أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما لا يُرى















المزيد.....

قصة قصيرة: ما لا يُرى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 09:15
المحور: الادب والفن
    


في قرية صغيرة هادئة تحاذي نهر دجلة، عاش رجل ذو شيبة ووقار، يتقرب إلى الله بما يستطيع من عون الآخرين. ولذلك، على بعد أمتار قليلة من حافة النهر، كان يقضي معظم وقته تحت شجرة سدر وارفة الظل، في رقعة يلفها الصمت. يتكئ على ساقها، يُسبِح بمسبحته، ويردد أذكاراً لا يسمعها أحد، لكن حركة شفتيه تشي بها. وهكذا، يتوحد بالعشق الألهي، ليغيب عن ضجيج الدنيا ومرارتها، بعيدا في فيافي النسيان، ويُصلي ضارعا في دجى الليل، ويحرق الروح في سبيل غاية بعيدة، أن تبقى الطفولة على براءتها، ويلهج بالدعاء في الهزيع الأخير، بيد مرفوعة برجاء، ونفوس تطلب الراحة للروح. بدا كأنه يعلن أن ما يُرى ليس إلا قشرة عابرة، أما ما لا يُرى فهو الجوهر الباقي الذي يهب للوجود معناه. ومن ثم، يزرع في الأعماق يقيناً أبعد من كل صوت مرتفع.
ومع مرور الأيام، صار لهذا الشيخ منزلة خاصة في نفوس أهل القرية، فكانوا يتبركون به، ويطلبون شفاء أمراضهم بلمسة من يديه أو بدعاء من فمه، وحتى لو أصيبت إحدى الحيوانات فهو لا يتوانَ في مسح يديه على ظهر تلك الدابة مرددا بعض الأذكار. وبذلك، تحولت تجربته الشخصية في التوحد مع الغيب إلى يقين جمعي يرفض السؤال.
لكن حين رحل عن الدنيا، لم تنطفئ جذوة الاعتقاد، بل انتقلت إلى الشجرة ذاتها، أضحى ضريحه حياً وامتداداً لسره الغامض، فكانت لهم أكثر من ظل، أكثر من رمز، أكثر من يقين، كأنها تمدهم بالسكينة. ولهذا، صاروا يطوفون حولها، يعلقون الأقمشة في أغصانها، ويتمتمون بأدعية يطلبون منها الحماية. أصبحت الشجرة امتداداً للشيخ، رمزاً لقوة غير مرئية، ممارسات تهز الأجساد المرتجفة، لكنها لا تهز وعيها. فهم يلمسونها بأكف مرتجفة، وكأنما يبصر أحدهم آلام الروح وهي تغادر الجسد، حتى بدا الوصول إلى الفرج لا يكون إلا بالخلاص من واقعهم القاسي، ولعل الحياة في المقابل، تعود بحلة أخرى من رحم الفناء. ومع تعاقب الأعوام، تكرست تلك المفاهيم في النفوس حتى صارت حقيقة لا يشك فيها، وإن راود أحدهم الشك لحظة، عاد صاغراً إلى الخضوع.
غير أن دوام الحال من المحال، ففي لحظة فارقة من ذاكرة القرية، جاء اليوم الذي يغير فيه المشهد بدخول غريب إلى تلك القرية؛ معلم شاب، نقل إلى المدرسة الابتدائية الطينية فيها، جاء مبعدا من إحدى مدن الجنوب، طويل القامة، ذو شعر منسدل على كتفيه، وبقميص ضيق وبنطال واسع عند أسفله، يحمل كتبه كسلاح لا يساوم عليه، أثقل من العزلة، وبيقين بالوصول إلى عقل بلا قيد هو الخلاص يتجاوز الحدود.
وخلال أوقات فراغه، أخذ يستطلع حياة الناس، فهاله مشهدهم وهم يطوفون حول تلك الشجرة ويعلقون فيها بعض أشرطة القماش، ويتناولون الملح الموضوع في إناء بهت لونه، كأنهم قلوب ضائعة تبحث عن استقرار روحي. إلا أن رحلتهم، في الحقيقة، لم توصلهم إلا إلى تلك الشجرة. فأدرك أن الجهل ليس غياب المعرفة فحسب، بل هو حضور خوف خفي من الأسئلة المربكة.
لذا، حاول أن يغير تفكير أهل القرية، وبدأ مع تلاميذه الصغار، لا يزرع فيهم الطقوس، بل زرع الأسئلة، وفتح أبواب الشك. كان عليه أن يوقظهم من محطات غيابهم، إذ حاول أن يفهمهم بأنها لا تتعدى شجرة ليس لها القدرة الخارقة كما يتصورون، وعلى الناس أن يصحوا على صوت ذاكرة حية تحاكي الواقع ولا تود السفر الروحي نحو مجهول، ولا أن تتنصل النفس من ذاتها. ثم أضاف موضحاً، أن تكون قوة القرية ليس في ما لا يرى، بل في العقول التي تمتلكها والأفكار التي تصنع الإرادة لا في ظلال الرموز. لكنه بدأ يرى في الوجوه تعبيراً عن صمت سري يخفي وراءه كلام مغاير، إذ الحقيقة تهز حتى يخشون من السقوط. عندها، أخذ يردد بصوت جهوري:
- لا تهربوا صوب أوهامكم، وتجعلوا ظلها يبتلع عقولكم.
كان صوته في البداية يشوبه الحذر، لكن سرعان ما بدأ يتسرب إلى بعض الصغار الذين نقلوه بدورهم إلى أسرهم. المستقبل يلوح في كلمات العلم، بينما الماضي، في المقابل، يتمرس خلف سطوة الخوف. وعند هذه اللحظة، علت أصوات الشيوخ:
- إياكم أن تصغوا لهذا الرجل، إنه يهدم إيمانكم.
لم يحتجوا إلى برهان، بل اكتفوا بزرع الخوف في النفوس بأن البركة والصحة سيمحيان من القرية إن اعتقدوا بتلك الأفكار، فتلك الأفكار التي جاء بها المعلم بدت وجها متغيرا، فهو يزرع الأسئلة، والشجرة تزرع الطمأنينة.
وذات ليلة، اجتاح القرية فيضان هائل جرف البيوت والأرض معا. هرع الناس إلى الشجرة يستغيثون بها، بينما كان المعلم يصرخ محاولاً إيقاظ وعيهم، أن يفسر لهم بأنها شجرة لا أكثر وليس بمقدورها أن توقف هدير المياه الجارف. غير أنه أدرك في تلك اللحظة أن الكيل قد طفح، وأن للصبر حدود، ولذلك، لن يكون هناك سوى منتصر واحد. وحينها، علت الأصوات:
- انظروا.. ها هو غضب الشجرة.
لكن جريان المياه تصاعد ووصل إلى الشجرة التي بدت تقاوم، إلا أن جريان المياه وقوته كان أقوى من أن تصمد، فأخذت تميل شيئاً فشياً حتى تهاوت وغابت في عمق السيل. غير أن أهل القرية رأوا في انهيارها غضباً مقدساً لا عجزاً طبيعياً، وكأنهم يخافون من فقدان المعنى أكثر من خوفهم من فقدان الرمز الذي كان شاخصاً أمامهم.
تحولت العيون إلى المعلم كأنها سكاكين، فلم يروا في أفكاره عقلا، بل عدوها لعنة أحلت بهم، وغريباً يحاول اقتلاع جذورهم. وأخيرا عاد إلى مكان سكنه في المدرسة، بغضب متأجج في رأسه، تجتاحه دهشة، من ذلك الخوف الهائم في جلباب المجهول من قبل أهل القرية، أضافة إلى مشهد المياه التي تراءت له من نافذة غرفته الخشبية، وهي تجتاح السهل الأخضر بالكامل. فأين يجد إذن فيهم تلك القوة التي تحطم متاهات الخوف؟ لذا توسد وسادته المحشوة بالهموم.
وفي صباح اليوم التالي، اجتمعوا عند باب المدرسة التي نجا موقعها المرتفع من الفيضان. اقتادوه عنوة إلى خارج القرية تحت صرخات تجلجل:
- ليخرج من أراد أن يطفئ نورنا.
مضى مطرودا، كأنما الأفكار نفسها تُنفى، لا الجسد وحده. وحيداً في الطريق الترابي، والقلق يرتدي جلباب الشتاء، والكتب على كتفه أثقل من الجبال حملاً. لقد أدرك حينها أنه لا ينتمي إلى زمان أهل القرية، فترن في رأسه كلماتهم وهي تحمل طابع التهديد. يعلم أنه من جعل نفسه خارج حسابات الجميع، لكن في المقابل، هي الأفكار التي استوحاها من بطون الكتب، تجعلهم ينفون وجوده الفعلي فيما بينهم. وحين التفت أخيراً نحو مكان الشجرة، رأى أهل القرية يحاولون إحاطة مكانها بمواد بناء بسيطة بعد انحسار الماء، مشهد يختزل كل التعابير، وكأنهم يرممون إيماناً لا يُمحى.
عندها فقط، أدرك الحقيقة المرة التي كانت يتمنى إلا تتحقق؛ وهي أن الدم لا يسفك للحقيقة، بل لما لا يُرى، خوفاً من العدم مقنعاً بالحياة. كما أدرك أن العقل شجرة شاهقة، جذورها متغلغلة في بطون الكتب، وأغصانها في المستقبل، أما القرية، فجذورها في الخوف، وأغصانها في الفراغ، تلك التي تركها خلفه وهي لا تزال تبحث عن ظلٍ جرفه الطوفان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- اتحاد أدباء العراق يؤبن الشاعر صادق الصائغ
- ادباء ذي قار وملتقى سومريون ينظمون امسية ثقافيةلاستذكار الكا ...
- الجذور الفكرية للحركة الوطنية في جنوب اليمن: قراءة في مشروع ...
- جينيفر أنيستون وليزا كودرو: نجوم السينما كانوا متوترين خلال ...
- أحمد عثمان: الفنان الذي أنقذ معبد أبو سنبل
- قصف إسرائيلي يُلحق -أكبر أذى- بموقع للتراث العالمي في صور
- كيف تغيرت أفلام الرعب لتصبح قادرة على إثارة اهتمام الجيل -زد ...
- المثقف العربي وصناعة التاريخ: قراءة في أدوار النخبة وسط التح ...
- الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح ...
- -تسنيم-: لا يمكن للأميركيين التملص من وزر جرائم الكيان الصهي ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما لا يُرى