أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء














المزيد.....

قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 02:07
المحور: الادب والفن
    


في ذلك اليوم الصيفي، وبعفوية المشاعر، كان يسير بخفة قلب لا يعرف سوى الفرح، طفولة تتدفق في عروقه دون أن تثقلها مسؤولية أو يرهقها قلق. لم يتجاوز الثانية عشرة، لكنه كان يحمل ذلك المزيج الغامض من الحماسة والوجل، وهو يرافق إخوته نحو البئر العميق، رغم التحذيرات المتكررة التي كانت والدته تغرسها في ذاكرته كوصايا خفية:
- لا تقترب.. فالبئر لا يرحم.
ومع ذلك، تسارعت خطواته، كأن الطريق الترابي لم يعد يتسع لاندفاعه، وكأن شيئاً في داخله كان يسبقه إلى هناك.. إلى الحافة.
لم يكن يتوقع أن تكون الحافة بهذا الغدر. خطوة واحدة فقط. انزلقت قدمه على ماء مسكوب من دلو، كما تنفلت فكرة من رأس مثقل. لم يكن يدري، أصرخ أم لا؟ فالسقوط كان أسرع من الصوت وأبطأ من الفهم.
في تلك اللحظة المعلقة بين الأعلى والأسفل، شعر أن الزمن قد انكسر، فلم يعد هناك قبل ولا بعد، بل امتداد غامض يتمدد في داخله، كأن روحه تهوي قبله، أو ربما كانت تصعد... لا يعرف.
ثم جاءت لحظة ارتطامه بالماء، لم يكن الألم كما كان يُصور له ذلك من قبل، بل كانت دشداشته كأنها مظلة قللت من سرعة السقوط، وكذلك عمق الماء بما يكفي ليحتضن صدمته، كأن البئر فتح ذراعيه ليتلقاه، لا ليؤذيه. لحظة غريبة، بدت وكأنها ليست سقوطاً، بل عودة مؤجلة إلى شيء قديم، شيء يشبه البداية الأولى للوجود.
فتح عينيه، ظلام يلتف حوله، وماء بارد يلامس جسده ككائن غريب يختبر حضوره. تحسس أطرافه بقلق متردد؛ لا كسر، لا نزف، لا ألم يُذكر. فقط قلبه يخفق بعنف، كأنه يحتج على فكرة النهاية.
رفع رأسه. هناك فتحة صغيرة من الضوء، دائرة بعيدة، ضيقة، بالكاد تُرى. حولها رؤوس مبعثرة، أصوات متداخلة، وقلق يتسرب من الأعلى إلى قاعه. لكن تلك الدائرة كانت كل شيء.
حدق فيها طويلاً أو هكذا ظن، إذ لم يعد للزمن معنى، وكأنه بلحظة لا وعي يسأل نفسه بصوت داخلي مرتجف:
- كيف يمكن لسماء كاملة أن تُختزل في هذه الفتحة؟ وكيف لحياة كان يراها مترامية أن تنكمش فجأة إلى هذا العمق؟
لأول مرة، رأى السماء بهذا الصفاء، ربما لأن المسافة صارت صادقة.
بدأ الخوف يتسلل إليه، لا، لم يكن خوف السقوط، فقد انتهى ذلك، بل خوف البقاء، أن يتحول هذا القاع إلى مصير، وهذه الدائرة إلى آخر ما تلتقطه عيناه.
توالت الأسئلة في ذهنه ببراءة مذعورة:
- ماذا لو بقي هنا؟ ماذا لو صار صوته مجرد صدى؟ ماذا لو نسيه العالم كما يُنسى من لا حول لهم ولا قوة؟
ارتجفت أنفاسه. وللمرة الأولى، لم يفكر كيف يعيش، بل لماذا يجب ألا يموت. لذا أخذت تندفع في داخله صور متلاحقة: وجه أمه، صوتها وهي تحذره، ضحكاته مع إخوته، طرقات القرية، تفاصيل صغيرة مر بها يوماً دون أن يلتفت إليها. كم كان العالم واسعاً ضمن محيطه، وضيق بما يسمع.
في هذا الموقف، وهو متهيئ ليرى عيون الأفاعي التي صُورت له من قبل، هي لحظات من الخوف تحولت إلى سنين ضوئية، ففي القلب دفوف تدق في بدأ المعارك، يحاول الصراخ. إلا أنه شعر بشيء قد تغير، شيء يشبه الرغبة، أو ربما هي الحقيقة التي لم يكن يراها إلا الآن. لذا مد يده نحو الجدار، خشن، بارد، لكنه حقيقي. حاول أن يتمسك به، لا لأنه واثق من النجاة، بل لأنه أدرك فجأة وبعناد لم يعرفه من قبل أنه يريد أن يعيش.
همس بصوت مبحوح، كأنه يوقع حضوره في هذا الوجود:
"أنا هنا"
امتدت يده بلا وعي يبحث عن شيء، أي شيء. وفجأة لامس حبلاً في شاطئ الوعي بالواقع المادي، وصرخات من الأعلى "امسك، امسك"
لم يكن يعرف كيف يمسك، لكن أصابعه تعلمت بسرعة لا تشبهه، كأن الحياة نفسها كانت تتشبث بالحبل من خلاله.
بدأ الصعود شيئاً فشيئاً، لم تعد الفتحة بعيدة كما كانت، أو ربما لم يعد هو كما كان. هناك، على الحافة، أدرك أن السقوط لم يكن نهاية، بل كان لحظة وعي، صرخة داخلية أعادته إلى نفسه، إلى الحياة، بكل ما فيها من هشاشة تستحق التمسك.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...
- رحلةُ زريابَ من بغدادَ إلى الأندلس في ديوان المُكتفي بالعشق ...


المزيد.....




- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...
- فضحية جنسية مدوية في هوليوود.. فنان شهير يواجه اتهامات بالاع ...
- كاظم الساهر يتصدر الحديث بعد مقابلة وصفها الجمهور بأنها -وثي ...
- سلب فلسطين.. كيف نظّم القانون الإسرائيلي تجريد شعب من أملاكه ...
- رحيل الفنانة السوفيتية الكبيرة ليودميلا تشورسينا بعد صراع مع ...
- ثقافة الشارع وأزياء -الآرت- تُثري منافسات جائزة كاردو الدولي ...
- -ما الحاجة إلى عالم بدون روسيا-.. روائية مصرية تشيد بزيارتها ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء