درس في الإلحاد 2..قليل من التأمل سيفيد كثيرا


سامى لبيب
الحوار المتمدن - العدد: 7374 - 2022 / 9 / 17 - 17:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

- نحو فهم الحياة والإنسان والوجود (121) .
- درس في الإلحاد – جزء ثان .

هذا هو الدرس الثاني في الإلحاد أقدم فيها مجموعة من التأملات تستدعي التوقف والتأمل والبحث والتفكير .
لا يكون سبيلنا في نفي وجود إله بنقد صورة الإله الخرافية المهترئة الساذجة الواردة بالأديان التى تروج لوجود إله فاللادينية كفيلة بهذا , بل يكون توقفنا أما التمعن في الطبيعة والحياة والوجود لنجد أنفسنا أمام فعل طبيعي غير معتني ولا مُريد ولا منظم يعلن في كل مشاهده بأننا في غير حاجة لفكرة إله .

- عندما يعجز الإنسان عن فهم الوجود نتيجة جهله وقلة معارفه فهو لا يترك نفسه فريسة للحيرة والجهل ليبحث عن إجابة إفتراضية سريعة مُتعسفة مُهترئة حتى لو إضطر لحرق مراحل كثيرة بدم بارد لينعم بحالة من الهدوء والنوم اللذيذ , فهكذا نشأ الإيمان من العجز عن إستيعاب وجود هائل ومخيف ومرعب , ولكن لا يجب أن تكون الإجابة على هكذا سؤال عسير بهذه السذاجة والغباء والغطرسة والإحساس الإنسانى بمحورية الوجود .

- هذا الدرس يعتنى بنقد مفاهيمنا المغلوطة عن العشوائية والنظام فى محاولة لرؤية صورة الوجود معدولة وليست مقلوبة , ولنطمح فى فك الإشتباك والإلتباس الذى يعترينا لنصل إلى مفاهيم خاطئة بأن هناك مُنظم خارج وجودنا يُرتب ويُصيغ الوجود والحياة بينما الأمور حالة متفردة من التوازن إعترتنا عند تعاطينا مع الوجود المادى العشوائى لنُوجد لها علاقة .

- أأمل فى إبراز ضرورة التعامل مع الوجود كما هو بدون إضافات أو رغبات أو حالات نفسية ومزاجية تفرض ذاتها على تفسير المشهد المادى الذى ينتج صوره بلا نظام ولا خطة ولا إرادة ولا ترتيب بل ينثر مشاهده فى الهواء بدون ترتيب وعلى من يستقبلها أن يُدرك هذا ويبدع بإيجاد علاقة , أما كونه يريد أن يشخصنها ويضع لها حكمة فهو تعنت بلا دليل وثوقى واحد يستطيع تقديمه وليعلم انه يبتعد كثيرا عن فهم الوجود الغير عاقل ولا المُكترث مما سيقوده هذا المسار إلى مفاهيم مغلوطة للحياة والوجود يمكن أن يستنزف عمره فى تداعياتها .

- من الأهمية بمكان عدم الخلط بين الأسباب والغايات فهناك دوماً أسباب سواء أدركناها أم لم ندركها ، فالحجر يقع من فوق الجبل بسبب الريح ، ولكن هل هناك غاية للريح بإيقاع الحجر؟! .. كذلك هناك سبب لإستدارة للصخور والأحجار على الشاطيء نتيجة ضرب الأمواج المستمر لها ، ولكن هل غاية الأمواج جعل الأحجار تبدو كروية؟! كذا هناك تدرج في حجم الزلط على الشاطئ من الأصغر إلي الأكبر فهل هناك من رصها أم هي فعل الطبيعة بالقذف بالزلط الصغير بعيدا .. من هنا يتضح أن كل مشاهد الوجود تنتج ذاتها بدون غاية ولا خطة بل تحت الظروف المادية العشوائية التى أنتجتها لتبقى الغائية فى الإنسان كعادة ذهنية باحثه عن الجدوى مقاوماً فى داخله صدمته من الوجود المادى الذى لا يقدم معنى ولا غاية .

- هل الشمس تشرق لتبعث الدفىء في بني البشر وهل المطر يهطل ليسقي الزرع والضرع , وهل النبات ينمو ليتحول غذاء , وهل الرموش لحماية العيون من التراب لنتصور أن هناك من صَمم هذا بينما الأمور ظواهر طبيعية , فالشمس تسقط على وجه الأرض وتسقط على الوجه الآخر والمطر يسقط لظروف مناخية ولا يعتني بإنتاج الزرع فقد يسقط على صحراء وكفور كذا النبات ينمو متي توفرت الظروف المادية ليكون الناتج إما ضار أو مفيد .

- نحن اطلقنا أسئلتنا بعد أن أصبحنا فى داخل الحدث والظرف المادى الذى أنتجه , فمثلا نحن تواجدنا من توافر ظروف للحياة والتطور التي لم تتوفر لمليارات الأجرام الأخرى كنتاج عشوائى بحت للإحتمالية .
أسئلتنا نتاج فكر يضع البشر في مركز الكون بينما العلم أسقط هذه الفلسفة المركزية للإنسان , ولعل هذه الصدمة الأخلاقية الناتجة عن انتزاع المركزية هي أول ما يصادف الإنسان في رحلته مع العلم .. تلك الصدمة التى أنتجت حلول نابعة من الأنا وليس من الواقع بينما الطبيعة تنتج منتجاتها غير مكترثة بمن يوليها الأهمية .

- الحياة والوجود تنتج مشاهدها بدون خطة ولا نظام ولا ترتيب لنقوم نحن بإنتاج علاقات بين الأشياء , فالإنسان تعامل مع نجوم السماء بإيجاد علاقات بينها لتفيده في الملاحة بالصحراء او البحر فهنا نجوم السماء لم يتم رصها لهذا الإنسان , فالملاح أنشأ علاقات افتراضية رياضية تجاه ظواهر مادية لينتج قانون وفقا لما هو متاح ليكون علاقات ليتعامل مع هو موجود ومتاح لإيجاد علاقات .. هذا الدرس والمثال من الأهمية بمكان لندرك أننا نعيش في وجود لا يقدم رسائل ولا خطط ولا معاني ولا غايات بل نحن من ننتج العلاقة لإيجاد معني وفكرة ووظيفة وغاية .

- يستحيل أن يتكون وعى للإنسان بدون إيجاد علاقة بين الأشياء المادية , فهكذا سبيلنا الوحيد لتكوين الوعي وبما أن الأمور نسبية ليست بذات حقيقة فهى تعتمد على زاوية رؤية أحادية تتشبع بذاتيتها وكم معارفها وإسقاطاتها لذا فنحن نعيش فكر خاطئ عن الوجود , ولكن الخطورة تكمن عندما تتحول هذه الرؤية والعلاقة إلى حالة مُتغطرسة تتدعى بيقنية العلاقات وديمومتها مع حالة من الغيبوبة عندما يتغافل الإنسان أنه من أنتج العلاقات وصاغها لينسبها لقوى خارجية قامت بالإنشاء والتحكم بينما هى من إنتاجه الخاص .. خطأ فهمنا للوجود هي فكرة تعتقد أن الأشياء خارجية مستقلة عنا تفرض منظومتها وعلاقاتها بينما فى الحقيقة هى زاوية رؤية خاصة متوهمة ترى الواقع بمنظورها وتختلق علاقته .

* اللغة .
- نحن فى وجود عشوائى لا غاية له ولا معنى لنخلق نحن نظامه ومعناه .. فلتنظر لشئ شائع فى وجودنا يمثل أساس وعينا وتطورنا وحضارتنا وهى اللغة , فستجد أى لغة عبارة عن كلمات والكلمات ذات حروف متلاصقة عشوائية بذبذبات عشوائية قمنا بتجميعها مع بعضها بشكل عفوى عشوائى لننتج كلمة نمنحها معنى ودلالة , فالحروف المتشابكة ليس لها أى بناء أو تنظيم بل النظام والبناء جاء من البشر الذين اتفقوا على تشابك حروف بشكل عشوائى لتعطى لهم معنى ودلاله معينة .. فيمكن لأى انسان ان يشبك مجموعة مختلفة من الحروف وهذا ما يحدث بالفعل من اختيار أسماء المعدات والأجهزة والأدوية فهذا التشبيك العشوائى نترجمه لدلالة ومعنى معين حتى تكون شفرة بيننا بإدراك ماهيتها .. اى اننا تعايشنا مع الوجود العشوائي وانتجنا منه ما نتصوره نظام .
- عندما نتأمل فى نشوء اللغة فستجد العشوائية الغير منظمة اللامرتبة اللاغائية حاضرة فى المشهد بقوة , فالإنسان القديم تعامل مع اللغة بشكل عفوى إنفعالى فأطلق همهمات وذبذبات صوتية عشوائية يقصد بها مشهد معين من الطبيعة , ليطلق مثلا كلمة كوتودو ككلمة عفوية للإشارة لأسد وليشير لأقرانه بإشارات يقصد بها الخطر القادم من الأسد فتتعلم الجماعة أن كوتودو تعنى أسد وهكذا نشأت اللغة بإطلاق كلمات عفوية يتفق البشر على مدلولها لتصير لغة للتفاهم ونقل الأفكار , ومن هنا نرى أن عفوية وعشوائية الكلمات انتجت نظاماً أخذ يتبلور وينتظم أكثر لتتكون آداب اللغة وفنونها من شعر ونثر ونحو بينما البداية كلمات عفوية عشوائية , ومن هنا ندرك بأن العشوائية هى الأساس والأصل ومنها تولد نظام وقانون من الإنسان الباحث عن خلق صيغ نظامية لتمكنه من التعامل مع عالم لا يعطى معنى ليختلق وسيلة لخلق المعنى .

- عندما نقول أن الطفل شرب اللبن فهى جملة ذات معنى ومفهوم ولكن عندما نقول : " اتغك غثفث حخته" فهى جملة ليست بذات معنى فهى ضرب عشوائى منى على الكيبورد , فما الذى جعل الجملة الاولى ذات معنى بينما افتقدت الثانية للمعنى سوى اننا إتفقنا على أن رسم عبارة الطفل شرب اللبن لها معنى محدد بيننا , ويمكن للجملة الثانية ان تكون ذات معنى لو اتفقنا أنها تعبر عن فعل وحالة معينة .. إذن الوعى الذي خلق معنى النظام هو أيضا الذي خلق للنظام فكرة , فبدون الوعي سيتساوى النظام والعشوائية ولا يوجد معنى لأى شيء , فهكذا كل وجودنا بحث عن علاقة وإتفاق على أشياء ووضع علاقات ومعانى لها ولكن الشئ فى ذاته مُتحرر من المعنى فلا يوجد معني في كينونته وهذا يعنى انه لا يوجد شئ خارج وعينا يمنحنا المعنى والقيمة والغاية .

- من طبيعة اللغة الماثلة لوعينا تتأكد رؤيتى أن الوجود عشوائى فى طبيعته وأن النظام رؤية بشرية إعتنينا أن نتفق على بعض المشاهد لنراها نظام فهكذا نظرتنا للوجود هو التوافق على مشهد عشوائى وإعطاءه معانى ودلالات ولا مانع بعد ذلك أن نخلق منظومات معقدة من تلك العشوائيات كقواعد اللغة والكتابات الشعرية والمشاهد الوجودية لتكون كل المشاهد هى فى الأصل منتجات عشوائية أصيلة تحايل عليها الإنسان ليخلق منها نظاماً .

* الرسم .
- الرسم ليس تلك اللوحات الفنية الجميلة فحسب بل لغة وفلسفة ومضمون الحياة , فالكتابة جاءت بعد الرسم وهى عبارة عن خطوط عشوائية إتفقنا على رسمها , ومنها نستطيع ان نقرأها كرسم فلا يكون الحرف أو الكلمة بذات معنى بل بإتفاقنا على رسم بأنه تعبير عن معنى محدد لذا تتباين الكتابات واللغات فى رسم حروفها وكلماتها ليبقى لكل جماعة بشرية إتفاق على مدلولات لرسم حروفها , فالحروف المتشابكة ليس لها أى بناء أو تنظيم بل النظام والبناء جاء من البشر الذين إتفقوا على تشابك حروف عشوائية وأعطوا لها معنى ودلاله معينة .. فيمكن لأى انسان أن يشبك مجموعة مختلفة من الحروف وهذا ما يحدث بالفعل حالياً من إختيار أسماء السيارات والمعدات والأجهزة والماركات بهذا التشبيك العشوائى للرسومات لنترجمه لدلالة ومعنى معين حتى تكون شفرة بيننا بإدراك ماهيتها .. أى أننا تعايشنا مع الوجود العشوائي وأنتجنا منه ما نتصوره نظام , أى أن الإنسان أنتج وإستثمر العشوائية لينتج أشكال وعلاقات يراها نظامية .

- أتذكر مشهد طريف فى حياتى , فقد كنت أجيد فن الرسم لأطلب من أحد رفاقى أن يشخبط على ورقة بيضاء لأستلم تلك الشخبطة العفوية العشوائية وأضيف لها خطوط من عندى دون أن أزيل الشخبطة الأصلية لتصبح رسم مقبول ومتعارف عليه , ومن هنا جاء النظام من رسم عشوائى , فالإنسان هو من يصيغ العشوائية فى نظام متى تأمل خطوطها وتحايل عليها .

- نحن لا نقرأ الحروف والكلمات .. نقرأ رسومات فحياتنا كلها رسومات لذا أعتبر الرسم هو وعينا الحقيقى بالحياة فهو لا يقتصر على لوحة جميلة رسمها فنان بل الرسومات طريقة تعاطي أدمغتنا مع الحياة فنحن مثلا لا نقرأ الحروف والكلمات فى جريدة أو كتاب أو تلك الكلمات التى تقرأها فى بحثى هذا , فأنت تقرأ رسومات فقط متمثلة فى حروف متشابكة ذات أشكال مرسومة فى ذخيرة معرفتك لتمر سريعا على كلماتى بدون أن تتهجاها وهذا يرجع لأن لديك فى ذهنك أرشيف هائل من رسومات لكلمات فيقوم الذهن بإستدعاء رسم تلك الكلمة وإدراكها , لذا نحن لا نتهجى الكلمات التى لها رسومات سابقة فى ذهننا فهكذا نتعامل مع اللغة كتابة وقراءة كرسومات نستدعيها , لتكون أى كلمة جديدة مثل " انسطالبوك " ككلمة لم نعهدها من قبل فنتصور أننا نتهجاها والحقيقة أننا نصورها بعيوننا لنسجلها كرسمه جديدة نخزنها فى أرشيف الدماغ والدليل أن هناك كلمات أجنبية أو حروف فرعونية لا نعرف نطقها ولكن نحفظ رسمها , فالكلمة لن تتواجد لها وعى بدون رسم لها , وهذا يعنى أن الوجود والحياة خطوط ورسومات يتكون منها وعينا الذى هو إستدلال على تلك الخطوط التى جاءت بشكل عشوائى .. أى أن الإنسان أنتج من العشوائية وإستثمرها فى إيجاد أشكال وعلاقات يراها نظامية .

* الموسيقى والألوان .
- الإنسان القديم عندما مارس الموسيقى فقد مارسها بشكل عشوائى ثم خرج منها بنظام , فمثلا عندما عرف الطرق على الطبلة كأول آلة موسيقية ..كان يطرق دقات مختلفة معبرة عن حالته العصبية والمزاجية ليلاحظ بعض الاذكياء منهم ان هناك دقات معينة تثير الإستحسان والقبول لدى الجماعة فتعلم أن يكررها وينتقيها فى كل مرة يدق على طبلته , ومن هنا جاءت نغمة منتظمة نالت القبول وسط الآلاف من محاولات الطرق , ليقوم الإنسان فى العصر الحديث بإيجاد لغة ذات شفرة مثل أى لغة مكتوبة يتم التعامل بها يُسميها النوتة الموسيقية .

- لاتتم إستساغة الموسيقى بشكل غامض بل لوجود أعصاب فى الأذن ترتخى وتتمايل مع النغمات الحلوة بينما الدقات والنغمات الصاخبة الشديدة والرتيبة تصيب هذه الأعصاب بالإنزعاج كمثل سماع دقات المطرقة على السندان لتكون النغمات الموسيقية التى نسمعها ونطرب لها هى حالة إستثنائية تولدت من مليارات النغمات فى الوجود لتكون حالة نظامية أو قل نحن من أطلقنا عليها نظام وسط عالم ملئ بالفوضوية والعشوائية .

- كل موسيقى الدنيا من سبع نغمات وكل لوحات العالم من 6 ألوان .. يكون التنوع والغزارة فى الإنتاج من عملية مصفوفات وتشكيلات وتوافيق لهذه الأنغام والألوان فهل فهمنا ما هى الحياة ؟ -هى تشكيلات وتنوعات عشوائية أنتجت اشياء متباينة أوجدنا لها معنى بينما مفرداتها ليست بذات معنى , ثم نقنن هذه المشاهد كمعايير ولنضيف انه يستحيل ان تتطابق نغمة مع نغمة فى الكون ! .. نعم الوجود عشوائى ومهما تحايلنا عليه فلن تتطابق نغمتين أو لونين أبدا لأن كل نغمة ولون تواجد فى وسط مادى زمكانى يستحيل معه التطابق .

* القيزياء .
- انظر لعلم الفلك فماهو إلا إيجاد علاقات بين النجوم كما ذكرنا أى رصد الزوايا بين بعضها ومنها نحدد طريقنا ليتوهم البعض أن هناك من رصها على هذا النحو , لتمتد الصور وتتعقد فنحن من نُوجد العلاقات والمعانى لأشياء بلا معنى أو علاقة .
الطبيعة ليست معتنية أن تقدم لنا علاقات وقوانين وأنساق بل تلقى بأوراقها مبعثرة لنحتال ونبدع بإيجاد علاقات فنحن لا نعرف العيش فى العشوائية أى لا نستطيع تحمل اللامعنى واللاغاية فنخلق علاقات نظامية .

- نظرية الأكوان المتوازية القائلة أن الكون الذي نعيش فيه مجرد جزء من مجموعة كلية عشوائية، ليكون ما نتصوره عن كوننا كنظام هو زاوية نظر إنتقائية جزئية بحكم وجودنا في داخل هذه الجزئية لأن وجودنا كجزئيات مستحيل وجودها في داخل إحدى الأكوان الأخرى .

- نتصور أن النجوم لها سبباً ووظيفة ان تكون مصابيح وهداية للملاح كما ظن القدماء , فهل نجوم أكبر من حجم الشمس كمواقد نووية بمليون مرة من حجم الارض وظيفتها أن تكون مصابيح فى السماء والطريف أننا نراها بعد إنتهاءها بملايين السنين أو لترشد ملاح فى رحلته الصحراوية او البحرية !
نحن تواجدنا لنرى النجوم من زاوية كونية لتظهر لنا كنقاط مضيئة فبحثنا لها عن وظيفة ومعنى لنسقط رؤيتنا فى إيجاد غاية وعلاقة ووظيفة ومعنى .. بمعنى ان إنطباعنا عن النجوم أنها نقط مضيئة لم يأتى من تراصها على بعد هذه المسافات العظيمة لتتأجج لتصل لعيونك كمصابيح زينة بل أنت الذى تواجدت فى زواية من الكون أتاح لك هذا التفسير لتعطيها هذا المعنى الساذج , ولتلاحظ فى النهاية أن كلمة "وظيفة " هى من إبداعنا الفكرى متأثرة بفهمنا الغائي .
إذا كان الإنسان القديم تصور النجوم كمصابيح وهداية للملاح فلن نجد في عصرنا من يردد هذا إلا كل دوغمائي متحجر , ولكن يستحيل كما اتصور أن يردد عاقل أن الإله يدفع ذرات الأكسجين لتُصدأ الحديد أو يدفع الحمض ليتحد مع القلوي مكوناً ملح فكلنا يعلم أنها تفاعلات مادية تتم بشكل طبيعي لا تحتاج لإله , فما معني وما أهمية وجود إله ؟!

- لإدراك ماذا يعنى بأن الإنسان هو من يخلق علاقات ليقيم منها نظاماً فلنا مشهد المدقات على الطريق أو الأحجار التى ننثرها لتهدينا للطريق فيمكن منها فهم علاقتنا مع الوجود العشوائى , فلو لدينا نقطتان ألف وباء ونريد التحرك من أ إلى النقطة ب ولا يوجد لدينا وسائل إيضاحية بحكم جهلنا فسنلقى بمجموعة من الحجارة أثناء سيرنا من أ إلى ب لتصبح هناك علاقات بين تلك الحجارة ليمكن ان تدخل فى قانون وخريطة بينما هى حجارة ليست ذات مدلول وبذا نكون قد خلقنا نظام من فعل عشوائى ليصبح الطريق من أ إلى ب نظاماً !
بالطبع يمكن ان نثبت الحجارة أو نزرع اشجار أو نرصف الطريق من أ الى ب أو نختصر من المسافات المهدرة ثم نقوم بعد ذلك برسم خريطة لوضع الأحجار التى ألقيناها بعشوائية ونضع قانون لزاوية إنحراف كل حجر عن الآخر لنتوهم بعد ذلك ان الوجود منظم !

- الإنفجار الكبير الذى يفسر نشأة الكون هو مشهد عشوائى فنحن أمام إنفجار عشوائى ليس ذو مسارات صارمة منتظمة ليكون الإنفجار هو خضوع المادة لحزمة قوى , ليقدم لنا البيج بانج دليل قوى عن العشوائية والفوضى وأن وجودنا ماهو إلا تحقق ظروف على سطح شظية من شظايا الإنفجار .

- ليس هناك غاية من شروق الشمس وغروبها بالرغم من خطأ تعبير الشروق والغروب فهو إنطباعتا وليس حالة الشمس أي جزء من طبيعة أطلقنا عليها نظام شمسي , كما ليس هناك غاية من حدوث الزلازل سوى أنها جزء من طبيعة أطلقنا عليها نظام الأرض , فالبراكين والزلازل تحدث على المريخ و الزُهرة بالرغم انهما مهجوران أى لا يوجد عليها بشر , فما معنى مفهوم الغاية الإلهية المتوهمة التى تعتنى بالإنتقام أو الإختبار .

- فيزياء الكوانتم أو ميكانيكا الكم علم يهتم بدراسة طبيعة وسلوك الجسيمات الأولية أو ما تحت الذرية التى تُعتبر الوحدات البنائية الأصغر كتلة وحجمًا في الوجود على الإطلاق أي تلك المكونات الأولية التى تؤلف فى مجموعها الوجود والكون فبتجمعاتها تتشكل الكيانات المادية المستقلة من أصغر الموجودات مرورًا بالإنسان إلى المجرات بكواكبها وشموسها العملاقة ولكن سلوك هذه الجسيمات الأولية ماهو إلا سلوك عشوائي كامناً في ذاتها أى أن الوحدات البنائية للوجود المادى هو عشوائى السلوك .
سواء كان السلوك العشوائي للجسيمات كما فى ميكانيكا الكم كامناً في ذاتها أو بسبب قصورنا عن فهم أسبابها ففي الحالتين لا يدل على قوى خارج الطبيعة لأن السلوك العشوائي يدل دأئما على الطبيعة الإحتمالية ولا يدل أطلاقاً على التوجية المُبرمج لأن التحكم الموجه سوف يؤدي إلى إنتفاء الحاجه للحساب الإحتمالي .

- يفشل أصحاب نظرية النظام والمُنظم والمصمم الذكي فى تفسير لماذا كوكب المشترى يحوى 64 قمراً يدورون حوله بالرغم أنه كوكب خرب بينما كوكب الأرض الذى يعج بالحياة له قمر يتيم ولكن علوم الفضاء المادية تُفسر ذلك فنحن أمام طبيعة تخضع للظروف المادية الموضوعية ولاتعتني بتقديم دروس وعبر وجدوي .

* الكيمياء .
-الخياة والطبيعة مجموعة هائلة من العناصر والمركبات تتفاعل فيما بينها لتنتج لنا ما نراه من موجودات , لتكون كل التفاعلات العضوية والغير عضوية في إطار الصدفة أي اللاغائية وقانونها المادي فمتي تقابلت العناصر والمركبات فإنها تتفاعل بدون غاية أو ترتيب أو خطة ومن هنا خلقنا النظام من خلال قانونها وتفاعلاتها المادية التى هي قسرية حتمية .

-نحن نتعامل مع العلم بشكل خاطئ ليس من العلم ولا من طبيعة الحياة فحتي نظرية التطور المُترسخة والمُثبتة علمياً تغلغها الميتافزيقين لنجد أننا نردد مقولات الإنتخاب الطبيعي وتكيف الكائنات الحية مع البيئة المحيطة وكأن الطبيعة ذات كيان وإرادة واعية تختار وتنتخب وكأن الكائنات الحية تتخذ قرار بالتطور والتكيف مع الظروف المحيطة , فهل من العقلانية والمنطق تصور أن الكائن الحى عزم على التطور وتغيير كينونته لينسجم ويتوائم مع الظروف المحيطة وكأن له إرادة تقول : هيا نتطور علاوة على عدم وجود إمكانيات ذاتية يتم إستخدامها من قبل الكائن الحي ليتطور! كذا الحال مع الإنتخاب الطبيعي وكأننا أمام هيئة ومؤسسة تفرز وتختار وتنتخب .
شكلت هذه النقطة إشكالية فى فهمى للتطور لأجد بعد زمن أن هذه الإشكالية كانت تحير تشارلز داروين نفسه عن آلية التطور والظروف المادية التى تدفعها لحالة تطورية , ليكشف العلم الحديث آلية التطور عن طريق تغير النسخ فى ال D,N.A والطفرات الجينية .
علمنا من علم الجينات أن الجينات لا تنسخ نسخ متطابقة من نفسها وهذا قولى بإستحالة وجود التطابق .. الطفرات البسيطة عند النسخ تنتج كائنات ذات صفات مغايرة عن الكائن الأصلي وهذا يفسر التباين فى الشكل بين الأخوة والتشوهات الخلقية والجنينية , وهذه الصفات قد تكون بلا تأثير على الكائن الحى أو ذات تأثيرات إيجابية أو سلبية ليمارس الإنتخاب الطبيعى فعله فإذا كانت الصفات الوراثية الجديدة مُنسجمة مع الطبيعة بقى الكائن الحى وتكاثر ونقل صفاته الوراثية أما إذا كانت المستجدات الوراثية غير منسجمة مع الطبيعة قلت فرص تكاثر الحى وبقاءه .
من هنا نفهم آلية التطور وكيف تتشكل لنتوقف عند رصدنا لتطور الكائنات الحية .. ومن هنا نفهم أيضا أن التطور عشوائي غير هادف ولا موجه فهناك تغير عشوائي غير مقصود فى عملية نسخ الD.N.A فمن يتوائم مع الظروف الطبيعية وتمكن من الغذاء والتكاثر بقى وكل هذا نتاج حالة عشوائية فى تكوين جيناته , من هنا نؤكد فكرة أن الوجود والحياة والطبيعة لم تخطو خطوات مُنظمة مُرتبة مُخططة ذات غاية وهدف بل هى محصلة تفاعلات مادية غير غائية .

* الخلاصة .
- عقليا ومنطقيا لا يخرج الوجود عن أربعة إحتمالات لا خامس لهم إما وجود نظامى , أو عشوائى , أو نظامى يحتوى على فوضى , أو عشوائى يحتوى على نظام فأى وجود هو الصحيح .؟!
لو قلنا نظامى فى المطلق فالعشوائية تثقب عيوننا , ولو قلنا عشوائياً فنحن نرى حالات نراها نظام إذن لم يبقى إلا نظام يحتوى على عشوائية وهذا مرفوض أيضا , فالنظام وجود لن يستثنى فلا ينتج إلا نظام بينما العشوائية يمكن أن تتحمل نظام لأن من إحتمالاتها النظام فلو ألقينا 5 مكعبات فيمكن أن تحصل بعد عدة رميات منهم على نفس رقم سته للمكعبات الخمسة بغض النظر عما بذلناه من محاولات .. إذن نحن فى وجود عشوائى انتج صيغ أطلقنا عليها نظام .

- مشكلتنا في الوعى أننا حددنا مغزى من داخلنا وصدقناه لينفصل هذا المغزى ونتوهم أنه ذو إستقلالية مثلما حددنا الأرقام التي لها مغزى قبل رمي أحجار زهر الطاولة , فلو كان الكون موجوداً بشكل آخر سننظر إليه ونقول: "هذا النظام لا يمكن أن يوجد بدون إله " ومهما كان شكل الكون سنقول نفس القول مثلما نقول أنظر التصميم الذى يجعل للإنسان عينان أليس رائعاً ولكن لو كان لدينا ثلاث عيون فحينها سنقول : أنظر أليست ثلاث عيون رائعة أفضل من عينين .

- إذن كل فهمنا ووعينا للحياة والوجود بناء على تبنى علاقات بين الأشياء توصلنا إليها من خلال عمليات رصد وربط وإنطباع , فمانراه من نظام هو علاقات أوجدناها نحن بين الأشياء ليُكون فهمنا للوجود من خلال ما توصلنا إليه بإيجاد علاقات بين مفرداته ومن هنا تأتى نظريتى " البحث عن علاقة " أما مقولة الصدفة أو العشوائية فهى جهلنا بالقانون العام الذى يحكم حالة مادية فى لحظة بعينها .

- نحن من نخلق علاقات نظام أى نبتدع وسائل عقلية لإيجاد علاقات بين الأشياء ليست فى كينونتها نظامية ذات ديمومة بل حالة من عشرات الحالات لنركز الكاميرا عليها ونلقى الضوء على مشهد منها لنسقط علاقات بحثاً عن إيجاد صيغة للأشياء لقبولها لنسميها نظام وقانون , وما نعجز عن إيجاد علاقة للشئ نعتبره فوضى , ومن هنا الفوضى والعشوائية اللا مرتبة اللا غائية هى ناموس الوجود لنختلق علاقة من وسط العشوائية نطلق عليها نظام .
الجهل بالطبيعة التى تلقي بمشاهدها بدون خطة وغاية انتج فهم مغلوط لدي الإنسان ليخلق صاحب الغاية والترتيب , فالإنسان القديم لم يدرك سبب سقوط الأمطار فعزي هذا إلي إله يسقط الأمطار بينما هي ظاهرة طبيعية تتحقق متي توفرت الظروف المناخية لذلك

- التصميم والنظام زاوية رؤية إنتقائية تسقط إنطباع إنسانى ,فنحن يدهشنا الحياة على الأرض بينما الكون يحتوى على مليارات المجرات والكواكب الخربة تعمها الفوضى والعشوائية ولا تصلح للحياة ليكون مصيرها إنهيارات وثقوب سوداء ..نحن نعيش فى نقطة ذات حظ إستقرت فى الوجود المادى وسط ملايين الحالات الفوضوية لم تنتج حياة لنطلق عليها نظام ومن داخلها نتصور الوجود منظماً .!

- مانشاهدة من نظام هو فقط في مستوي قياسنا وفقا لزماننا ومكاننا ، فهذا النظام وليد حالة عشوائية تامة، فتفاعل المادة مع بعضها هو من يكون نظام فى لحظة زمكانية .. النظام يعني رصدنا لتكرار التوازن فى الزمن ..لذا لا يوجد شئ إسمه توازن فى المطلق فيستحيل ان تستمر معادلة التوازن ثابتة بل الحالة التوازنية يستحيل لها أن تتطابق إذن لا يوجد نظام فى المطلق .

- مشكلة الفهم الانسانى المغلوط للوجود هو الجهل الذى أنتج فصل بين مكونات الطبيعة وبين القوانين التي تحكمها ليتم إيجاد مكان للخرافة والوهم بينهما بغية وصول الجاهل والعاجز إلى القول بضرورة وجود قوة خارجية مفارقة هي التي أوجدت ما نراه نظام وقوانين تحكم الكون .

- النظام والعشوائية لهما معنى فقط في الوعي الانساني وبشروط الوعي الانساني , فالعشوائية مفهوم مجرد يعكس عدم قدرتنا على الإحاطة بالأسباب وبالتالي فالعشوائية إجابة متعجلة لسد الثقب المعرفي لدى الانسان الواعي وليس الطبيعة .

- العشوائية هى العجز المعرفى عن إيجاد علاقة فكما ذكرت في مفال سابق إمكانية إيجاد علاقات من أى سلسلة أعداد , وما نعجز عن إيجاد علاقة له نطلق عليه صدفة وعشوائية , فمثلا نحن نعجز عن إدراك زهر الطاولة عند كل رمية فنقول حظ أو صدفة بينما فى الحقيقة يمكن تحديد أرقام الزهر متى حصرنا القوى الفيزيائية المؤثرة على الزهر كقوة الرمية وسطح الإحتكاك وحالة الهواء فى الغرفة ألخ ويمكن صياغة هذا فى معادلة ولكن لجهلنا بالمعادلة وصعوبة رصد هذا فى اللحظة نطلق عليها صدفة وحظ , ولنلاحظ أن الأمور هنا أيضا خارج الترتيب خاضعة كليا للظروف المادية الموضوعية ولا داعى لحشر فكرة الإله , فالإله المُفترض لا يلعب النرد كما قال أينشتاين , فالموضوع فى إطار المادة فقط .

- عندما نقول هل كان هذا الأمر خياراً أم اضطراراً أم قدراً أم عشوائية؟ فهذا سؤال لا يُدرك ماهية الوجود وماهيتنا .. فالكلمات لها معانيها المسبقة المتداخلة في دماغنا لتشكل إسقاطات ثقافية إلى درجة أنها تكون أحيانا السبب في سوء التعبير وسوء الفهم , وهى نتاج الخوض في تفسير عمليات عمياء كالقول من خلق الكون فنحن أسرنا السؤال فى إجابة نريدها فهناك شئ إسمه خلق وفاعله عاقل .

- الطبيعة لا تبحث عن معنى إذ أن المعنى مفهوم واعي من ضمن منظومة ثقافية انسانية عاقلة ولكن الطبيعة نفسها حركة وبالتالي تعريفها فى حركتها أما المعنى الذي تبحث عنه فهو المعنى الذي يتوافق مع متطلبات سقفك المعرفي وثقافتك وتساؤلاتك كإنسان يسقط ذاته على السؤال .

- الأمور بالنسبة للطبيعة سيان أن يموت حمار أو يعيش .. أن يظهر الانسان أو لا يظهر .. أن تبقى الحياة أو لا تبقى .. أن تبقى الأرض أو لا تبقى , فلا قيمة ولا إعتناء بالنسبة للطبيعة ومن هنا يتبدد وهم النظام والغاية والمعنى كأشياء خارجة عن الطبيعة ذات تأثير .

- إن الحياة عشوائية نلجمها بنظام من تصوراتنا من اللامعنى إلي المعنى, و هذا يعني أننا مسئولين تجاه الكون عن المحافظة على حياتنا و تطورنا للوصول إلي المرحلة القادمة من التطور.. التطور الذي هو سمة هذا الكون و ليس تفسير وجود الكائنات الحية فقط

-الجميل في الموضوع هو اننا لم نعد محتاجين لنظرية المُصمم الذكي بالغ التعقيد مجهول الأصل و الهوية , فالكون له طريقة خاصة في الوجود و له خط تطوري ذاتى واضح ومراحل تطور لا خلاف عليها. فلم نعد محتاجين لتلفيق معنى للحياة عن طريق قصص خرافية لأن الحياة فعلا لها معاني صغيرة قريبة و معاني كبيرة بعيدة نحن من خلقناها وأبدعنا علاقاتها فلا معني لمعاني وغايات وترتيبات خارج وجودنا .

دمتم بخير .
نحن من نخلق المعاني والغايات والأفكار والعلاقات والآلهة .