أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ )) إلى واقع العراق.















المزيد.....

مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ )) إلى واقع العراق.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 23:32
المحور: الادب والفن
    


في تعليقه على نص مقتطعٍ من رواية (( طريق التبغ )) للكاتب الأمريكي إرسكين كالدويل , يضعنا المندلاوي الجميل أمام مأساة الخراب الذي حلّ بالأرض , تلك الأرض التي عُرفت يوماً بزراعة اللفت , قبل أن تجتاحها رحلة رأس المال متجهةً من الريف إلى حواضر المدن حيث مصانع القطن , هناك , نرى كيف أضحى - جيتر - عاجزاً حتى عن تأمين قُوت عائلته , بعد أن تآكلت العلاقات الاجتماعية ولم يعد في هذا الفضاء الطارد مَن يمنحه عملاً , أو يهبه مالاً وسداً لرمقه , ورغم أن صاحبه دعاه للهجرة نحو المدينة والعمل في مصانعها , إلا أن - جيتر - يجيب بوفاءٍ تراجيدي: لا أستطيع الهجرة كما فعل الآخرون , إن للأرض سلطاناً كبيراً عليّ , من هنا , يتضح أن المكان في الرواية يتجاوز أبعاده الهندسية وجغرافيته المصمتة , ليصبح مشحوناً بأحاسيس الإنسان وتجاربه الحية التي تمنحه دلالته الوجودية الحقيقية , كما ان هذا تحليل عميق ودقيق جداً لجدلية (( المكان والإنتاج/ المكان والهوية )) في العمل الروائي , والمقولة تُحيلنا مباشرة إلى ما يُعرف في بـ (( جغرافية المكان النفسية )) , أو (( شعرية المكان )) , حيث يتحول المكان من مجرد حيز جامد (( أبعاد , مساحات , تضاريس )) إلى كائن حي يتنفس , يتشكل ويُعاد تعريفه عبر وعي الإنسان وتجاربه وانفعالاته.

في تفكيك المقولة من (( الموضع )) إلى (( الوطن )) , المكان الهندسي هو مكان )) محايد )) فالكيلومتر المربع من الأرض هو نفسه في أي مكان , لكن ما يمنحه المعنى هو الزمن البشري والذاكرة , وهو الأرض كأداة إنتاج , أو كمساحة جغرافية مجردة , أما المكان الإنساني فهو تلك الأرض بعد أن رويت بعرق الفلاح ,وشهدت ولادة أطفاله , وموت أجداده , وفي رواية (( طريق التبغ )) الأرض ليست مجرد (( تراب لزراعة اللفت )) , بل هي امتداد لجسد - جيتر- وهويته , والخراب الذي حل بالبيئة هو مرآة للخراب الذي حل بإنسانيته وعلاقاته الاجتماعية.

يُقدم لنا إرسكين كالدويل في هذه الرواية نموذجاً فجائعياً لـ (( الاستلاب الاقتصادي )) , لكن رد فعل - جيتر - يرفع الرواية من مجرد وثيقة إدانة للنظام الرأسمالي إلى مأساة إنسانية وجودية , وبخصوص رأس المال والمكان المحايد بالنسبة لأصحاب المصانع , المكان هو (( حيث توجد الأرباح )) , لذا , تحولوا إلى المدن ومصانع القطن بلا ندم , لأن المكان عندهم (( هندسي/رقمي )) - كم ينتج؟ وحين يرفض جيتر الهجرة قائلاً: (( أنا لا أستطيع أن أهاجر إلى مصانع القطن , إن للأرض سلطاناً كبيراً علي )) , فهو يعلن انتماءه للمكان الوجداني لا الهندسي.

اما مفارقة الألم: عندما يموت - جيتر - جوعاً فوق الأرض التي يحبها , ويرفض الذهاب إلى المدينة حيث (( الأكل المضمون والأجر الثابت )) , فحسب منطق رأس المال يقول إن جيتر (( مجنون )) أو (( غير عقلاني )) , لكن منطق الروح والإنسان يقول إن - جيتر -يدافع عن آخر ما يربطه بإنسانيته , المصنع سيمحو تفرده ويحوله إلى (( ترس )) في آلة , بينما الأرض - رغم قسوتها وجفافها - تمنحه سلطة الوجود والكرامة.

عندما انحدرت العلاقات الاجتماعية ولم يعد هناك من يشغل جيتر أو يهبه مالاً , انغلق العالم الإنساني في وجهه , هنا , تحول المكان (( الأرض )) من مجرد حيز مكاني إلى (( الآخر البديل )) , لم يعد لجيتر شريك أو سند سوى هذه الأرض , (( سلطان الأرض )) عليه ليس سلطان قهر وإذلال , بل هو سلطان (( جاذبية الروح )) , إنه يشعر برائحة التراب , ويتذكر أيام العز والزراعة , ويرى في ترك الأرض خيانة لذاته ولأجداده , انه سلطان الأرض كعاطفة بديلة عن العلاقات الاجتماعية , والمكان في الرواية لا يُرسم بالمسطرة , بل يُرسم بـ المشاعر , الخيبات , والأمل , وجيتر في نهاية المطاف ليس ضحية للجوع الفعلي فقط , بل هو ضحية (( التدنيس الرأسمالي للمكان الإنساني )) , حيث حاولت المدنية الحديثة تحويل (( الوطن/الأرض )) إلى مجرد (( عقار )) أو (( منطقة مهجورة )) , لكنه قاوم هذا التحول بـ (( جسده وروحه )) , مفضلاً الموت على أرض ذات سلطان , على الحياة في مصنع بلا روح.

ولو أسقطنا ماتقدم على الواقع العراقي بعد الاحتلال , لوجدنا انه إذا كان جيتر في رواية كالدويل قد قاوم (( سلطان المدينة )) ومصانع القطن متمسكاً بأرضه رغم الجوع , فإن الإنسان العراقي بعد عام 2003 واجه نمطاً أكثر قسوة وضراوة من تفكيك المكان وإعادة تشكيله بالقوة , فالاحتلال لم يغير فقط الأبعاد (( الهندسية أو السياسية )) للعراق , بل ضرب (( الأمان النفسي والإنتاجي للمكان )) , وتحول البلد من بيئة حاضنة ومحفزة للإنتاج البشري إلى بيئة طاردة للكفاءات , وهجرة العقول والمهرة (( تفريغ المكان من معناه الإنساني )) , حين تهاجر الكفاءات , والعلماء , والمندوبون المهرة في قطاعات النفط , والزراعة , والصناعة , فإن المكان لا يفقد (( أيدي عاملة )) بالمعنى الهندسي أو الرقمي , بل يفقد (( ذاكرته التراكمية وخبرته الروحية مع الأرض )) ,و الفلاح العراقي الذي ورث سر التعامل مع نخلة البصرة أو أرض السواد , والمهندس الذي فهم نبض آبار النفط في كركوك أو الرميلة , هم الذين كانوا يمنحون هذه الجغرافيا هويتها , وخروج هؤلاء حوّل الأماكن المنتجة إلى (( خرائب جغرافية )) تشبه إلى حد كبير أرض (( طريق التبغ )) المهجورة.

وتحت وطأة السياسات الاقتصادية بعد الاحتلال , وتحول العراق إلى سوق استهلاكية مفتوحة , جرى (( تدمير ممنهج )) للمكان الزراعي والصناعي , فالأرض الزراعية التي كانت مصدراً للأمن الغذائي والارتباط الروحي للفلاح (( مثل أرض التبغ واللفت في الرواية )) تحولت إلى أراضٍ بور أو جُرفت لتتحول إلى عقارات إسمنتية ومجمعات سكنية مشوهة , والمصانع الوطنية التي كانت تمثل كبرياء الطبقة العاملة العراقية تم إغلاقها , مما أجبر (( المهرة )) على الهجرة أو الانحدار إلى مهن هامشية لا تليق بخبراتهم , تماماً كما انحدرت العلاقات الاجتماعية في رواية كالدويل , حتى قطاع النفط - وهوعصب الاقتصاد الكلي- تحول في كثير من الأحيان من قطاع وطني يبني المكان , إلى بؤر استثمارية معزولة تديرها شركات أجنبية , حيث يُعامل الفني أو المهندس العراقي أحياناً كـ (( ترس )) في ماكينة عالمية , أو يُجبر على الهجرة بحثاً عن بيئة آمنة تحترم عقله وتضمن حياته , بعد أن تحول مكانه الأول إلى ساحة للصراعات والتصفيات.

تكمن المفارقة المريرة والرابط الفلسفي المشترك في أن جيتر الأمريكي كان يملك خيار الرفض والبقاء والموت جوعاً فوق ترابه لأن (( للأرض سلطاناً عليه )) , بينما الكفاءات والعقول العراقية أُجبرت على الهجرة إجباراً , فالتهديد لم يكن بالجوع فقط , بل كان بـ المحو الفعلي والتصفية الجسدية , والهجرة العراقية لم تكن (( سياحة )) أو (( رحلة بحث عن رفاهية )) , بل كانت (( تمزيقاً قسرياً لـسلطان الأرض )) في نفوس أبنائها , وحين تهاجر العقول , يصبح الوطن - المكان - مجرد حيز هندسي على الخريطة , وتفقد الجغرافيا أثمن ما يمنحها الحياة: الإنسان الذي يفهمها ويحبها ويُنتج فيها , وهكذا في الحالتين , جرى تفكيك (( المكان الإنساني والإنتاجي )) لصالح قوى عابرة للحدود , مما أدى إلى اقتلاع الإنسان من أرضه وتجريف هويته.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...


المزيد.....




- مصر ترشح -القصص- لخوض سباق الأوسكار 2027
- -لكل كتاب حكايتان.. حكاية النص وحكاية المنع-.. مصائر كتب أُر ...
- بعد دخوله العناية المركزة.. سامح حسين يوجه رسالة لجمهوره ويط ...
- بزي -إلف- السينمائي.. مواطنة موسكوفية تدلي بصوتها في انتخابا ...
- اختفاء 5 نساء يقود إلى كشف أدلة مروعة في منزل صانع أفلام إبا ...
- التعليم العالي:إعلان نتيجة تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الف ...
- أستراليا.. -باتمان- يخطف الأنظار على سطح دار الأوبرا في سيدن ...
- ليوبيموفا: افتتاح 289 مكتبة نموذجية عام 2027 ضمن المشروع الو ...
- لماذا كان الروس -يُخرجون القديسين- من البيت؟
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ )) إلى واقع العراق.