أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هيربرت جورج ويلز















المزيد.....

تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هيربرت جورج ويلز


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 09:16
المحور: الادب والفن
    


في رواية بلد العميان لـ "هربرت جورج ويلز"، لا يكون العمى عارضاً جسدياً، بل على العكس من ذلك نظاماً كاملاً للحياة، تُعاد صياغة القيم والمعايير والحقائق. فهنا تحديداً، لا يقاس الإنسان بقدر ما يرى، بل بمدى انسجامه مع العمى السائد، حياة تسير وفق منطق لا تخالطه سحابة من الشك، وذلك لأن هذا المنطق لا يسمح أصلاً بولادة ذلك الشك. ومن هذه المفارقة القاسية تحديداً ينبثق سؤال الوعي بوصفه إشكالية وجودية: ماذا يعني أن تكون واعياً في عالم يرى الرؤية خللاً، ويعامل الاختلاف كتهديد؟ وكأن القاعدة غير المعلنة تقول:
"عندما يدخل الوعي من الباب، تخرج السعادة من النافذة"
وعليه، فإن الوعي في هذا السياق لا يمنح صاحبه امتيازاً، بل على النقيض يضعه في مواجهة مباشرة مع النبذ، ويحوله من فرد يرى إلى كائن يُساء فهمه، ثم يُقصى باسم الجماعة. وبين أن يكون كما يريدون، أو أن يكون كما هو، أو كما يعتقد، متصالحا مع ذاته ومع الآخرين، تتسع مساحة اضطراب الهواجس، فتتأرجح بين المراجعة والقبول، أو بين الرفض والمجاراة. ولهذا تضطرب أفكاره، وتتكاثف الأسئلة في رأسه كغيوم ثقيلة، إلى أن يدرك، بعد فترة صمت، أن الأسئلة ذاتها صارت عبئاً لا إجابة له.
وإذا ما انتقلنا من الخاص إلى العام، فكأي شخص على هذه البسيطة، أدرك الوعي، حتى وإن لبى النداء، وسار في الدروب الطويلة، وشارك في المعارك، بل وقد يصل إلى حافة الموت واقفا في سوحها، فإن ذلك الشعور سيظل يطارده: شعور الغريب في عين المكان الذي اكتسى بصبغة الجماعة. ومن هنا سيكون في حياته سجين اختلافه، وفي موته قبراً بلا شاخص، كأن الوعي ذاته تهمة لا تغتفر، وكأنها تؤكد أن الحياة غير عادلة في تقسيم السعادة. الصرخة هنا وُجدت لتكون بلا صدى، فتتراكم السنوات العجاف، وتملأ همسات الصراخات الفراغ، بينما يتبدد السؤال الأكبر: ما معنى الهوية حين يُعاد تعريفها وفق المنطق السائد لا وفق حقيقة الذات؟
وفي مثل هذا العالم، تبدو أعظم معجزات هذا الزمان أن تبقى حياً وتحمي عقلك من الجنون، لكن السؤال الأشد إلحاحاً: كيف؟ وفي الرأس عبارة تستصرخ: إياك أن تصدق، حين يصبح إيقاظ الآخرين فعلا انتحارياً. وهنا كأنما يستدعي الكاتب قول "علي الشريعي":
"قلتُ لصديقي: لماذا لا يصيح ديككم؟ فقال: لقد اشتكى منه الجيران لأنه يزعجهم صباحاً فذبحناه. عندها أدركت أن كل من يحاول إيقاظ الناس سيخسر حياته"
وبهذا المعنى، لا يُذبح الديك لأنه أخطأ خارج أسوار طبيعته، بل لأنه يصيح في وقت يصبح الصمت سيد الموقف، وهنا تحديداً يتجلى جوهر المأساة في بلد العميان: الوعي لا يُحتفى به، وإنما يُقصى، لأنه يربك النظام السائد المستقر على العمى. لذا ظل ذلك الصمت قائما، لا يقطعه كلام، كأنه هو نفسه صار أداة حكم، يهدئ من وحدته وثورته في آن واحد، غير أنه لا يمنحه خلاصاً.
وكأن الكاتب، من خلال ذلك كله، أراد أن يقول أن أحداً لا يُسأل هناك عن هوية الرمال، ولا عن أثر الخطى التي محتها الرياح، ولا من يصنعون الفناء؛ بل إن المختلف وحده من يُستدعى للمساءلة. هو يشبههم جسدياً، لكنه يرى أكثر، فاتحاً نافذته للكون، والباقي مثقلون بحلم الخبز والخوف، ولهذا يُنبذ أكثر. هو منهم، غير أنه خارجهم في الرؤية، يرفع يديه للحب لا للامتهان، كأيتام الوعي الذين تبعوا إحساسهم الصافي، قبل أن يتحول هذا الإحساس إلى عبء ثقيل، وإلى تمثال جامد لصريع سقط دفاعا عن فكرة، ثم أعيد تأويل موته بوصفه خطأ لا بطولة. ومع مرور الوقت بدأ ذلك الحماس يخفت. فهل سيكون تمثالاً من ثلج ينتظر أن يذوب؟ أم شاهداً صامتاً على زمن يعادي الرؤية؟
ومع طول الإقامة في مكان لا يشبه الروح، يكبر الإنسان أضعاف عمره، لا حكمة بل إنهاكاً، فمحاولة التأقلم مع حياة ليست مناسبة، ليست سوى شكل بطيء من أشكال التآكل الداخلي. ولهذا سيبقى يحاول أن يبسط أصفاده حول دماغه، عله يُلجم الأصوات الضاغطة. ومن هنا يطل السؤال: كيف يكون حال المرء إذا كان يتألم معنوياً؟ سؤال يتكاثر ولا يجد مخرجاً، كمن يحاول إقناع عالم لا يسمع بأن الألم لا يُرى بالعين وحدها.
وعند هذه النقطة تتقاطع التجربة مع ما يقوله "تشيخوف":
" حين لا تحب المكان، بدله. حين يؤذيك الأشخاص، غادرهم. حين تمل، ابتكر فكرة جديدة. وحين تُحبط، أقرأ بشغف. المهم في الحياة ألا تقف متفرجاً"
غير أن المفارقة المؤلمة أن بطل بلد العميان لا يُمنح ترف المغادرة بسهولة، ولا يُسمح له بأن يكون فاعلاً؛ إذ هو محاصر بقواعد صُممت بدهاء لإخضاع المختلف، لا لاحتوائه. صحيح أن فكرة الرحيل تبدو نصراً مؤجلاً، وقد يتشبث بها، لأنه ما زال يتشبث بحياة العدل، لكن هذا النصر سيبقى معلقاً، مكلفاً أكثر مما يحتمل. وهنا تفرض الحكمة الساخرة لزوربا حضورها:
"لا تحاول إقناع البقرة بأن الموز ألذ من العشب، بل حاول إقناع نفسك بأنه لا دخل لك بما تحبه البقرة"
ومن زاوية أخرى، حين يتحول الحلم إلى سراب، وتذبل رعشة الفرح التي رافقت براءة الطفولة، يكتشف الفرد أن القصائد الحماسية التي ألقيت يوماً على المسارح المدرسية لم تكن سوى تدريب مبكر على الطاعة، وتقبل الوجع كأنه هوية. ومن ثم يبدأ الهروب لا من المكان فحسب، بل من الذات أيضاً؛ من الأرض، من الشوارع، من الشعارات التي تنادي بالحرية، فيما تُفرغ الحرية الحقيقية من معناها، حتى يغدو معناها المشوه "أن تُساق دون وعي، لا أن تختار بإرادتك". وهكذا تصبح الابتسامة التي رسمها عنوة على محياه، كأنها اعتراف صامت بالخيبة. لينتهي الأمر إلى سؤال واحد:
- كيف؟ وبأي ثمن؟
وعندما يعجز العقل عن الفهم، أو يُمنع من ممارسة منطقه، يتشظى الإنسان، فيجد نفسه يلجأ إلى الخرافة التي تتكاثر من تلقاء نفسها، بوصفها بديلا هشاً عن المعرفة. في هذا السياق، لا يعود العمى نقصاً بصرياً، بل ثقافة جمعية، ومنظومة مغلقة تعادي السؤال، وتجرم الرؤية.
وهكذا في المحصلة، يُجبر المختلف على الرحيل، حاملا كتلته الثقيلة من المأساة الإنسانية، ليعيش فراغاً يتسع، وعدمية تزحف، وذكريات دافئة تقاوم الانطفاء. وأثناء ذلك، يتحسس المناديل في جيوبه خشية أن تثقله الدموع، بينما يُطالب هو دائما بالبدء من الصفر، فالتحرر رأس الخطايا، وكأن مقولة تشرشل تلاحقه:
" لا تعطي أكثر من اللازم، حتى لا تخسر أكثر من اللازم.
وأخيراً، لا تنتهي مأساة بلد العميان عند حدود الحكاية، بل تتجاوزها إلى سؤال إنساني مفتوح: هل الوعي خلاص دائماً، أم عبء في عالم يرفض أن يرى؟ فالعالم لا يعادي الرؤية لذاتها، بقدر ما يعادي من يذكره بعماه. لذلك، يغدو الوعي قدراً ثقيلاً، لا يُكافأ عليه صاحبه، بل يُطالب بالتنازل عنه كي يُسمح له بالبقاء. وفي مثل هذا العالم يصبح النسيان أحياناً شكلاً من أشكال النجاة، وتغدو الكتابة على الرمال محاولة أخيرة، خجولة، لإنقاذ المعنى، وقبل أن تبتلعه جماعة لا ترى، ولا تريد أن ترى.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- سارة العبدلي.. فنانة سعوديّة توثّق تحوّلات المملكة بلغة فنيّ ...
- وداع حزين للصحفية آمال خليل: حين تغتال إسرائيل الرواية وناقل ...
- خارج حدود النص
- مهرجان اوفير يعلن عن عروضه المختارة
- فيلم السيرة الذاتية لمايكل جاكسون.. دراما مؤثرة على الشاشة و ...
- افتتاح المسرح الملكي بالرباط تعبيرعملي عن تصور ملكي متكامل ي ...
- -ماء الحَجَر-.. يشرّح سيمياء الماء ولغة الجبل في الإمارات وع ...
- متابعات أدبية:صالون (قعدة مجاز) بأتيليةالاسكندرية:يستضيف الش ...
- الوجه المظلم لعالم المطاعم الفاخرة.. لهذه الأسباب بات من الص ...
- اعلان عن اختيار العروض


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هيربرت جورج ويلز