أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروايةِ ألف شمس مشرقة للكاتب خالد حسيني















المزيد.....

بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروايةِ ألف شمس مشرقة للكاتب خالد حسيني


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 02:07
المحور: الادب والفن
    


منذ أعوام قرأتُ هذه الرواية، ولم أكن قارئاً محايداً يقف على تخوم الحكاية، بل كنتُ واحداً من شخوصها، أتورط في وجعها، وأغتسل بصراخها المكتوم. كنت أبحث، بلا حول ولا قوة، عن عدالة أعرف مسبقاً أنها لا تقيم في هذه الأرض، لا الآن ولا في قابل الأيام. ومع ذلك ظل صوت داخلي يلح عليّ، ويساورني إعصار غاضب، كأنها صرخة ثائر تزلزل الأرض كلما تعالى وجع الليل، وكلما بدا أن الزمان يسابق حيل النهار ليكرس القهر لا ليبدده: ترى هل يولد المعنى في أرضٍ يعلو فيها القهر؟ أم أن الانكسار هو المصير الأخير للذات حين تُحاصر؟
منذ القراءة الأولى، بل منذ التورط الأول في تفاصيلها، لم أتابع حكاية امرأتين في جغرافيا مضطربة فحسب، بل كنت أراقب انكسار الذات وهي تتعلم كيف تعيد تعريف نفسها. وهكذا، لم يكن الألم حدثا عابراً، بل زمنٌ مقيم، واختبارٌ وجودي يطرح سؤالاً حاسماً: هل الإنسان ما يقع عليه، أم ما ينهض به؟
يقول "فيكتور فرانكل" في هذا الصدد:
"حين لا نستطيع تغيير الظروف، نتحدى أنفسنا لنغير ذواتنا"
وهنا تحديداً، وعلى ضوء هذه الرؤية، تتجلى روح الرواية؛ فالظروف في عالم ألف شمس مشرقة أقسى من أن تُروض، غير أن الداخل الإنساني ظل يقاوم الانطفاء. إذ لم تكن استعادة المعنى تمرداً صاخباً، بل صبراً طويلاً، ومقاومة صامتة، وتضحية تعيد ترتيب القيمة داخل الخراب.
وفي السياق ذاته، لا يكون الألم حدثاً عابراً كما ذكرنا، بل زمناً مقيماً في دهاليز وراء أبواب مغلقة بالوهم. الألم هنا سلطة مطلقة تتغذى من هشاشة الضحايا، والوقت رتيب لا يتلاشى مثل رذاذ الماء على صفحة ساخنة؛ وكأنما تصدق، في هذا الموضع، مقولة دوستويفسكي:
"السلطة المطلقة التي لا حدود لها نوع من المتعة، ولو كانت سلطة على ذبابة"
فعلاً، الاستبداد، مهما صغر، يجد لذته في الإخضاع، وما أبشع من يكون ضعيفاً في هذه الدنيا حين يتحول الضعف إلى ذريعة لإعادة إنتاج القهر.
ومع ذلك كله، لا تكتفي الرواية برصد الانكسار، بل تنفذ إلى وعيه العميق. فالحزن هنا، ليس انفعالاً عابراً، بل وعياً جارحاً. وهنا تحديداً تلوح عبارة كافكا:
"الحزن يصيب فقط أولئك الذين يستوعبون"
وعليه، فـ "مريم" و"ليلى" ليستا ضحيتين غافلتين؛ إنهما تستوعبان حجم المأساة، ولذلك يوجعهما العالم أكثر.
في البدء، ومن زاوية ظاهرية، تبدو "مريم" كذات محاصرة بخطيئة لم ترتكبها، وبنظرة مجتمع يختزل وجودها في وصمة، كما وتبدو في ظاهرها مضطربة، ذات وجه ناحل جرحته الدموع، تحدق دائما إلى شيء بعيد أكثر مما يتصوره من يجالسها كظلها، غير أن حنينها لحياة كريمة يحيط به الصمت. لكنها كانت ترى الحلم في الدنيا كأنما بدأ يتشتت وتحاول التشبث به، ليتحول، شيئاً فشيئاً إلى وعي بذاتها. وهنا تحديداً تتبدى إحدى ثيمات الرواية المركزية: فالقهر، وإن سحق الجسد، لا يستطيع دائماً أن يُميت المعنى.
وفي مقابل هذا الانكسار الاجتماعي لـ "مريم"، فإن "ليلى"، تمثل وجهاً آخر للانكسار؛ انكساراً يولد من الحرب والفقدان. فإذا كانت "مريم" قد انكسرت بفعل المجتمع، فإن "ليلى" انكسرت بفعل التاريخ. ومع ذلك، فإن التقاءهما لم يكن مجرد تقاطع سردي، بل كان لحظة تحول وجودي؛ إذ يتحول الألم المشترك إلى رابطة خلاص، ويتحول الخوف إلى شكل من أشكال التضامن الأنثوي النادر.
ومن جهة أخرى، كانت صرخة "مريم" محاولة البقاء على قيد الحياة في عالمها الذي لا يرحم، صرخة مكتومة تخشى أن تتحول إلى دليل إدانة. كانت تضغط على أجزاء أحزانها كما لو أنها تكتم نزيفاً داخلياً لا يُرى. وفي الوقت نفسه، كانت تخشى أن يدرك زوجها سر غموضها، فتحاول أن تخفي ذلك الضعف خلف جدران التصبر، وكأن الصبر قناع أخير يحمي ما تبقى من كرامة.
ولكي تخفي سرها، بل ولتحافظ على توازن هش، تظهر بأنها هي الملاذ الذي يلجأ إليه ذلك الزوج، لا المحتاجة إلى ملاذ، فكانت تمنح الطمأنينة وهي أحوج ما تكون إليها. كالشجرة حينما تموت واقفة، ورغم ذلك تبتسم كي لا يُفتضح الخريف. وهنا أيضا يتجسد الانكسار بوصفه تراكم تاريخ من العنف الرمزي والاجتماعي، لا ضعفاً أخلاقياً عارضاً.
لكن السؤال الجوهري يظل قائما: هل يمكن للذات أن تولد من داخل القهر؟ فحين تجاوزت "مريم" خوفها، لا تفعل ذلك بوصفه تمرداً صاخباً، بل كقرار أخلاقي صامت. وهكذا يتحول الفعل الذي يبدو تضحية فردية يتحول إلى استعادة جماعية للمعنى. إذ هنا لا يعود الإنسان مقاساً بما يحتمل من عذاب، بل بما يمنح الآخرين من حياة.
وكأن النص، في هذا المعطف، يهمس بفكرة تقترب من روح "نيتشه":
"ما لا يقضي على الروح، يعيد تشكيلها بصورة أعمق"
ومن ثم فالانكسار في هذه الرواية ليس سقوطاً نهائياً كما ذُكر من قبل، بل لحظة انكشاف. وحين تنكسر الذات، فإنها ترى هشاشتها أولا، ثم، بعد ذلك، ترى قوتها الكامنة.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، قراءة الرواية بمعزل عن سياقها الأفغاني؛ فكابول ليست خلفية للأحداث، بل شريكاً في صناعة المأساة. إن تقلبات السلطة، وصعود التشدد، وانهيار الحلم المدني، كلها عناصر تؤسس لفضاء خانق. ومع ذلك، تكمن المفارقة في أن أشد لحظات الظلمة تولّد أعمق أشكال التمسك بالحياة.
وهنا يتبدى وعي "خالد حسيني" السردي، إذ لا يكتب الحكاية بوصفها مأساة فردية، بل بوصفها شهادة على زمن أفغاني مأزوم، وكذلك تتبدى البطولة في الرواية همساً لا خطابة؛ حماية إنسان واحد قد تعادل ثورة كاملة. فليس ثمة شعارات عالية، بل صفاء داخلي يولد في لحظة امتحان. وفي تلك اللحظة تحديداً، حين يساورها إعصار الغضب، لا يتحول الغضب إلى انتقام، بل إلى معنى. ذلك أن استعادة المعنى لا تأتي من الانتصار الخارجي، بل من إعادة تعريف الذات: ليست الذات ما يُفعل بها، بل ما تختار أن تفعله بما فُعل بها.
وهنا تلتقي الرواية، من منظر فلسفي، مع تصور "جان بول سارتر" الذي يرى "أن الإنسان لا يُختزل فيما فُرض عليه، بل فيما يختار أن يصنعه من ذلك الفرض". وبالتالي فالشخصيات في الرواية لم تكن ضحايا فحسب، بل صانعات لمعنى جديد وسط الخراب.
غير أن أقسى ما في التجربة، في المحصلة، لم يكن الألم ذاته، بل إدراكها المتأخر أن روحها المتعبة قد ضاعت منها فرصة العمر حتى في أن تحلم في نسج خيالها، ذلك النصف الذي لم يكن شخصاً بقدر ما كان احتمالاً للحياة.
ثم ولعل أجمل ما في خاتمة المسار، أن الرواية لا تقدم استعادة المعنى كخطاب بطولي صاخب، بل كهمس إنساني عميق. فالبطولة هنا ليست ثورة عارمة، بل قراراً أخلاقياً صامتاً. ليست مواجهة العالم كله، بل حماية إنسان واحد. ومن هذا التواضع الأخلاقي تحديداً تنبع عظمة النص.
إذا ما تعمقنا أكثر، نجد صدى لما يقوله "ألبير كامو"
"في قلب الشتاء اكتشفتُ أن في داخلي صيفاً لا يُقهر"
وهكذا فالرواية، في جوهرها، ليست عن سقوط الإنسان، بل عن لحظة إدراكه أن المعنى لا يُستعاد إلا بعد عبور العتمة كاملة.
لذلك كله، فإن ألف شمس مشرقة لا تحكي عن نساء مسحوقات فحسب، بل عن طاقة الإنسان على إعادة تعريف نفسه. إنها تقول أن الانكسار قد يكون بداية الطريق، لا نهايته؛ وإن الذات، حين تعي هشاشتها، تكتشف في داخلها قوة لم تكن تدركها.
وهكذا، في الخلاصة، بين الانكسار واستعادة المعنى، تتشكل جدلية الذات: وجع يتعالى، وظلال تتكاثر، وأمل يكاد يضيع. غير أن من عمق العتمة، ينبثق فجر خافت. فالرواية لا تعد بعالم عادل، لكنها تهمس بأن الكرامة ممكنة، وأن المعنى وإن تأخر يولد من رحم المعاناة. أضافة إلى أن أعظم ما تقوله الرواية أن الكرامة لا تمنحها العدالة، بل يصنعها الموقف.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة
- تمثالُ قهرمانة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي
- سيرة ذاتية
- قصة قصيرة؛ مرثاة الحمائم
- بين نؤاسترادموس وشهرزاد؛ تأملات في صراع الهوية بين النبوءة و ...
- وداعاً أيها الحلم الذي لم يكتمل؛ رثاء للعم الدكتور الآثاري و ...


المزيد.....




- الاستقصائي الإيطالي بياكيسي: هذه فكرة -صلاة مدنية للمقاومة – ...
- وفاة الفنان السوري أحمد خليفة.. رحيل نجم -باب الحارة- و-أهل ...
- -جيل يقرأ.. جيل ينهض-.. معرض كتاب الطفل بدمشق يستعيد بريق ال ...
- فيلم -مايكل-.. قصة كاملة أم نسخة مفلترة من حياة ملك البوب؟
- جعفر جاكسون يحيي أسطورة عمه.. فهل أنقذ فيلم -مايكل-؟
- الرواية الهوليوودية.. كيف تروي التاريخ سينمائيا عبر عدسة الس ...
- الجامعة العربية تؤكد التزامها بتعزيز منظومة الملكية الفكرية ...
- وفاة الفنان السوري أحمد خليفة عن عمر ناهز 81 عاما
- ظلالٌ تتبدّل حين يطول الغياب
- تحولات ريف مسقط وعُمان.. -شيكاغو- تتوّج محمود الرحبي بجائزة ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروايةِ ألف شمس مشرقة للكاتب خالد حسيني