أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق














المزيد.....

قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 18:00
المحور: الادب والفن
    


كل خميس، عند الضفة الغربية للنهر، كان يجلس رجل يتقن فن الحضور بلا صخب، كأنما يكتب قلقه بصمت على صفحة الماء بحبر من صمت لا يُرى. وربما كان متأثراً لأسباب غامضة لا يدركها سوى عقله المرهق, أو ذاكرته التي لم تهدأ بعد. لذا كان يحدّق في الموج الخافت طويلاً، كمن يبحث بين التموّجات عن ملامح غائب، أو عن ظل تاه في الزرقة اللامتناهية.
هناك، كان يشيد حوارا داخليا مع النهر، أقرب إلى عتاب مكتوم لا تُفصح عنه الكلمات. ومع ذلك، ما إن تهتز الأفق برفرفة طائر عابر، حتى يتذكر أنه ما زال في دورة الحياة. عندها كان يدرك أن سره، مهما توارى بين طبقات الماء، يظل يتنفس بعمق خفي، كما لو أن النهر نفسه يحفظه في ذاكرته المتدفقة.
في الوقت نفسه، غير بعيد عن مجلسه، كان رجل آخر يختار صخرة ملساء ليجعلها موطئ سكونه. لم يعرف الأول من أين جاء الثاني، ولم يتساءل الثاني عن هوية الأول، كأن الصمت بينهما كان اتفاقاً ضمنياً يقيهما ثقل السؤال. ومع ذلك، جمعهما خيط خفي من القدر؛ كلاهما تعثر بالوهم ذاته، وسارا في دربٍ واحد وإن اختلفت خطواتهما.
بقيا أشهراً يتذوقان الطعم الغامض، ويستسلمان لإغواء اللامألوف، يحاولان أن يُقنعا نفسيهما بأن ما يعيشانه ليس مجرد خداع للحواس، بل حقيقة تنتظر أن تُكتشف. كأنما كانا يتواطآن مع النهر على إطالة الحلم، ولو أنهما يدركان في أعماقهما أن التصديق حده لا يكفي، وأن الحقيقة لا تُستدرج إلا بالاعتراف بها.
ومع ذلك، لم يكن بينهما اتفاق يُذكر، سوى صمت يتكرر كأنه طقس مقدس، يلتف حولهما في كل خميس بملامح مختلفة، لكنه يظل هو العلامة الفارقة لحضورهما. فلم تعد هناك مآثر مجد تستحق التبجيل، ولا معجزات تنقذ الحقيقة من غيابها الطويل. وكأن النهر وحده يعرف سر جلوسهما هناك، ويدرك أن البسطاء هم الضحايا دائما، ليس لهم سوى الانتظار الموهوم، وأيام حاضرة تفتقر إلى هديل اليمام كي تستعيد شيئا من سلامها.
لم يتبادلا حديثاً قط، إذ كانت إيماءة خفيفة عند وصول أحدهما تكفي، لتفتح الطريق إلى صمت يشبه الصلاة. وكأن هذا الصمت لا يثقل المكان، بل يضاعف حضورهما حتى بدا وكأنهما يحرسان ذاكرة غامضة، ذاكرة لم يُفصح عنها أيٌّ منهما. ومع ذلك، كان جلوسهما المتوازي اعترافاً خفيا بأن الحزن لا يقف على شاهد واحد، بل يتوزع في أكثر من قلب، ويتجسد في تلك العزلة القاسية على شاطئ السأم.
غير أن القدر دار دورته، ففي أحد الخميسات، اخترق السكون دويّ غامض. لم يكن أحد يعرف مصدره؛ هل جاء من أعماق الجزر المتناثرة بعد أن انحسرت المياه؟ أم من قلب النهر نفسه؟ ربما لم يكن سوى خفقة في الذاكرة، ارتطاماً داخلياً يعيد تشكيل الليل الذي لم يختفِ من روحيهما، كأنه تذكير بأن الغرق قد لا يحدث في الماء وحده، بل ويتعشعش في الذاكرة أيضا.
ارتجف الأول، ورفع رأسه مذعوراً نحو الآخر. التقت العينان، وانكشف الذعر المشترك. عندها فقط أدركا أن الصمت لم يكن حاجزاً، بل ستاراً رقيقاً يخفي صرخة واحدة.
قال الأول، كمن يحدّث نفسه:
- صوت مباغت يعيدني إلى الانهيار.
فأجابه الآخر، بعد تردّد، بصوت بثقل الليل:
- وأنا، ما زلت أسمع الضفاف تنهار، كأن داخلي مجرى يتصدع.
منذ تلك اللحظة تغيّر شكل الخميس. لم يعودا يجلسان متباعدين؛ اقتربا من بعضهما كمن يبحث عن ظل يحميه. صار الصمت مختلفاً، صمتاً يخفّف لا يثقل، وبوح لا يخفي.
تدفقت الذكريات مثل خيوط ضوء عبر جدار متصدع، تحمل معها شظايا زمنٍ لم يكتمل، فيما ينهش الوهن بارعاً في تضعضع الفراق، فتتناثر الدموع في شتاتها، كأنها تبحث عن مرافئ ضائعة بين الحنين والانكسار. قال الأول:
- كان ابني يزعم أن للنهر رائحة خاصة بعد المطر.
ابتسم الثاني بحزن عميق وأضاف:
- أما ابني، فكان يحب أن يلقي الحصى، فقط ليسمع صداها.
تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت تعادل حياة بأكملها؛ ذكريات تلمع كالنجوم في ليلٍ مثقل، فيتشبثان بقراءة التضرع، ويهمسان بالتمني قبل الغروب، وهما يدركان في قرارة نفسيهما أنهما لا يقطفان سوى الهواء، ولا يجمعان إلا السراب، وكأنهما يساومان النهر على فقاعات الغرقى، علها تمنحهما أثراً من أرواح رحلت، أو وعداً مؤجلاً باللقاء.
وفي يوم ذكرى الفقد، حين تجدد تجرع كأس الفراق بلا وداع، بدت الدموع أقرب من الكلمات، وظلت عيناهما معلقتين بالنهر، كأنهما يبحثان في موجه عن ظل يلهو على رمال الشاطئ، ظناً بأن روحي ابنيهما ما زالتا هناك، تركضان بين الغياب والحلم. ومع الغروب، حين صبغ الأفقُ صفحة الماء باللون الأخير، مدّ أحدهما يده المرتجفة ووضعها على كتف الآخر. لم تُزَح اليد، بل تحولت إلى جسرٍ من وجع صامت يربط روحين ثكلين أنهكتهما العزلة، ويمنحهما لحظة تشارك نادرة. عندها انهمرت الدموع بصمت متثاقل، كأنهما وجدا أخيراً مئذنة داخلية ليطلقا منها النداء المكبوت منذ سنوات، نداءً لا يطلب سوى حضن غائب لن يعود.
وأخيراً، عند انطفاء النهار، نهضا معاً وسارا بمحاذاة النهر، بخطوات متثاقلة كأنهما يحملان ما تبقى من أرواحهما. لم تلتئم المأساة بعد، ولم يبرأ الجرح، لكن ثِقَل الوحدة صار أخف، إذ تحول الخميس من موعد مع الذاكرة وحدها، إلى طقسٍ يتشاركانه، وشهادة يتقاسمان ألمها. صار الصمت بينهما لا يعني الانفصال، بل اللقاء، يخفف ولا يثقل. وفي كل خطوة كانا يبتعدان قليلاً عن الغرق في وحدتهما القاسية، ليذوبا معاً في ذاكرة مشتركة، أقل قسوة وأكثر احتمالاً، ذاكرة تجرح القلب لكنها تمنحه سببا للاستمرار، ولو على هيئة خيط رفيع من حنين لا ينطفئ.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض ...
- مهرجان كان السينمائي-المسابقة الرسمية تستعيد ظلال الحرب العا ...
- كتاب -سورية الثورة والدولة- يفكك تحولات دمشق بعد سقوط النظام ...
- مهرجان كان: فيلم -توت الأرض-.. عن معاناة العاملات الموسميات ...
- من مخطوطة في العشق
- باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس ...
- معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن ...
- الممثلة التونسية درّة زروق تنشر صوراً لها -بين الماضي والحاض ...
- -لا رقيب بعد اليوم-.. دلالات الخطاب الثقافي السوري الجديد من ...
- الفنون والثقافة تنافسان الرياضة في إبطاء الشيخوخة


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق