أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية القضية لكافكا















المزيد.....

من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية القضية لكافكا


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 00:39
المحور: الادب والفن
    


لا شيء يوازي وطأة الشعور بالذنب حين يستبيح عالم الإنسان من الداخل، ولا سيما عندما يكون ذنباً بلا جريمة. فهنا لا يتحول الإحساس إلى مجرد قلق عابر، بل يصبح عذاباً دائماً، لأن الواقع ذاته يبدأ يزرع الشك، لا في الفعل، بل في الذات. هكذا يبدو الإنسان، أمام الآخرين، متماسكاً ومتوازناً، أمام الناس متماسك، بينما في داخله كيان مهزوم، يتآكله السؤال. وحين يعود إلى الوقائع، لا يعثر على ما يدينه، ومع ذلك يصر بذلك الشعور الغامض على أنه لا بد أن اقترف خطأ ما. عند هذه النقطة، يصبح الندم بديلاً للفهم، وجلد الذات بديلاً عن الحقيقة، ويتحول القلق إلى موجة ألم داخلية تستعصي على الإدراك، تجتاح الوعي والحواس معا. الخوف هنا ليس من عقوبة محددة، بل من تهمة مجهولة، ستظل، في المخيلة، مدونة في سجل السيرة الذاتية، قادرة على محو الاستقامة كلها دفعة واحدة.
في رواية القضية لكافكا، يرسم هذه الحالة عبر شخصية جوزيف ك، الذي ما إن بدأت دورة الألم حتى صار الصداع أو تجلياتها، وكأن الجسد استبق الوعي. أخذ يرى الوجوه مشوهة، لا لأن العالم تغير، بل لأن نظريته قد انكسرت. في البداية، لم يخبر أحداً بما جرى في ذلك الاستجواب الأول داخل غرفة جارته، إذ كان يرفض فكرة الاتهام من أساسها، ولم يكن يتصور أنه قادر على تقبل الهزيمة. فاستقامته، في ظنه، كفيلة بأن تشفع له. لذلك ظل يكافح داخلياً لاستعادة صورته الناجحة، فيما قلبه يضخ أسلة متلاحقة بلا إجابات، ويسير في دروب متخيلة بحثاً عن ذاته، إلى أن واجهه السؤال الجوهري، حين خلا بنفسه:
- هل كنت قد أذنبت حقا؟
لم يكن جوزيف ك يتصور أنه سيقبل الاتهام مطلقاً، فجذوره الريفية كانت تغذيه بإحساس حاد بالبراءة، براءة تقاوم الشك. غير أن ثقل الحالة، مع مرور الوقت، أخذ يتراكم ببطء، حتى بلغ مرحلة القبول الصمت. لم يعد يحتج، بل غاص في خوالج الذكريات والهموم، منتظراً ما ستؤول إليه الأيام. فالقارئ، حين يتقدم صفحات الرواية، يبحث عن تهمة ما، لكن الفارقة أن الزمن يدفع جوزيف ك إلى الإحساس بأنه يستحق الإدانة، لا بفعل دليل، بل بفعل فوضى التفكير. والأغرب من ذلك أنه كان يظن أن ما يجري سر خفي، قبل أن يكتشف أن كل من يلتقي بهم يعلمون بأنه متهم. كيف؟ لا يعرف، وكأن القضاء، في عالم كافكا، مستباح، يتسرب إلى الجميع بلا وسطاء.
ومع أن المحكمة بدت في البداية عصية على التحديد، بلا مكان ثابت أو تنظيم واضح، لا قاعة ولا إجراءات مفهومة، فإن المتهمين كانوا ينتظرون يومياً، بلا كلل، لتسيير قضاياهم. تطول المدد دون تفسير، ومع ذلك يسلمون أنفسهم لسلطتها، من غير أن يسألوا عن شرعيتها. جوزيف ك نفسه لم يكن يعرف ذنباً محدداً، ومع هذا كان يشعر، في أعماقه، بهاجس الإدانة. لم يجبره أحد على هذا الاساس، فقد بدأ بالدفاع عن نفسه، معتقداً أنه سيصل إلى نتيجة ما، غير أنه انتهى إلى الإيمان بالإدانة دون أي دليل.
ولهذا يتوالد لدينا سؤال: لماذا صدق جوزيف ك أنه مدان؟
يكتشف ك أن المحكمة بلا مركز، تتوزع في أماكن شتى، بيوت سكنية، سطوح. كما يكتشف أن القانون غامض، والمرافعات مبهمة، ونوع الإدانة مجهول. ومع ذلك، تعمل هذه المنظومة بكفاءة، وكأنها توحي بأن السلطة لا تحتاج دائماً إلى العنف، بل يكفيها أن تقنع الفرد بضرورة الطاعة، وأنها الملاذ الوحيد في فوضى التفكير المستمر. وهذا يصبح القبول الأعمى وسيلة لتخفيف عبء التفكير، وإعفاء الذات من مسؤولية المواجهة والدفاع عن الحق. إنه وهم النظام الذي يمنح الطمأنينة داخل الفوضى، حتى وإن كان هذا الوهم يقود إلى الهلاك.
عند هذه النقطة، يتذكر جوزيف ك ذلك الغول المتخيل الذي يحاول التهامه، فيسأل نفسه مرارة:
- لماذا لا تنطق؟
لم يعد يشك في وجود المحكمة أو القضاة، ولم يعد يحتج كما في البداية، بل تحولت اعتراضاته إلى نقاشات داخل النظام نفسه، لا حول شرعيته. كأن الإشكال بات في الشكليات لا في الوجود. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ إنه يقاوم، لكنه يقاوم من داخل إيمانه بشرعية القمع. فالقبول الأعمى، في هذا السياق، لا يعني الصمت فقط، بل التحرك وفق القواعد التي تقود، حتما إلى الفناء.
وإذا انتقلنا إلى المتهمين الآخرين في قاعة الانتظار، وجدنا أنهم لا يجتمعون بوصفهم أفراداً يسعون إلى العدالة، بل كجماعة تتشارك ذنباً مفترضاً. ينتج عن ذلك شعور بالمراقبة المتبادلة، الجميع ينتظر، ولا أحد منهم يعرف ماذا ينتظر. لا حوار، بل صمت مثقل بالقلق، يكشف عبثية المصير المشترك. إنهم متساوون في العجز، لكنهم يتنافسون، في الصمت على براءة مستحيلة. هنا يستحضر النص دلالة الإنسان الحديث الذي يؤمن بشرعية الاتهام عبر الصمت، ويغدو مكان الانتظار تمثيلاً للحياة ذاتها. وفي هذا السياق، تصدح مقولة توماس كارا لايل:
"أخطر أنواع الصمت، ذاك الذي تمارسه الأغلبية"
فحين تصمت الأغلبية، تصبح الممارسات المنحرفة مألوفة بلا مقاومة. وهكذا يبدأ جوزيف ك يفقد ثقته بفكرة البراءة نفسها، لا لأنه أدين، بل لأنه يرى الجميع يقبلون موقع المتهم دون احتجاج.
يوسع كافكا دائرة الوهم أكثر، حين يواجه جوزيف ك بوجود أشخاصاً يدعون صلة بالمحكمة، لا سلطة حقيقة لهم، لكنهم يلوحون بوجود بعلاقات غامضة تعجز عن التفسير. كأن المحكمة لم تعد قاضياً، بل خطابأ متداولاً، يمنح هؤلاء تفوقاً رمزياً عليه، فيتولد لديه إحساس دائم بالقصور، وبالجهل، رغم أن هذا الإحساس زائف في جوهره. فهم لا يقدمون حلولاً، بل يفتحون طرقاً جديدة للتيه, فيتعمق شعوره بالذنب، ويحول الشك من العدالة إلى الذات ذاتها، ليقتنع أخيراً بأن خلاصه لا يأتي إلا عبر الآخرين.
وهكذا يدور ك في دائرة مغلقة، لا مخرج فيها، ولا انفراج، عمه في البنك يفقد مركزية حضوره، وقضيته لا تتقدم رغم إسنادها إلى محامي صديق لعمه. وكلما اقترب من أشخاص لهم صلة بالمحكمة، تراجعت آمال الانفراج. عند هذه العتبة، تحضر مقولة شامفور بمعناها الحاسم:
" القدرة على قول كلمة لا، هي الخطوة الأولى نحو الحرية"
غير أن جوزيف ك لم يقل لا في اللحظة المفصلية، بل ظل مندمجاً في نظام الانضباط، سواء في البنك أو خارجه. وحين كُلف بمرافقة الزائر الايطالي إلى معالم المدينة ثم إلى الكنيسة، لم يعترض، رغم أن المهمة دون مكانته الوظيفية. هنا تبلغ رمزية القبول الأعمى ذروتها، فالكنيسة التي يفترض أن تكون ملاذ البراءة، تتحول إلى فضاء لتكريس الاستسلام.
وحين أدرك أن القضية لن تتحرك، وأنها قد تطول سنوات كما في تهمة أحد التجار، فكر في التخلي عن المحامي، رغم التحذيرات. عندها يظهر الرجلان اللذان يقتادانه إلى مصيره. لم يقاوم، لم يتكلم، بل ولم يحاول الهرب. سار معهما بهدوء تام، وكأنه اقتنع بأن لحظة العقاب قد حانت، لا على ذنب يعرفه، بل على ذنب يشعر به فقط، وكأن الشعور بذنب ما يصبح إدانة بلا أدنى شك. لم تكن السكين التي انتقلت بين يدي الرجلين، أقسى من الفكرة التي عاشها أكثر من عام.
بهذه الدقة القاسية، لا يقدم كافكا رواية القضية عن اتهام غامض فحسب، بل عن إنسان بدأ بريئاً، وانتهى مستسلماً، وحول الشك إلى يقين زائف، لأنه صدّق وهما لم يفهمه، لم يُفرض بالقوة، بل يُزرع في الداخل. سلم نفسه لسلطة لم يدركها، كما لو أنه صدّق صنماً صنعه الناس ثم عبدوه. فالامتناع الواعي عن القبول الأعمى هو ذروة الوعي، فأصعب ما يواجه الإنسان أن يشعر بأنه يستحق الإدانة، وهو لا يعرف ذنبا قد ارتكبه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...
- كشف شبكة إعلامية ممولة من البنتاغون لترويج الرواية الأمريكية ...
- الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟
- وفاة -سيدة الشاشة الخليجية- الممثلة الكويتية حياة الفهد عن 7 ...
- في مئوية ميلادها.. بريطانيا تستذكر إليزابيث الثانية بـ 4 صو ...
- الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو أكثر ...
- رحيل حياة الفهد.. بيوت العرب تودع -سيدة الشاشة الخليجية- وحز ...
- وفاة الفنانة الكويتية حياة الفهد عن عمر يناهز الـ78 عامًا
- تكريم النجمة المصرية ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز في مهرجا ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية القضية لكافكا