أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس














المزيد.....

قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 04:18
المحور: الادب والفن
    


كان يستيقظ قبل أن يكتمل ضوء الصباح، وكان رأسه الذي بدأ الشيب يغزوه، ووجهه الذي لفحته الشمس حتى صار جزءاً من ملامحها، يوحيان بأن جسده اعتاد أن يسبق الشمس إلى الحقل. في حقيقته، كان يرتدي أثوابا قديمة، تشبه أثواب الفلاحين الذين أنهكتهم السنين، لا تميّز فيها ولا اختيار، فالمتاح هو القانون الوحيد. وهكذا، أجيال كاملة تدفع ضريبة الوعود المؤجلة.
بالإضافة إلى ذلك، كان يدير شؤون مزرعته الصغيرة بصمت يشبه ذلك الطقس اليومي، غير أن تعبير وجهه، وكذلك منظره، كانا يفضحان قلقاً مقيماً. حتى أقل الأسباب كانت قادرة على إرباكه، فيظل يقلبها في ذهنه كما لو أنها مطاردة قديمة لا تهدأ. فلم يكن من السهل أن يبقى الإنسان هادئاَ حين تتراكم التفاصيل الصغيرة حتى تصير أثقل من الاحتمال.
وكان عليه، كل يوم، أن يسقي ما عطش من النبات، وأن يعزق الحشائش التي تتطفل على رزقه، وأن ينبش التربة حول كل ساق، لعل الهواء والماء يصلان الى الجذور قبل ان يخذلهما الزمن، فلا فرق عنده بين الطماطة أو الباذنجان أو حتى الباميا، فكلها تحمل المعنى ذاته، إن لم ترع، انقطعت الحياة، وفي اوقات معينة كان يزرع السمسم، ليحصل على بذوره، يصنع منها راشياً يدفئ صباحات الشتاء الطويلة.
وهكذا تدور الأيام لتصير سنين. فالوجوه هي ذاتها، والأحاديث تتكرر، والأفكار تدور في الحلقة نفسها. والجميع مقتنع أن هذا هو الشكل الطبيعي للحياة. غير أن هذه القناعة تحديداً كانت أكثر ما يؤرقه، ذلك التسليم الهادئ الذي يشبه الاستسلام، فكأنما أخذ يدير ناصية الحياة بمفرده.
ومع مجيء الشتاء، لا بد من تغيير أدواته لا همه. حيث يحرث الأرض مع بدايات الخريف، يبذر الحبوب، ويرفع مع الآخرين أكف الدعاء إلى السماء، فإن جادت الغيوم، جاء الخير، وإن شحت، طوى خيبته بانتظار شتاء آخر. وكان الانتظار جزءا من المهمة، مثل التعب تماماً.
وعند الغروب، يعود إلى داره مثقلا بالإرهاق. وكان يحاول أن يتجرد من أفكاره، كأن الإحساس بدأ يضعف من كثرة الاستعمال. يشاركه أهله التعب ذاته. يجلس قرب التلفاز، يصغي الى نشرة الأخبار بحثاً عن خبر يخفف ثقل الحمل المقيم فوق صدره. وقد كان يلاحظ أكثر مما يتكلم، حتى صار صمته مفهوما في كل حركة. وأحياناً، يخرج عن المألوف، فيحرك ذراعيه في الهواء كمن يرسم أشكالاً غير مكتملة، ثم يمحوها حين لا يجد لها معنى. وقد يهمس بكلمات لا تُسمع، حينما تأخذه الجرأة لحظة انفلات:
- هذا حلم، لا يزال حلماً.
لم يكن يسمع سوى ضوضاء تتسلل إلى رأسه على هيئة صراخ، فالأسرة قد تعلمت آليات النجاة، فآثرت إغلاق النوافذ التي تطل على القلق. لذا أخذت تفضل مسلسلا بدويا قديماً، يعيد الحكاية ذاتها ليلة بعد أخرى، مما يمنحهم انتظاراً آمناً، ويخفف وطأة رتابة الأيام، قبل ان يداهمهم النوم المبكر استعدادا ليوم يشبه سابقه.
وكانت لديه طموحات تتجاوز خط التقاء السماء بالأفق، تلك الدائرة الضيقة التي رسمتها الظروف بعناية. أما الآخرون، فبقوا داخلها، لا يعرفون عن العالم سوى شذرات متناثرة، وأخبار يتداولها سكان البيوت المتباعدة. وكانت الدوافع تتوالد داخله، كأنه محكوم بالسير إلى الأمام. يمني النفس بجرعات أمل، ولو كانت مجرد بداية. فهو يدرك أن الطريق طويل، وأنه طريق يصدح بالرفض، لكنه مع ذلك يرسم حلما يختصر المسافات، حتى وإن تأخر، لئلا يشعر بثقل السنين. غير أن الخوف المتجذر على من حوله كان يقيد ما يدور في داخله.
وفي لحظات صفاءه النادرة، كان يدرك أن الفقر لا يسلب المال وحده، بل يسلب الجرأة أيضا. وأن الخوف، حين يقترن بالحاجة، يتحول إلى نظام غير مكتوب، نظام يترسخ كلما ازداد الانشغال بلقمة العيش، وضاق الوقت عن التفكير فيما هو أبعد من الغد القريب. كان الخوف هنا أشد من ساحات الحرب، فبالحرب ينتهي مع اللحظات الأولى، أما في محيطه فيتوالد ويكبر مع كل يوم. خوف يجعل الآباء يخفون أسلحتهم التي تحميهم من الذئاب في التربة خشية ان يراها عين شرطي عابر، فيحاولون أن يخفوا أثر أقدامهم وربما ظل أجسادهم:
- لا غرابة، فالهلع متوارث.
ولهذا وجد نفسه غريبا في التفكير والتوجه. فالشغل حين يتحول إلى نجاة، يصنع عمى شبه دائم عن رؤية الحقائق، خاصة تلك التي تتعلق بالحق لا بالخير فقط، هكذا كان يكرر على اسماع الفلاحين، فيجيبونه بقلق:
- ألا تخاف؟ فلا شيء يشرق هنا.
توقف لحظة، فكر، ثم قال بصوت عال، كمن يختبر صدى كلماته:
- اقلعوا جذور الخوف من تفكيركم، فالحق لا يُعطى لمن يسكت.
فيسألونه بدهشة:
- وكيف ذاك؟
ليجيب:
- حتى لو بالضجيج.
انطلقت هذه العبارات في شهقة الانفعال المنفجر، مشحونة برجاء مكبوت، كأنها محاولة لئلا يخيب أمله بعد انتظار طويل. لم يكن يريد أن يوهم نفسه بأن الأمل قد يتلاشى، فقناعة أن الفقر دون مكافحته يعتبر أفيون، والطبيعة لم تخلق مكاناً يتسم بالثبات، بعدما شعر أنه بدأ يستعيد شيئاً من ذاته المفقودة. ظل يعمل بذات الجهد، وبذات التفكير. تأخذه فكرة وتتركه أخرى. كان يرى ما لا يراه القريبون منه، لا لأنه أذكى، بل لأنهم انشغلوا بالبقاء حتى تعطلت لديهم القدرة على السؤال.
وهكذا، ظل الفقر يشغلهم، والخوف يحرس هذا الانشغال، حتى تبقى كل الأوجاع تحاصرهم، لكن هناك بدأت شكوى داخلية في يقظته تؤرقه، إذ أصبح يخشى أن يصل إلى مرحلة لا يستطيع أن يعتمد على فهمه الشخصي إلا بالقدر القليل، خشية أن يكون البقاء تحت الشمس طقس يومي، يقاس بمرارة العرق وثقل السنين، ليكون الحقل الشاهد الصامت على معنى أن تظل تحتها، لا لكي تحيا، بل فقط لكي يبقى.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس