أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ التهميشِ وقصة تقاعد معلم للدكتور رمضان علي عبود















المزيد.....

وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ التهميشِ وقصة تقاعد معلم للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 04:18
المحور: الادب والفن
    


بين حلمٍ رافقه طوال مسيرته نحو بر الأمان، ومجدٍ كان يأمل أن يعانقه ذات يوم على ضفافِ دجلةَ أو في أعماقِ الصحراء، تمتد مسافاتٌ من العطاءِ الصامت، فيمضي في فضاءٍ مفتوح، بحثاً عن أفقٍ جديد، وظل بعيد يحيا معه كواقع مؤجل، لا يجرؤ الخوض فيه، وربما كان يستبعد أن يحضر يوما كان يراه دوماً بعيدا، وبين حلمه الذي كرّسه في مسيرته، جسّده في الالتزام في أجمل صوره، وكانت أقصى أمنياته ألّا يكون الختامُ فراقاً، غير أن الدموعَ انهمرت كالشلال، تسبق الكلمات الأخيرة التي كُتبت بخط كبير على ورقة مرتعشة، تهتز بين يديه المرتجفتين، وكأن جداراً داخلياً قد انهار في لحظة لامست تلك الكلماتُ جدارَ قلبه، فتهشمت الصور في عينيه الدامعتين، وتاهت الابتسامات أمام مشهد لم يخطط له، فكان وقع الوداع أقسى من أن يُحتمل، ونهاية كانت تنبض بالحقيقة، مهما حاولت إدارة المدرسة تحويلها إلى احتفاءٍ بمكبراتِ الصوت، فلم يبقَ من قلم الرصاص الأخير الذي يدون فيه ملاحظاته سوى الممحاة، التي تشبه ما علا من الرأس واحتوى القلب بذات البياض.
فالدكتور رمضان، استطاع أن يختصر قصة قضاها أحدُ المعلمين بين أروقةِ الفصولِ الدراسية، مسافة أكثر من ثلاثين عاما، يحملُ على كتفيه أعباءً لا ترى، ويخبئ في قلبه أحلاماً لا تروى، فلم يكن يبحثُ عن مجدٍ ظاهر، بل عن إحساسٍ داخلي بأنه قدّمَ ما يستطيع، كان يحيا الحلمَ كأنه حقيقةٌ مؤجلةٌ، ويواظب بصمتٍ من أجل أن يترك اثراً في عقول طلابه، محاولاً الموازنة بين ما يتوق إليه وما يستطيع فعله، يدخلُ الفصلَ كل صباح بحماسةِ المتعلم الأول، يعالج ما يعانيه طلابه بالفهمِ والاحتواء، بينما كان العالمُ خارج الجدران المدرسية يتغير بسرعة، فلم يكن يبحث عن تكريم في نهاية مشواره، ولا حتى كلمةِ ثناء، أو شعورٍ خفي بالفخرِ بمن أرشدهم على دروب النجاح.
ومع ذلك، كان يدرك أن الإنسانَ لا يملك دائماً خيار مصيره، لكنه لم يكفْ عن الحلم. كان يؤمن دائماً بأن خَلفَ كلِ رغبةٍ صادقة، ثمة عالم ما ينتظر ليعينه على تحقيقها، أو هكذا كان يعتقد. غير أن الحياة، بقسوتها المعتادة، لم تكافئ أولئك الذين ساروا خلف أحلامهم بثبات، فكتبت له نهاية مختلفة، حتى وإن كان في أعماقه إيمان بأن هذه الحياة، مهما بدت صامتة، تريد له أن يكون كما يؤمن بنفسه.
طيلة سنين خدمته، يهبطُ الظلام ُمن قممٍ التلالِ كوشاحٍ أسود، ويكتسح الأفقَ رويداً رويدا، فتغفو الطيور في أعشاشها وتخرس الأصوات إلّا من همساتِ الريح الباردة، ومع كل فجر ينبلج ليعلن عن ولادةِ يوم آخر، ثم ليهبط الظلام من جديد، كان ذلك المعلم يبدأ يومه وكأن الحياة تعطيه فرصة أخرى ليهب قلبه لمن يحب.
كان يعبر الطريق ذاته كل صباح، خطاه تحفظها الأرض المعبدة بالذكريات، وتشهد له الأشجار الهرمة على الضفة الغربية للنهر. ومع مرور الزمن، كانت تتغير ملامح المكان، تبدلت الوجوه، وتساقطت البيوت الطينية تباعا، وتغيرت معالم القرية، غير أن قلبه ظلَّ كما هو. رغم كلِ التحدياتِ التي واجهها، الحروبُ مرّت، والنزوحُ خيم بظلاله، والفقرُ مدَّ خيمته السوداء، إلا أنه ظل ثابتا، كصخرةٍ في مجرى النهر، وكأن كلَّ خطوةٍ نحو المدرسة كانت جزءاً من قدره، فلم يكترث لزمن انقرضت فيه السيارات القديمة وجاءت أخرى، ولم يبدل خطواته نحو المدرسة، كأنما يسير نحو قدر كتب له منذ أول نهار دخل فيه الفصل الأول. لكن في هذا الصباح، لم تكن خطواته كالسابق، فلم يكن ليتصور أن ظلاما آخرا سيداهمه الذي لا فجر بعده.
كأن الدكتور رمضان وهو يصور قصته، يدعونا لنرى أنه اعتاد الوجوه ذاتها حتى غدت جزءاً من حياته، يعمل بدفقة حماس عظيمة، ويجهد نفسه ليبقى ملتزماً بعمله الوظيفي. ألم يكن هو ذلك الحلمُ في نهاية المطاف؟ أم أنه حدس للغوص في تيار الحياة؟ فلا ينبغي للإنسان أن يخشى من المجهول، إذ من الاستحالة السيطرة على تقلبات الحياة، كما أنه لم تكن لديه رغبة في التغيير، وإن تشابهت الأيام وتباطأت الساعات، لم يكن التغيير إلا في تلك العلاوة السنوية التي تأتي بعد مناشدات كثيرة، وفي وجوه بعض الطلبة في المراحل الأولى من كل عام. ولم يكن يعلم أنه يبحث عن ضالةٍ مجهولة، فمهمته كانت تمنحه القوة لاحتمال الأيام مهما تشابهت، فهي من تبقيه حيا بنفس الروحية، وكأنه يعيش من أجلها.
لم يساور الشكُ ذلك المعلمَ بأنه سيكون آخر يوم له في عمله الوظيفي، ففي الحياةِ كما يبدو هناك ترحال متواصل لم يعتد عليه ولا بد له أن يصل إلى لحظة الفراق. ولذلك، استيقظ قبل شروق الشمس وكأنه يودع اخر ذكرى له في عمله الوظيفي، كانت العتمة لا تزال تسود، وقد أفنى في هذا اليوم بالتمام ثلاثين عاما في التعليم. راح يغوصُ في صمتٍ طويل، دون أن يفكر في شيءٍ محدود، وتحرك الرياح الأشياء خارج حدود محيط غرفته، مع أنه قد ألف هذا على مدى سنين عمله في التعليم، يدرك أنه يشعر بشيءٍ لم يمر به أبداً من قبل، ولم يكن يتصوره، لكنه لم يكن متأكداً أن يظهر عدم الاكتراث بالأمر أم لا، وعندما حانت اللحظة الفاصلة، أصبح من الصعب عليه أن يتصور حياته خارج جدران المدرسة.
كان عطاؤه صامتا كزرعٍ في صحراءٍ قاحلة، لكن النظام بدا أصمّ من أن يسمع صوت هذا العطاء، وكأن الخرس أصاب العالم كله، إذ اُختزل في لحظة أمام شباك التقاعد، أمام عصا الشرطي وهي تلوح له تتبعها صافرةُ الإنذار، نظر حوله فرأى وجوها أخرى تحمل ذاتَ الحيرة، وكأنهم يسألون: هل هذا كل شيء؟ وحينها رأى نهاية كل شيء في تلك اللحظة، فرغم سنوات رسالته، لم يجد سوى نظرات الازدراء، حتى من الذين يحملون نفس الهموم، وكأنهم يطلبون نظرة استعطاف من موظفي دائرة التقاعد أو من ذلك الشرطي المتجبر.
لكن الحياةَ بتقلباتها القاسية، كأنها كتبت له تلك النهاية، حيث وجد نفسه في طابورٍ طويل، شخوصه تحمل نفسَ الهموم، لكنه يواجه مصيرا لم يتخيله يوما، يحمل بين يديه أوراقاً تختصر الثلاثين عاما، سار ذات الطريق وبذات الالتزام الصارم، من دقائقٍ لم يتأخر عنها، ومن نُظمٍ علّمها لطلابه حتى صارت جزءاً من أخلاقهم، وإلى أن جاء هذا اليوم الذي وجد نفسه غريباً يقف في الطابور خلف زجاج نافذة الانتظار، فالنظرات التي التقطها من حوله لم تكن نظرات تقدير كما يجب، بل نظرات اتهام، اتهام بأنه في هذه اللحظات بالذات خرج عن النظام الذي كرّسه في أذهان طلابه" الالتزام هو بوابة النجاح" وها هو يُعاقبُ بنفسِ القاعدة، فتلك النظراتُ التي تلقاها كانت كفيلةً بأن تذكره بأنه لم يعد جزءاً من ذلك الالتزام، فهي مرايا تعكس انهيار كل ما آمن به، وكان عليه أن يتعايش الوضع الجديد الذي سيصبح فيه مجرد رقم في ورقة لا تتعدى مساحتها بضعة سنتمترات مربعة، تختصر مسيرة السنين الطوال.
وفي المقابل، أبصر وجهَ العالمِ الآخر، ذلك الوجه المرعب الذي خبأه العمر خلف ستائر الأحلام، إذ وجد جيلا تاهت بوصلته، وعصفت به حضارةُ الكسبِ السريع، جيلا ضاعت ملامحه بين الطرقِ المختصرةِ والثمنِ الرخيص. ففي هذا الواقع الذي القى به إلى مصير لم يتوقعه مطلقا، تقف وجوهٌ شاحبةٌ أمام شباكِ التقاعد، كجذوعِ أشجارٍ نسيها العمر، وبنظراتٍ مكسورةٍ وأيادٍ تتشبثُ بأوراقِ مطويةٍ تختصر أعماراً كاملة، ففي هذا الطابور الطويل، كل جسد يئن بصمت، يهمس بحكاية خذلان، وبعين تتوسل عبثاً أن يعاد نسج الزمن.
بدأ يتنفس الموتَ بعدما طُلب منه أن يدفع مبلغاً ثمنا للإسراع في إنجاز معاملته، فانهارت كل الجدران التي شيدها داخل روحه، الالتزام، النظام، بعدما أصيب بالخذلان من أن المعلمَ الحقيقي لا يتقاعد، بل يفترض أن ينتقل من فصل الدراسة إلى فصلِ الحياةِ الأوسع، فإذا كان العطاءُ صامتاً، فإن الالتزامَ نفسه يصمتُ عن تقديره، وكأن التقاعدَ لم يكن إلا نافذةً لتظهر أن الذي بناه في مجمل عمره لم يكن إلا سراباً، ومع أن دموعه التي انهمرت تشهد أن الإيمان بالرسالة أسمى وأجل، وإن يبدُ اليوم سراباً، لكنها تحولت إلى لوعة على أنظمة لم تر فيه أكثر من ظل، فلم ولن ينتظر حياة أخرى لينهض.
وهكذا، رحل المعلمُ عن فصله الأخير، لكنه لم يرحل عن عالمِ أحلامه، تركه واقفاً عند بابٍ مغلقٍ، بينما ظلَّ صدى خطاه يطرقُ الأبوابَ الأخرى التي لم تفتح بعد. فهل سيجاهد كي لا تعود تلك الذكرى إلى ذهنه من جديد؟ أم أنه قدر حتمي على كل متقاعد؟ وهل كان الروتين تكراراً للمعنى الشمولي لما يدور؟ أم ربما هو الهروب من سؤال المعنى نفسه؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...
- بين الجود والبركة؛ تأملات في عطاءٍ جَمَعَ القلوب في قصة بقرة ...


المزيد.....




- ست صور تروي قصة الثورة الثقافية في الصين قبل 60 عاماً
- فانس يشبّه نفسه ببطل فيلم «وحدي في المنزل» خلال غياب ترمب في ...
- من فريدي ميركوري إلى مايكل جاكسون.. أفلام تعيد تسويق نجوم ال ...
- تحديا لآثار الحرب: بائعو الكتب في الخرطوم يحولون الأرصفة إلى ...
- مهرجان كان السينمائي: المخرج الإيراني أصغر فرهدي يعود إلى ال ...
- حفظ الهوية الفلسطينية.. معركة على الذاكرة والحق في الرواية
- -الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر-.. حين تصبح الكتابة مطبخا لإعادة ...
- فان ديزل وأبطال سلسلة -ذي فاست أند ذي فيوريوس-... نجوم السجا ...
- مهرجان كان السينمائي- لماذا يبدو الحضور العربي خجولا في هذه ...
- مهرجان كان يحتفي بمرور ربع قرن على فيلم -السريع والغاضب-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ التهميشِ وقصة تقاعد معلم للدكتور رمضان علي عبود