أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أماني الوزير.















المزيد.....

مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أماني الوزير.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 12:33
المحور: الادب والفن
    


تعني كلمة إيروتيكي كل ماهو متعلق بالحب أو الرغبة الجنسية بطابع فني , جمالي , وعاطفي , دون أن تصل بالضرورة إلى درجة الابتذال أو العرض الفاحش والمباشر , وهي مشتقة من الكلمة الإغريقية القديمة Eros , إله الحب والرغبة عند اليونان , وتعبر في أصلها الفلسفي عن قوة دافعة نحو الجمال والتعلق العاطفي والجسدي , وكمفهوم , يعتمد الإيروتيكي على التلميح , الرمز , والجماليات العاطفية لإثارة الخيال والاستجابة بطريقة غير فجة , بينما تعتمد (( الإباحية )) على العرض المباشر والمكشوف والتصوير الواقعي للأفعال الجنسية البحتة دون عناية بالقيم الفنية.

يزخر التراث العربي بالاحتفاء بالجسد بجسارة عالية ولا يتحرج من البوح , ويحوي تمردات واسترسالاً حسياً , لكنه نادرًا ما صِيغ بلغة فلسفية نقدية تهاجم مفهوم (( الشرف الأبوي )) وتطالب بالسيادة الفردية للمرأة كما يطرحها هذا النص الحديث , ولكن نجد الشبه في التراث على مستوى الجرأة الحسية والاحتفاء بالجسد (( الغزل الصريح للإناث )) , مثل خرنق بنت بدر والخنساء وغيرهن , فقد شاركت النساء في قول الشعر الجريء أو الذي يتناول الجسد دون عقدة (( الخجل الاجتماعي )) المعاصرة , فالشاعرة الأندلسية وحادة بنت المستكفي تُعد الأقرب من حيث التحدي العلني وإعلان الملكية الجسدية دون خوف من (( السمعة )) إذ طرزت على طراز ثوبها بيتَيْها الشهيرين: (( أَنَا واللَهِ أصلُحُ لِلمَعَالِي وأَمشِي مِشيَتِي وأَتِيهُ تِيهَا , أُمَكِّنُ عَاشِقِي مِن صَحنِ خَدِّي وأُعطِي قُبلَتِي مَن يَشتَهِيهَا )) , وهذا يتقاطع مع روح النص الحديث في تحدي القيود والأحكام الأخلاقية للعامة.

كتبت أماني الوزير نصا بعنوان (( امرأةٌ سيئةُ السمعة )) , هو صرخة تمرد صريحة وبناء شعري يسعى لتفكيك المفاهيم التقليدية حول (( الجسد )) , (( الشرف )) و(( الأنوثة )) في المجتمعات المغلقة , يبدأ النص بشرعنة الكتابة الإيروتيكية , ليتحول سريعًا إلى صراع وثائقي بين الذات الفردية والسلطة الأبوية/المجتمعية , وتفكيك ثنائية (( العاهرة / القديسة )) , حيث يلعب النص على كسر التنميط المجتمعي الذي يضع المرأة دائمًا في إحدى خانتين , إما (( قديسة )) مطيعة تقمع رغبتها , أو (( عاهرة )) يُهدر دمها الرمزي .

يطرح النص الخيار الثالث المفقود , المرأة الحقيقية التي تمتلك إرادتها وجسدها , الجسد كملكية خاصة وليس (( ميدان معركة )) , حيث تفكك الكاتبة مفهوم (( الشرف )) المربوط بالامتلاك الفردي , وهي ترفض أن يكون جسدها دفتر حضور للرجال , أو أرضًا تُفتح ويُرفع عليها علم العائلة , الجسد هنا يُعاد تعريفه ليس كغنيمة للرجل , بل كمساحة لسيادة المرأة الخاصة , ويكشف النص عن نقد ازدواجية الأخلاق المجتمعية , وعن التناقض الشهير , فالمجتمعات لا تحارب الممارسة بذاتها بقدر ما تحارب العلانية والمعرفة , (( الجريمة )) في نظر المجتمع ليست الممارسة , بل عدم الشعور بالذنب , وغياب الاعتذار العلني عما يُفعل في السر , ويصل النص إلى ذروته الفكرية عندما يوضح سبب الخوف الحقيقي للمجتمع من هذه المرأة , ليس لأنها تحب أو تمارس الإيروتيكية , بل لأنها امتلكت الحرية والسيطرة على قرارات الذات وأدواته (( نعم , لا , تعال , ارحل )) بعيدًا عن وصاية الشيخ أو الأب أو الزوج.

يتميز النص بقوة الطرح والصدق الشعوري , وبجرأة عالية وجرس إيقاعي ساخن ومباشر , ينزع الأقنعة دون تجميل , استطاعت الكاتبة أن تحول (( الوصمة )) - سيئة السمعة - إلى درع للحرية , وهو أسلوب أدبي معروف لإعادة امتلاك المظلوم للألقاب التي أُطلقت عليه لإهانته , ويعيد البُعد الفلسفي والأخلاقي بإحياء مفهوم (( الشرف )) , فالشرف الحقيقي لدى الشاعرة ليس الصمت والقمع , بل الصدق مع الذات ومواجهة الخوف , (( أكثر شرفًا من كل الرجال الذين أرادوا أن يقتلوا امرأة ليثبتوا أنهم شرفاء )) .

هذا النص ليس مجرد بوح إيروتيكي , بل هو مانيفستو - بيان - حرية ووجود , إنه صراع بين (( المرأة كما يراها المجتمع )) و(( المرأة كما هي في الحقيقة )) , يختتم النص بمرارة واقعية تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في رغبة المرأة , بل في عجز العالم عن استيعاب امرأة حرة لا تخاف ولا تستأذن لتكون ذاتها , انه ليس مجرد نص شعري عن الحب أو الرغبة , بل هو بيان فكري وثوري يسعى لتفكيك المنظومة الأبوية والأخلاقية المعيارية التي تُحاصر جسد المرأة ووجودها , ويعتمد استراتيجية أدبية تقوم على (( إعادة امتلاك الوصمة )) حيث تأخذ الشاعرة اللقب الإقصائي الذي يرميها به المجتمع (( امرأة سيئة السمعة )) , وتفكك أبعاده لتجعل منه شهادة حريّة واستقلالية.

رغم وجود الجرأة والإيروتيكية في التراث , إلا أن هذا النص المعاصر يمتاز بخصائص لم تكن متبلورة مفاهيميًا في الأدب القديم , وتضع الخاتمة الأصبع على الجرح الحضاري , المشكلة لم تكن في المرأة التي عرفت ما تريد , بل في مجتمع وعالم غير مستعد بعد لمواجهة امرأة حرة , صريحة , وتستطيع النظر في عين الحقيقة (( دون أن يرف لها جفن )) .

صباح الزهيري .

"امرأةٌ سيئةُ السمعة"
ولأن الإيروتيكية ليست عيبًا،
أردتُ أن أخلع الرداء عن القلم
لأدليَ باغترافٍ
من امرأةٍ سيئةِ السمعة.
تقول امرأةٌ سيئةُ السمعة:
قالوا إنني أُحبُّ كثيرًا،
وأن المرأة التي تعرفُ عددَ المرات
التي ارتجف فيها قلبُها تضامنًا مع جسدها
لا تصلحُ زوجةً لرجلٍ محترم.
قالوا إنني حين أُقبّلُ رجلًا
لا أُقبّلُه بشفتيّ فقط،
بل بجسدي كاملًا،
وأفتحُ له كل الأبوابَ المحرّمة
التي أمضوا أعمارهم
يضعون عليها الأقفالَ والتوابيت.
لذلك سامحوني...
أنا لم أكن امرأةً مؤدبة هه.
كنتُ أريدُ جسدي كاملًا،
لا النسخةَ التي تركها الرجالُ لي
بعد أن قصّوا منها الرغبة،
وخيطوا مكانها كلمة: "عيب"
كدليل على أن تاريخي خاليا تمامًا
من الشهوةِ.
كنتُ أريدُ أن أقول:
هذا فخذي، وهذه رقبتي،
وهذا المكانُ الذي لا يحقُّ لأحدٍ
أن يضعَ عليه اسمَه
لمجرد أنه أحبني بكامل رغبتي وبكامل اتقادي حين أحب.
كنتُ أريدُ رجلًا
إذا نزعتُ ثوبي أمامه
لا يفتشُ عن شرفه.
رجلًا لا ينظرُ إلى عريي
كغنيمة،
ولا إلى رغبتي كاعترافٍ بهزيمة ساحقة.
كنتُ أريدُ أن أقول له:
اقترب...
لكن لا تملكْني.
قبّلني...
لكن لا تكتبْ على فمي
اسمَ عائلتك.
نم معي...
لكن لا تستيقظ صباحًا
لتفتشَ في جسدي عن دليلٍ أنك كنتَ أولَ الرجال.
ألا يكفيك أن تكونَ آخرهم؟
أنا لستُ دفترَ حضور.
ولستُ وطنًا فوق خرائط الفضيلة
يُرفع فوقه العلم
كلما انتصرَ رجلٌ على امرأة حرة،
أو على شهوته.
أنا امرأة. وقد أحببت.
يا للفضيحة!
أحببتُ رجلًا
حتى نسيتُ أن أكونَ محترمة.
وضعتُ رأسي على صدره وهمست
لقلبه بكل أفكاري الممسوسة بالجرأة
دون أن أسأل
إن كان مسموحًا لقلبي أن ينامَ هناك
دون أن أسأل
إن كان مسموحا لافكاري أن تتمدد عارية في مخيلته.
قبّلتُه
كما لو أن العالم
لن يعودَ بعد القبلة
إلى عادته القديمة
في صناعة العهر كلما التقى جسدان على سرير.
في الليل...
حين نامَ هو،
بقي جسدي مستيقظًا.
كان يعرفُ شيئًا
لم أتعلمه في المدرسة:
أن الرغبةَ ليست عارًا.
وأن المرأة لا تصبحُ أقلَّ شرفًا
حين تعرفُ ما تريد،
وكيف تريد،
ومتى ترغب،
ومتى تتوقف،
ومتى تتمدّد عاريةً من كل الخوف في حضرة الرغبة.
بل ربما...
تصبحُ أكثرَ خطورة، وأقلَّ حزنًا.
لذلك خافوا مني.
لم يخافوا أن أُحبَّ رجلًا.
خافوا أن أعرفَ
أنني أستطيعُ أن أقول له:
لا.
وأن أقول له:
نعم.
وأن أقول له:
تعال.
ثم أقول له:
ارحل.
دون أن أحتاجَ
إلى موافقة شيخٍ، أو توقيع أبٍ،
أو شهادة رجلٍ آخر بأنني ما زلتُ امرأةً محترمة.
أنا امرأةٌ سيئةُ السمعة.
وهذه جريمتي الوحيدة،
ربما.
لأنني لم أعد أستحي
من الأشياء التي تفعلها النساء في السر،
ثم يقضينَ أعمارهن في الاعتذار عنها علانية.
أنا سيئةُ السمعة
لأنني أحببتُ جسدي قبل أن يسمحَ لي أحد.
ولأنني ذاتَ ليلة نظرتُ في المرآة
ولم أبحث عن عيوب امرأةٍ تصلحُ للزواج.
بحثتُ عني.
ووجدتني.
عاريةً من خوفٍ قديم،
وأكثرَ شرفًا من كلِّ الرجال
الذين أرادوا أن يقتلوا امرأةً ليثبتوا أنهم شرفاء.
في الحقيقة...
لم أكن سيئةَ السمعة.
كنتُ حقيقية.
وكانت حقيقتي أنقى من قدرتهم على استيعابها.
لم أكن عاهرة. ولا قديسة.
كنتُ امرأةً فقط...
لكنني كنتُ امرأةً
بكامل جسدي،
وبكامل رغبتي،
وبكامل حقي
في أن أقول:
أنا أريد.
لكن على مايبدو أن الكون لم يكن
مستعدًا بعد لامرأةٍ تعرفُ
كيف تقول ما تريد
دون أن يرف لها جفن.
Amany Alwazeer






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .


المزيد.....




- روسيا.. مديرة معرض تريتياكوف تعلن إحياء المجلة الفنية
- 95 عاما من سحر العرائس.. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي ...
- فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م ...
- أولغا كابو ونينا شاتسكايا تقدمان -ذكرى الشمس- عن آنا أخماتوف ...
- وزير الثقافة الإسرائيلي يطالب الشاباك بالتحقيق في مصدر معلوم ...
- حين وصلت غزة إلى منصة إد شيران: ماكلمور يشعل أزمة سياسية في ...
- بعد غياب لسنوات.. الفنان هشام عبد الحميد يعود إلى مصر
- معرض تريتياكوف يفحص حالة -الثالوث- لروبليف في ورش دير لافرا ...
- بمشاركة 200 ناشر من 67 دولة.. إسطنبول تحتضن ورشة عمل للنشر ا ...
- انسحاب 3 فنانين من جولة -إد شيران- بعد استبعاد المغني ماكلمو ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أماني الوزير.