داود سلمان عجاج
الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 09:15
المحور:
الادب والفن
عندما نمعن النظر في عنوان الرواية "المنافي السعيدة" نجد أنفسنا بإزاء مفارقة دلالية تفرض تأملاً طويلاً عند التخوم الفاصلة بين المنفى بوصفه اقتلاعاً وجودياً، والسعادة بوصفها اكتمالاً مفترضاً للذات. غير أن هذه المفارقة لا تشير فقط إلى تناقض لفظي، بل إنها، في ذات الوقت، تنبئ عن اغتراب أعمق وأكثر إيلاماً، اغتراب مؤجل كان كامناً في القلب من الوطن، قبل أن يفاجئ صاحبه في المنفى.
وعليه، فالمنفى، في تمثلاته الأكثر عمقاً، لا يشي بانتقال جغرافي في المكان، بقدر ما يدل على انقطاع خفي عن تاريخ تشكل في الذاكرة، وعن مكان كان يُظن امتداداً طبيعياً للوجود. ومن ثم، فهو غياب مزدوج، يغتال الجغرافيا ويُربك سردية التاريخ الشخصي معاً، تاركاً الذات معلقة في فراغ وجودي لا يطمئن إلى أرض ولا يستند إلى ماض.
غير أن اجتماع السعادة والمنفى في بنية لغوية واحدة يخلق تلك المفارقة الخصبة التي تنهض عليها الرواية بأكملها؛ إذ إن السعادة هنا ليست ابتهاجاً بالغربة، بقدر ما هي إشارة مقلقة إلى اغتراب مؤجل: الوطن ربما لم يعد رحيما بما يكفي لاحتضان ابنائه، أو لعله ضاق بأحلامهم حتى لفظهم خارج حدوده الرمزية قبل حدوده المكانية. وبذلك يتحول الوطن إلى منفى صامت، فغدا المنفى وطناً محتملاً.
ومن هنا، ينبثق السؤال الأكثر إلحاحاً: ما الوطن حقاً؟ أهو تلك الرقعة التي نولد فوق ترابها فحسب، أم هو الفضاء الذي تتوافر فيه كرامتنا، ويتحقق فيه حضورنا الإنساني دون شعور دائم بالانكسار أو التهميش؟ بل أكثر من ذلك، أيمكن أن يتحول المنفى حين يعدل ميزان الكرامة إلى وطن بديل، أو إلى ملاذ أقل قسوة من ذاكرة مثقلة بالخذلان؟
إن هذا التواشج بين النجاة والألم يعني أنهم لم يعشوا أبداً، غير أن الندوب التي يحملونها دليل على أن النجاة ربما قد تحققت، وكل ما يؤلم هو العلامة على أنهم ما زالوا أحياء.
وكما قال آرثر شوبنهاور بهذا الصدد:
"قد يرى عامة الناس أن هوية الشخص تتوقف على هوية الشعور". لكن، في المقابل، تذهب الرواية إلى أبعد من ذلك، فتسأل: ماذا لو كان الشعور نفسه مشوهاً بالاغتراب منذ البداية؟
ومن هذا المنظور الفلسفي، تتجسد أزمة الهوية في الرواية عبر شخصية "سلام الناصر" الذي يعكس، مع رفيقي دربه، هواجس الهجرة بكل منغصاتها. فهي، في حقيقتها، ليست مجرد حكاية انتقال، بل حفر في طبقات الذاكرة حيث تتداخل صورة "بهار" تلك الفتاة التي تحمل ذكريات الماضي الخفي، مع الحاضر الذي قذفها إلى أقاصي الكون. وفي هذا السياق، لا يناصره في هذا الفضاء الكسيح سوى الفراغ الذي يتسع كلما طافت روحه على اسمها.
استطاع الدوخي أن ينقل ما في مرايا المنفى المتعددة، حيث تتشظى الذات وتنعكس على شخصيات عديدة "علاء" الكائن المضطرب في أغلب الأوقات، الذي ارتبط بعجوز ألمانية لحاجتها إلى أنيس وحاجته هو إلى الجنسية الألمانية، "عبدالحميد" الذي يستحضر مغامرات والده في زمن الثمانينات، كي يخفف وطأة الوقت على زملائه، "نافلة" الفتاة الكازاخية التي تجمع بين الجمال الأخاذ والميول الذكورية. كل شخصية تمثل مرآة تنكسر عليها صورة "سلام الناصر" ، فلا تعود هوية واحدة، بل هويات متعددة تتشكل بحسب المرآة التي تنعكس عليها.
وهكذا، يصبح المنزل الأول هو الذاكرة الحية التي وثقت كل لقطات العمر. فكان حلمه أن رأى نفسه محاطاً بغيمة شعثاء ولدت قبله لتنذره: "هذا هو قدرك". في تلك المدن الموشومة بالجفاء والموت المجاني والخراب، تفترش التراتيل المجهولة آفاق الحرية الموعودة. ففي لحظات صفائه يفترش سلام خارطة العالم عساه أن يقترب من قلوب قد غاب النبض فيها.
هنا تتجلى مقولة "جون لوك" عن الهوية:
"إن الهوية الشخصية مؤسسة على الذاكرة والوعي، لا على الجسد، فإذا فقد الإنسان الماضي، فقد هويته". غير أن الرواية، على نحو أكثر مأساوية، تضيف بعداً أكثر إيلاماً: ماذا لو كان الماضي نفسه مشوهاً أو ناقصاً؟ ماذا لو كان الاغتراب قد بدأ هناك، في قلب الوطن؟
ولعل أفكار "سلام وزميليه" الشبابية الغارقة بالوهم، لكنها تؤرق حلم السكون، مع أنها تحمل حكايات من عالم افتراضي، في محاولة لدفع قطار الزمن، غير أنها تعكس في النهاية محاولة يائسة لإعادة إنتاج معنى مفقود، حيث يظل الوطن مجرد خارطة لا تسع لأي انتماء.
وبين هذا وذاك، يحلم "سلام الناصر" أن يهبط على أديم الحقيقة، والبحث في الجذور، فيهدد الصمت البدائي، يجول في هذه الأمم، ويتوغل في أنقاض ممالك حرقت المسافات لتصبح أخيرا قلاعاً نخرة، وكأن وجوده في هذا الغيب ليس سوى امتداد أسطوري لرحلة بحث عن هوية مؤجلة، فينادي "أورنمو" ليجلب جنده، وليضعوا سيوفهم جانباً وليحملوا معاولهم لإعمار الأرض.
وهنا تتجلى رؤية "جان جاك رسو":
"الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه مواطن من الثراء ما يجعله قادرا على شراء مواطن آخر، ولا يصل فيه مواطن من الفقر يضطره ليبيع نفسه أو كرامته"
إلا أن "سلام" يواجه معضلة روسو من زاوية معكوسة: كيف تحتفظ بكرامتك وأنت تبحث عن وطن يبيعك إياه الآخرون بشروطهم؟
ومن ثم، يتحول "علاء" إلى نموذج آخر للاغتراب، حيث تتحول العلاقة الإنسانية إلى سلعة في سوق الهوية، مما يؤكد أن الهوية متجددة بتجدد الحالات النفسية للشخص وعلاقته بالآخرين. إنها هوية تُخترع يومياً عند حافة الفقد.
وهنا ترتسم أمامهم مقولة "مارتن لوثر" "إذا لم تستطع الركض، فأمشي"، وكانت الرحلة: عبور بحر إيجة، ثلاث ليال مضت، لم يذوقوا فيها طعم النوم، بين الخوف والظروف القاسية وهم يسيرون في الطرقات الموحلة في الغابة. القرية تبدو على محياهم السعادة رغم مظاهر الفقر والعوز، وقد بث الرجل المسن بين أبناء تلك القرية أنهم ضمن الفرق البحثية الصحافية الوافدة إلى صربيا للتحقق من تجارة الكلاب الجائرة مع دول أوربا، على جانب قصي من هذه القرية، كانت هناك شجرة يجلس تحتها العشاق.
من المصادفات أن أول محطات الوصول الى بوابة السعادة في الاتحاد الاوربي، تدفع بالحنين إلى الوطن، بعد الاستماع إلى مهاجر عراقي أودع السجن على خلفية ادعاء كاذب: إن أولاده قد خطفتهم السلطة بحجة التعنيف الأسري، فالمعلمة المثلية التي كانت تجلب زوجها للترويج للحالة المثلية، مما حدى بابنة هذا المهاجر الاعتراض على هذه الممارسات، ليتألف سيناريو بأن السبب في تربية الطفلة. هنا تتجلى مفارقة كبرى: الهروب من وطن يضطهد، إلى منفى قد يظلم أيضاً. إنها رحلة سيزيفية في متاهات البيروقراطية والهوية، وكأن كل محطة من هذه الرحلة كانت اختباراً جديداً لتعريف تلك الهوية.
"سلام الناصر" الذي بدأ يسترجع ذكريات جمعته بأصحاب الأمس، زميلات وزملاء الدراسة الجامعية، بعد 35 سنة من الفراق، تعود الذكريات كأنها حاضرة اليوم بكل تفاصيلها. هذا التداخل الزمني يخلق نسيجاً سردياً معقداً، تتكسر فيه الحدود بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية. مما يؤكد أن الحاضر لا يقدم بديلاً، ولا الماضي يمنح عزاءً كافياً.
أماكن العبادة في القرية التي مكثوا فيها بعض الوقت ليست مقدسة، البعض يؤدي الفرائض الدينية دون ضجيج، ومجاهرة، النساء مبتسمات. قرية سكانها متجانسون تربطهم وشائج اجتماعية. إنها نعمة الأمان التي تتحول إلى أسلوب حياة، موروث ينشأ مع الولادة، فيزداد الحلم في هذا المكان البعيد عن الموت والخراب والضياع. هنا يفكر "سلام الناصر" في ابتكار مهنة التسول، كونها مهنة نادرة الوجود في تلك القرى، بعد أن مرت سنوات عمره في سبات، كي يمنحوه شهادة اعتراف بالمهنة، عسى أن يجد وطناً يبدأ مشوار حياته فيه. إنها سخرية قاسية من فكرة الانتماء: أن تبحث عن وطن عبر مهنة التسول. هنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ لا يعود التسول فعلاً اقتصادياً، بل يصبح استعارة مكثفة عن طلب الاعتراف، عن استعطاف العالم كي يمنحه حق الوجود.
إنها لحظة اختراق الهوية بامتياز: أن تصنع لنفسك هوية من أدوات الفقد ذاتها. الهوية التي يبحث عنها سلام ليست حقيقة ثابتة، بل هي محاولة مستمرة للخروج من الاختلاف، كما يذكر النص.
"سلام الناصر" محمل بين وصايا والده الذي رسمت له خط السير كي لا يقع في المحظور، وبين الوحدة التي بدأ يشعر بها بعد أن تفرق عن زملائه. تعرفه على مسنة كرواتية وقد حصلت الجنسية الهولندية تمنحه دروساً في اللغة، وقد ارتاحت لجانبه، ومن خلالها تعرف على فتاة كازاخية اسمها "نافلة"، وقد تعلق بها، لكن كشفت له المرأة الكرواتية أن لديها ميول ذكورية رغم جمالها وطولها الفارع. لذا لم يبقَ له لقتل الوحدة غير تلك المرأة، اقترح عليها أن تسكن معه في نفس الشقة، وافقت، بعد أن اطمأن من جانبها، وقد ساعدته في عبور حالته الصحيحة في أحد المستشفيات التي تمنح الرعاية مجاناً، لكنها قد حزمت أمرها لتقف مع ابنتها في عامها الأخير من الدراسة في بريطانيا. كلها محطات في رحلة اختراع هوية لا تكتمل أبداً.
وهكذا، حين يتبدد آخر وهم بالاستقرار برحيل المرأة المسنة، لا يبقى "لسلام الناصر" سوى أن يحدق في المسافة الفاصلة بين ما كانه يوما، وما صار إليه الآن. إذ لا المنفى منحه خلاصاً كاملاً، ولا الوطن احتفظ له بهويته الأولى. فيغدو التيه شكلاً آخر للانتماء، وتتحول النجاة إلى مجرد تأجيل للسقوط.
لذا تمكن الروائي "فهد عنتر الدوخي" من خلال تجسيد شخصية "سلام الناصر" وكأنه يخاطب الضمائر الحية، بأنه في هذا الأفق المعلق بين ما يُستعاد وما يُخترع، لا يعود المنفى مكاناً يغادره الجسد، بل يصبح حالة يقيم فيها الوعي نفسه، حيث تتآكل المسافة بين الداخل والخارج، بين ذاكرة لم تعد صالحة للسكن، وواقع لم يُصمم ليكون وطناً. وهنا تحديداً، لا يغدو السؤال: أين ننتمي؟ بل: كيف ننتمي إلى ما لم يعد يعترف بنا؟
إن ما تكشفه الرواية، في مستوياتها الأعمق، أن الهوية ليست جوهراً ثابتاً يُستعاد بالعودة، وإنما عملية مستمرة من الترميم الرمزي، تتم عند الحافة الفاصلة بين الفقد وإرادة المعنى؛ ذلك أن العودة نفسها قد لا تعني استرجاع الوطن، بقدر ما تعني مواجهة النسخة التي خلفناها هناك من ذواتنا.
وعليه، لا تنتهي رحلة "سلام الناصر" بالوصول، لأن الوصول ذاته يصبح مألوفاً ملتبساً؛ فكل أرض جديدة تضاف إلى خارطة النجاة، تُنتقص في المقابل من يقين الهوية. وهكذا، لا يكون المنفى سوى الاسم الآخر لذلك الفراغ الذي نحاول أن نملأه بسرديات الانتماء، كلما عجزنا عن العودة إلى ذوات تركناها خلفنا، وما تزال تنتظر من يجرؤ على الاعتراف بها.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟