أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك .














المزيد.....

مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 18:27
المحور: الادب والفن
    


في عالمٍ يموج بالضجيج , وتتسابق فيه الألسن للظفر ببريق (( اللقطة )) وشغف الموقف , ينساب اللغو في حياتنا اليومية ليغدو سارقاً خفياً لأغلى ما يملك الإنسان , وقته وشرفه وهيبته , ليس اللغو مجرد فضولٍ من القول , بل هو انزلاقٌ تدريجي يفقد المرء زمام نفسه , ويرمي به في شباك الندم. فكم من كلمة أُفلتت من عقالها , فلم تترك لصاحبها خطاً للرجعة , واللغو هو كل كلام أو فعل لا خير فيه ولا فائدة منه في الدين أو الدنيا, ويؤدي الانشغال به إلى أضرار كبيرة على الفرد والمجتمع , وقد حث الشرع على الإعراض عنه وحفظ الأوقات والألسنة, ومن مخاطر وأثار اللغو , إضاعة الوقت , واستنزاف ساعات العمر فيما لا يعود بالنفع , وضياع الفرص الثمينة في العمل النافع , كما ان كثرة الكلام الباطل والمزاح الزائد تُميت القلب , وتورث الغفلة , ويجرّ اللغو إلى الجدال العقيم , والسباب , والخصومات بين الناس , وان شغل النفس بالترهات والقيل والقال يقلل من احترام الشخص ويهبط بمكانته ومروءته .

جاء في كتاب (( مَجمع الأمثال )) لأبي الفضل الميداني , هذا المثَل : (( رُبَّ كلمةٍ تقولُ لصاحبها دَعْنِي)) , و يُضرب في النهي عن الإكثار مخافة الإهجار - والإهجار هو لغو القول وساقطه - وقد أورد أن ملكاً من ملوك حِمْيَر , ذكروا انه خرج مُتَصَيِّداً ومعه نديم له كان يُقَرِّبه ويكرّمه , فأشرف على صخرة مَلْساء , وقَف عليها , فقال له النديم : لو أن إنساناً ذُبِحَ على هذه الصخرة إلى أين يبلغ دمه ؟ فقال الملك : اذبحوه عليها ليرى دمه أين يبلغ , فذُبح عليها , فقال الملك : (( رُبَّ كلمة تقول لصاحبها دعني )) .

أحياناً (( تحكم القافية )) , كما يُقال , ولا يجد المرءُ مهرباً من تحرير النكتة من جوفه , والبوح بها , على طريقة : (( سبَق السيفُ العذل )) , ومن أشهر الحكايات عن ذلك حكاية الأديب المصري الساخر محمود السعدني أو الولد الشقي , يُروى أن جواسيس السادات سمعوه عبر الهاتف وهو يقول : (( عبد الناصر أشبع المصريين خوفاً طوال 18 عاماً , بينما السادات موّت المصريين من الضحك خلال 18 يوماً )) , فدخل هو السجن .

يحدثنا التراث على مخاطر اللغو قصصا وأمثالا , كقصة الأحنف بن قيس وحفظ الوقت والتغاضي عن الجدال , يُحكى أن رجلاً شتم الأحنف بن قيس واستمر في شتمه واللغو في حقه , فمشى الأحنف ولم يرد عليه , فلما قرب من حيه وقف وقال للرجل : (( يا هذا , إن كان قد بقي في قلبك شيء فقل الآن قبل أن يراك سفهاء قومي فيؤذوك )) , وقد ضرب الأحنف أروع مثال في الإعراض عن الجدال العقيم ومحق الفتنة في مهدها لحفظ العلاقات ومكانته بين الناس , وعن موقف الأحنف بن قيس في قسوة القلب بالفضول سُئل الأحنف بن قيس: (( ما أدّبك؟ )) قال : (( إذا رأيت من غيري شيئاً استحسنته أتيته , وإن رأيت قبيحاً تركته , وعلمت أن كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسّي القلب وتورث الغفلة )) , وكان يُثرِثِر عنده رجل ذات يوم , فقال له الأحنف : (( يا هذا , إنك تُملي على حافظيك كتاباً إلى ربك , فانظر ماذا تُملي )) .

وهناك قصة الإمام الشافعي ووزن الكلام , فقد مرّ الإمام الشافعي برجل يتكلم بما لا يعنيه ويخوض في القيل والقال , فقال له : (( يا هذا , إنك تكتب على نفسك كتاباً إلى ربك , فاقتصر فيه على ما ينفعك ودع ما لا يعنيه , فإن فضول الكلام يذهب بالهمة ويورث الحرمان )) , وقصة معاذ بن جبل والنبي في حفظ اللسان والفلاح - عندما سأل معاذ بن جبل النبي عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده عن النار , أخذ النبي بلسان نفسه وقال : (( كُفَّ عليك هذا )) , فقال معاذ : (( وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ )) فقال : (( ثكلتك أمك يا معاذ , وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ )) , إشارة إلى أن اللغو واللسان الفلتان من أكبر حواجز الفلاح.

قصة المتكلم أمام عمر بن عبد العزيز - سقوط الهمة بالمزاح - دخل رجل على عمر بن عبد العزيز وأكثر من الفضول والكلام والمزاح الباطل ليلفت انتباه الحضور , فنظر إليه عمر وقال : (( إذا رأيتم الرجل قد أُعطي كثرة الكلام ولم يُعطَ العمل , فاعلموا أن همته قد انحطت , وأن خبيئته قد ساءت )) , فكان ذلك وزناً تراثياً لمبدأ أن اللغو يذهب بالمروءة والهيبة.

لا ريب أن النكتة أو التعليق الساخر قد يكونان سلاحاً ماضياً قاطعاً ضد الخصوم , وقديماً سخرت الشعوب أو سخر بعض الساسة من خصومهم , وتبارى الشعراء في الإمعان بالسخرية من الخصوم , وكثيراً ما قدّموا خدماتهم هذه لنيل رضا السلطة , هذا في فنّ الشعر , ومن أشهر الهجائيات العربية في فنّ الترسّل والنثر ما كتبه أبو حيّان التوحيدي في كتابه (( مثالب الوزيرين )) , وان شهوة التعليق وسلطة (( الإفّيه )) جارفة تقود صاحبها وتتحكّم بلسانه , غير أن العاقل هو من يملك نفسه , ويمسك زمام لسانه , فهو السيّد على نفسه وليس شهوة التعليق والخضوع لإغراء اللقطة وبريق النكتة , والتشهّي بإعجاب الحضور وانكسار الخصم , فحاذروا : رُبّ كلمة قالت لصاحبها دعني .

إن امتلاك النفس عند إغراء التعليق , وكبح جماح الرغبة في انتزاع إعجاب الحضور بنكتةٍ أو سخرية , هو المحك الحقيقي لمروءة العاقل ورجاحة عقله , فاللسان عبدٌ لك ما لم تتكلم به , فإذا خرجت الكلمة صرت أنت أسيرها , فاحذروا شهوة الحديث التي تطفئ نور القلب وتذهب بالهيبة , واعلموا أن سلامة المرء في حفظ لسانه , فـ (( رُبَّ كلمةٍ قالت لصاحبها : دَعْنِي )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...


المزيد.....




- جدل حول زيارة رئيس المخابرات المصرية السابق لإسرائيل قبل 7 أ ...
- الموسيقى متنفس أطفال غزة
- بعد مشاركته في احتجاج.. الهند تطلب من الممثل عمران خان مغادر ...
- -شوغر دادي- و-أنا مش عارفني- تفتتحان عروض موسم الرياض المسرح ...
- أربعة أفلام في شهر واحد.. البيتلز تراهن على عودة الجمهور للس ...
- «العزم» يعلن مرشحيه لوزارتي التخطيط والثقافة
- زيندايا تنضم لفيلم خيال علمي جديد من إخراج أليكس غارلاند
- ما علاقة موضة الكشكش بالشر؟ ممثلة بريطانية تحوّل أزياءها إلى ...
- المسرحي الغزي علي أبو ياسين ينال لقب -كاتب الشجاعة- لعام 202 ...
- فيلم -اغتراب- يتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان تطوان وتنويه خاص ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك .