أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت














المزيد.....

قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 09:15
المحور: الادب والفن
    


بعد سنتين من الغياب، جاء الخبر الذي ظل مؤجلاً بين الرجاء والخوف: لم يبق للعائلة إلا أن تستلم رفات ولدها الذي ابتلعته سوح القتال.
لم يكن اليقين قد استقر في قلوبهم بعد؛ كان الأمل يندس كل مساء بين أنفاسهم، وهم يلتفون حول مذياع قديم، يلصقونه بآذانهم في صمت متوتر، يتحايلون على التشويش، ويصغون إلى إذاعة الجانب الآخر، علّ اسمه يُنادى بين الأسرى، لعلّ الحياة وإن كانت مقيدة ما زالت تسكنه.
كانوا يعرفون أن للحرب لغتها، وأن التشويش ليس صدفة أو خللاً عابراً، بل جزء من معركة تُخاض في الداخل، كما في الجبهات.
حين وصل التابوت، كان خفيفاً على نحو متوقع لكنه يثير الخوف أكثر مما يخففه، كأن الخشب وحده هو الذي عاد، أما الجسد فقد تلاشى في مكان لا يُرى.
تجمع أهل القرية بصمت ثقيل عند مرفأ العبارة في الجهة الشرقية من نهر دجلة؛ وجوهٌ جامدة، وعيون تبحث عن يقين لا يأتي. هم على إدراك تام أن في داخل التابوت عظام متناثرة، لكنهم استلموا كذلك من المأمور كيساً صغيراً رمادياً شفافاً، يظهر في داخله قرصٌ معدني يحمل اسمه الثلاثي.
وحين فُتح الكيس، تأكدت القلوب، لا لأنهم رأوه، بل لأن ما تبقى منه أصر أن يدلّ عليهم. كانت المحفظة الصغيرة أكثر قسوة من الرفات نفسها، يابسة، متيبسة، كأنها صمدت لتقول ما لم يستطع الجسد قوله.
فتحها أحدهم بارتباك، فانسكبت منها حياة قصيرة لم تكتمل؛ عقد زواج لم يعش أكثر من أسبوع، وصورة حلم انكسر وهو يولد، وورقة صغيرة، كأنها آخر ما تبقى من صوت الراحل.
قُرئت الوصية، كأنها الصوت الوحيد الذي نجا من الحرب:
"أوصيكِ بالعهد... فأنا على سواتر الموت المجانية أتواجد."
ثم ترك فراغاً بهيئة نقاط، لعله يعرف، أو لعل الموت يهمس لمن يقتربون منه. حيث أضاف:
"وإن رحلت.. فلا ترقبي الدرب بعدي، وزوري قبري.. إن كان لي قبر وشاخص مثل غيري، لأحكي لكِ ما لم أقله."
انفجرت الدموع دفعة واحدة، لا على الموت وحده، بل على غربته... أن يغادر إنسان كان بينهم نبضاً، ويُسلم إليهم أثراً.
حملوه في طرقات القرية، كما لو أنهم يعيدونه إلى طفولته، إلى التراب الذي عرف خطواته الأولى، إلى الأمكنة التي حفظت صوته في ذاكرتها.
كانت القرية كلها تمشي خلفه، لكنها لم تكن جنازة بقدر ما كانت عودة صامتة، عودة رجل لم يعد.
وحين أُنزل في مثواه الأخير، انحنى الأب، وأطلق زفرة كسرت ما تبقى فيه وهو يحتضن حفيده الصغير، وبكلمات مترعة بمداد الدموع ووجع الروح، أخذ يردد:
"سأبكي بحرقةِ المفجوع"
تلاقت العيون عند الطفل: يتيم بلا ذاكرة، فقد أباه قبل أن يراه، وفقد أمه قبل أن يفهم غيابها.. حين أُجبرت على أن تمضي في حياة لا تشبهها، وفق أعراف لا تستمع إلى نداء القلوب.
عندها فقط، لم يعد الحزن حزناً واحداً، بل صار سلالة من الفقد، تمتد من رفات الأب إلى فراغ قلب الابن.
وفي صمت المقبرة، والبيوت المجاورة اتخذت سكينة المكان نفسه، كأنه لم يترك على رمال الزمان آثار خطاه. لم يكن الرفات نهاية الحكاية، بل بدايتها. هي حكاية ظل عاد إلى أرض طفولته، ليترك في الأحياء ما هو أثقل من الموت.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...
- بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء ل ...
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف


المزيد.....




- -الله الله الله.. محمد صلاح-.. مطربة تركية تفاجئ النجم المصر ...
- -نازا- فيلم وثائقي ينافس في مهرجان -البندقية- ويحاكم آليات ا ...
- بين الوفاء للفن والخوف من النسيان.. متى يعتزل الفنان؟
- كاتب إيطالي يعتزم كتابة رواية عن تولستوي
- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت