها شعر كأنه جسد لم يعد يمثله، وأن روحه قد كسرت صلتها به، وأنه يعيش الازدواجية في الطاعة والخشية من أن يكون مختلفا، أو ربما لم يعد يشغل حيزا في الفراغ، ليكون توأم العتمة، بلا صوت، ليتساءل:
- هل تبدأ العبودية من هنا؟
فيحاول أن يجد ما يبرر به نفسه هرباً من الإجابة:
- ربما الحرية تمارس بذات الصمت الداخلي.
عاد ينظر من جديد بذات الشاشة التي يتصورها، لا أحد في الفراغ سواه، كأنه يبحث في المكان في اللامكان، لم يعد يذكر اسمه ولا عنوانه، كأنه متعلق بين الأخيلة والأوهام والوسواس في عالم اختزله من الواقع، وكم تمنى لو كان بذات الاسم الفائض في قبضة النسيان، أو أن يكون في صفحة من تاريخ قد مضى.
لكنه يجد الجميع مغمورون بالتصفيق حتى يخرس الفكر، وهو مع تلك الأطياف لكن بوجه بلا ملامح، والأصوات تتعالى كأنما تدعوه إلى الرضوخ ومعرفة مكانته الحقيقية. كل شيء حوله يريده أن يبقى كما هو، لا أن يكون جزء من ذلك الإيقاع الكوني الذي لا يتوقف، وعندئذ بدأ يرى وجها غريبا لا يشبهه، مع جيوش من الخشية تتحرك في دواخله، ربما هو أقرب إلى الحقيقة، فبدت له صورته باهتة، كأن المقعد أصبح خالياً. حيث همس بدهشة مرتعشة:
- هنا أنا هذا فعلا؟ أم ظلي هو من جلس مكاني؟
وقف متثاقلا، توجه نحو المخرج بخطوات تائهة، كأن الأرض ترفض أن تحمله، والكلمات ترن في رأسه ثائرة عنيفة. فالتفت إلى المكان، وإلى المقعد الذي كان يجلس فيه، فرآه خالياً، فأدرك أن الذي كان يجلس هناك لم يكن هو، بل شبح تخلى عن فكره وترك جسده مكانه.
وهنا فقط، حين صافح الهواء البارد وجهه، أحس أن المقعد الخالي ما زال يلاحقه كمرآة معلقة في الفضاء. أدرك أن الخواء لا يبدأ من الكرسي، بل من العقل حين يتصالح مع الخوف. وأن الحضور ليس في الجسد، بل في الفكرة التي تجرؤ على العصيان.
عندها، التفت مرة أخيرة نحو الداخل، نحو المقعد الذي ظل ينتظره، فابتسم كمن وجد نفسه بعد غياب طويل، وقال في سره:
- ربما المقعد لم يكن خالياً، بل كنت أنا الغائب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و ...
- السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة ...
- بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا ...
- طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري ...
- ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك ...
- -سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش ...
- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ المقعد الخالي