تتمة خمسمائة حجة تُفند وجود إله


سامى لبيب
الحوار المتمدن - العدد: 7156 - 2022 / 2 / 8 - 17:41
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

- خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم (99) .

هذا المقال يتمم سلسلة مقالاتي خمسمائة حجة تُفند وجود إله والتي بدأت بخمسين حجة ثم إمتدت لمائة فمائتين حجة لتجد سبيلها في النهاية لخمسمائة حجة آملاً أن أكون قد قدمت نقد وتحليل موضوعي جيد لفكرة الإله ذاك الوهم الذي إستوطن في عقول البشر ليتحصن بالتجهيل والتقديس والتغييب .
أتصور أن الحجج التي تُفند وجود إله لا تقتصر على الخمسمائة حجة فنحن أمام فكرة وفرضية تتناسل فى طرحها وخرافاتها بواسطة مريديها في محاولة إما لإسعاف الفكرة أو إثرائها بمزيد من الخيال لذا تتواجد دوما الحجج المنطقية القادرة على المواجهة .. فلننهي الحمسمائة حجة أولا .

- الحياة إما وجود يمكن معاينته فيزيائيا أو فكرة لينتفي عن الإله الوجود وليقبع فى فكرة وتصور لكنها فكرة غير مكتملة وناقصة ومبتورة فأنت لا تستطيع تعريف ماهية وكينونة وذات الإله لتصير فكرة الإله مجرد إدعاء غير قادرة على تقديم فهم وتحديد .

- الإيمان بالإله جاء من جهلنا بفعل الطبيعة لنعزي كل ما نجهله بأنه صُنع وإنتاج الإله , فقديماً كان سقوط المطر من فعل الإله ولكننا الآن أدركنا سبب سقوط الأمطار فصار الإله في جهلنا بالخلية والكيمياء الحيوبة لتقتات فكرة الإله من مربعات جهلنا .. كلما أدركنا الظروف المادية التى تنتج الأحداث والمشاهد توارت فكرة الإله .

- الأفكار والتصورات تتكون فى ذهن الإنسان من تعامله مع صور الطبيعة , فلا توجد فكرة خارج هذا الفعل والتفاعل ومن هنا تكون الفكرة الأولي للإله من تجسيد وتقديس لصورة من صور الطبيعة كالشمس والقمر ألخ ثم يتجه العقل البشري إلى مزيد من التجريد بتوحيد الصور المختلفة في صورة واحدة ليبقي الإيمان هو التفاعل مع الصورة في الأساس ولتظهر أسئلة على شاكلة من صنع صور الطبيعة كإثبات لوجود إله !

- منشأ كل الأفكار التخيلية والمنطقية من صور الوجود المادي حصراً , فأفكارنا هي تركيب صور مادية بطريقة منطقية أو تخيلية فنتازية , فعروس البحر تركيب رأس وصدر إمرأة على جذع وذيل سمكة وهكذا الحصان المجنح والفيل الطائر ألخ , لنجد أن تخيل صورة الإله في المعتقدات القديمة في الهند وأفريقيا وحوض الأمازون لم تخرج عن تكوينات تخيلية فنتازية ليظهر بعد ذلك التجريد والتوحيد الذي لم يتخلص من التخيل والتركيب ولكن بصورة أقل .

- عندما تكون الأفكار والتصورات نتاج ظروف مادية بحتة تؤثر فينا وتشكل أفكارنا فلا وجود آخر يشكل أفكارنا وتصوراتنا وإنطباعاتنا خارج هذا السياق , فمن هنا تكون فكرة الإله هي إنتاج العقل المتأثر بالطبيعة ومن هنا تكون تصورات فكرة الإله هي من تفاعلنا مع الطبيعة ويشهد هذا كل السرد الميثولوجي عن الآلهة , فنحن خلقنا الآلهة من علاقة أدمغتنا مع الطبيعة .

- فكرة الإله جاءت من تعاطي الإنسان مع حالته المادية في الحياة والوجود فجاءت الآلهه من هذا التصور ولم تتحرر المعتقدات الحديثة من هذه التصورات فللإله صفات وسمات بشرية , ليفطن النابهون أن هذا يجعل الإله وحدة وجودية كالإنسان , فيتفلسف اللاهوتيون بأن الإله لامادي الوجود للخروج من هذا المأزق بالرغم أن كل حراكه وسماته وصفاته مادية وفق السرد الديني مع عجزهم التام تعريف ماهية اللامادي وكيف أدركوا ذلك .

- التفسير العلمي لرؤية العين يفسر كيف آمنا بوجود إله , فالعلم يقول أن الرؤية تأتي من إستقبال أعينا لإسقاط الضوء على الأشياء فينعكس على أعينا , بينما النظرية القديمة تقول بان العين ترسل شعاع على الأشياء فتراه , وهذا يعني أن أفكارنا وتصوراتنا وفق العلم تأتي من إنعكاس وتأثير الوجود المادي على أعينا وأدمغتنا فأين وجود الإله من هذا ؟

- الإله فكرة تخيلية غير منطقية وليس وجود , فالإله وفق الفهم الإيماني لا يفكر ولا يعقل , فالتفكير والعقلانية هو محصلة أفكار متصارعة متباينة ليقوم العقل بإختيار فكرة وفقاً لقوتها ومنطقيتها وتوازنها وحُسنها , فهل الإله يخضع لقوة الفكرة والمنطق ؟ هل يمكن القول بأن الله يفكر مع فرضية أن علمه مطلق لا يتغير ولا يتبدل ؟ وهل يصح القول بأنه مُصمم عظيم بما تعنيه كلمة التصميم من تجربة وترتيب وخضوع لمحددات تفرض نفسها .

- لا يصح القول بأن الإله ذات ومطلق فى آن واحد فهذا من الإستحالة , فلا يمكن أن يكون الإله بفرض وجوده ذات ومطلقة فى آن واحد , فإما ذات وإما مطلق فلا يمكن الجمع بين هذين الضدين , فالكمال والمطلق معنى من المعاني يتعارض مع الذاتية , فالذاتية ماهيتها مُحددة فلا يمكن أن تكون بغير حدود , والإله لو كان موجوداً وجوداً مطلقاً بأي صورة من الصور لا يمكن أن تكون له ذات واعية بمعني لو كان الإله أزلي أبدي أى بلا بداية أو نهاية فلا يمكن أن يكون إلا الزمان نفسه والزمان لا عقل له وليس بذات , ولو كان الإله يملأ كل الأماكن فهذا يعني أنه هو المكان نفسه , و المكان لا عقل له ولا ذات , ولو كان الإله الزمان نفسه والمكان كله أي ما نطلق عليه الزمكان بشكل مطلق فهذا يعني أنه الوجود ذاته و لكن ليس للوجود ذاتاً ولا عقل ,

- لا يوجد مشهد واحد في الطبيعة يحتاج لوجود إله كفاعل , فصدأ الحديد وسقوط الأمطار وإنخفاض درجات الحرارة ألخ هي مشاهد طبيعية لا تحتاج لإله يدفع ذرات الأكسجين لصدأ الحديد ومن هنا يكون إيماننا بوجود إله هو جهلنا وعجزنا عن تفسير مشاهد طبيعية .. الإله يقبع فى العجز والجهل .

- من أسباب نشأة فكرة وجود الإله أن الإنسان أسقط أفكاره وإنطباعاته على الطبيعة متصوراً أن لكل شئ غاية وفاعل عاقل فهناك صاحب غاية بينما مشاهد الطبيعة لا تعلن عن أى غاية فهل غاية الأكسجين أن يصدأ الحديد أم أن تواجد الأكسجين أمام الحديد أنتج الأكسدة .. عندما نكف عن تشيئ الأشياء بغائية فلن نستدعي فكرة الإله فالأشياء تتفاعل بدون غاية .

- ما يدل على أننا من خلقنا ورسمنا الإله أننا أعطينا له معني وغاية وقيمة وهذه المعاني مفاهيم إنسانية خاصة بالإنسان , فلا تستطيع القول بأن الإله له غاية ليطفو سؤال من أين عرفت أن له غاية , كما أن الغاية تتنافي مع مفهوم الألوهية فهي إحتياج وإنتظار وإنتقاص من القدرة المزعومة .

- من أسباب ظهور فكرة الإله هو جهلنا فى التعامل مع الخير والشر بإنساب وتوصيف أحداث للخير أو الشر ليصير الإنطباع هو الحاكم بالرغم أنه إنطباعنا النسبي , فالخير والشر تقييم ومفهوم إنساني نسبي لنعزي عجزنا عن تفسير المشاهد وهذا الإنطباع إلى فعل قوة خارجية تتمثل في الإله والشيطان بينما هي تفاعلات طبيعية محضة تصيبنا بالألم أواللذة , ومن هنا يكون جهل السبب بالإحساس بالألم واللذة هو الذي يخلق الآلهة .

- الإيمان بفكرة وجود إله تشترط الثبات بينما لا يوجد شئ اسمه ثابت فى الطبيعة والوجود , فالأشياء في تغير دائم ومستمر بل رؤيتك الذاتية دائمة التغير مع الزمن فلا ثبات لفكرة بدون تغيير ليكون فكرتنا الثابتة عن الإله وهم وجمود وليس حقيقة .

- لا يوجد في الحياة والوجود شئ اسمه حقيقة مطلقة , فالحقيقة إن تواجدت فهي نسبية مع إعتبار أن الحقيقة هي تقييمنا القابل للخطأ والنسبية , ومن هنا فمن الخطأ تصور الحقيقة مطلقة أى متحققة دوما عبر الزمان لذلك ففكرة الإله وهم .

- فكرة الإله نشأت بواكيرها من الجهل بسببية الأشياء بالرغم أن حجة الإيمان تقوم على منطق السببية ولكنها تجهل دائما المُسببات التي أنتجت السَبب , فلا تستطيع أن تثبت بشكل علمي عقلاني أن هذا السَبب جاء من ذاك المُسبب فالأمور لا تعدو سوي الجهل الذي يتواري أمام الظن لإنهاء الإشكالية .

- فكرة الإله نشأت من الجهل بنسبية الأشياء مع ظهور وهم فكرة المطلق فلا يوجد شئ مطلق فى الحياة والوجود , فلا توجد أسباب موضوعية وعلمية ومنطقية تستدعي ظهور فكرة المطلق , فكل الأشياء فى نسبية وعليه فهي تنسب لبعضها كما لا يوجد شئ اسمه نسبية الواحد للملانهاية .

- لا يوجد شئ اسمه كلى الخير , كلى القدرة , كلى العلم , كلى المشيئة فهي لا تزيد عن عبارات مدح وتفخيم فارغة , فالكليات تنفى وجود الضد وتلغى وجوده تماماً بينما للضد صور وأشكال حاضرة بل الضد هو الذي منح الصفة إمكانية الوجود والمعرفة والتمايز والمفارقة وإلا كيف عرفناها .. علاوة على أن كلي القدرة تتصادم مع كلي المعرفة مثلا فالصفات المطلقة غير محدودة ولا مقطوعة ولا متذبذبة , فكيف يكون الإله معزاً مذلاً , رافعاً خافضاً , ظاهراً باطناً ؟!

- هل يمكن ان يفعل الإنسان أى فعل وسلوك مخالفاً لإرادة الله ؟ أم أنه مُجبر مُسير رغماً عن أنفه بسلوك الفعل الذى يعلمه الله ؟ إذا قلت يستطيع فقد إنتفي وتبدد العلم الإلهي المطلق , وإذا قلت لا يستطيع فنحن هنا أمام جبرية فلما الحساب ؟ وعليه نسأل عن الله والشر فهل القاتل يقتل دون إرادة الله وهل أمريكا وكل الطغاة يتوحشون دون إرادة الله أم يفعلون ذلك لتحقيق علم الإله وقدره ومشيئته ؟

- الموسيقي والفن التشكيلي ينفيان وجود الإله والخلق والتصميم , فمن ألوان عشوائية يمكن خلق شكل جميل ومعبر ومن ذيذبات عشوائية يتكون لحن جميل فلا توجد خطوط وذبذبات صارمة ولا ننسي أهمية المتلقي بإحساسه وإنطباعه فى التعامل مع تجريد الخط واللون والذبذبة في خلق الإحساس والإنطباع .. هكذا هي الحياة عندما تتعاطي مع خطوط وألوان لنوجد لها معني بينما هي فى الأساس عشوائية ليست بذات معني مستقل عنا .

- يفتني البحر لأمكث أمامه بالساعات أستمتع بجمال تدفق وحراك أمواجه , فمن البحر آمنت بإله فى طفولتي كصانع لهذا الجمال والحركة ومن البحر ألحدت بعد أن أدركت بان الجمال هو هذا الحراك الطبيعي لجزيئات الماء فلا داعي لحشر فكرة الإله , فالحركة تتم بشكل طبيعي حتمي غير غائي ليكمن الجمال فى ديمومة الحركة فنحن تفتنا الحركة دوماً في أي مشهد طبيعي لتخلق فينا الإحساس بالجمال .

- من المشاهد التى أنتجت بواكير إلحادي مشهد سقوط قطرة مطر على سطح ماء منتجة دوائر لأتأمل هذا المشهد فوفقا للفكر الإيماني فالله يعلم ويرتب هذا المشهد بتقدير سرعة وكتلة قطرة المطر ولحظة تصادمها مع سطح الماء وحجم وعدد الدوائر التى ستنتج من هذا التصادم لأري مدي تهافت وسذاجة وغباء هذا التفسير , فهذا مشهد طبيعي خاضع لظروف وقوانين مادية بحتة لا يحتاج لإله ولأمد عيوني لمراقبة مظاهر شتي من الطبيعة لأجد أن الأمور لا تحتاج لإشراف ورصد وخطة ومعرفة ولتتعملق فى داخلي اللاغائية والطبيعة .

- كنت أبحث عن الله في طفولتي لأسأل عنه فيقولون أنه فى السماء لأراقب السماء لعلني أراه لألمح ذات مرة وجه رجل بلحية بيضاء طويلة في الغيوم فأسارع لأمي لأريها إكتشافي .. قد يقول قائل هذه تصورات تخيلية لا تعبر عن الله وقوله صحيح تماما ولكن من تأملاتي أكتشف أن الإيمان يكون فى هذا الإطار بشكل أو بآخر فنحن نستدعي الوجود لخلق فكرة الإله .

دمتم بخير.
- أجمل ما فى الإنسان هى قدرته على مشاكسة الحياة فهو لم يرتقى ويتطور إلا من قدرته على المشاكسة ومعاندة كل المسلمات والصنميات والقوالب والنماذج , وأروع ما فيه هو قدرته على السخرية من أفكاره فهذا يعنى أنه لم يخضع لصنمية الأفكار فكل الأمور قابلة للنقد والتطور .. عندما نفقد القدرة على المشاكسة سنفقد الحياة .