أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة المعاصرة .














المزيد.....

مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة المعاصرة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 10:45
المحور: الادب والفن
    


من أشهر الهجائيات العربية في فنّ الترسّل والنثر ما كتبه أبو حيّان التوحيدي في كتابه (( مثالب الوزيرين )) , إذ لم يكن النص مجرد تفريغٍ لضغينةٍ عابرة , بل كان تشريحاً أدبياً وسياسياً نادراً لسلوك السلطة حين تقترن بالغرور والإقصاء , واليوم , ونحن نطالع المشهد السياسي لما بعد الغزو , نجد أننا لا نحتاج إلى ابتكار أدواتٍ جديدة لكشف عورات هذا الواقع , فالنماذج التي استعرضها التوحيدي في شخصيتي (( ابن العميد )) و(( الصاحب بن عباد )) تجد شاخصها الصارخ في شخوصٍ اعتلت سدة الحكم في عصرنا الحديث , لقد أثبتت التجربة المعاصرة أن مثالب السلطة عابرةٌ للأزمان , فالبخل بالحقوق , والاستخفاف بعقول المواطنين , وتهميش العقول والرموز الأدبية والفكرية , واستبدال الكفاءة بالولاء الضيق , كلها سوءاتٌ أُعيد إنتاجها بصورةٍ أشد رثاثة , لتصبح كتابة (( مثالب )) هذا العصر ضرورةً إنسانية ووثيقةً تاريخية تُعرّي زيف الوعود وتخلّد معاناتنا مع طبقةٍ جعلت من إدارة الدولة غنيمةً ومزاداً.

لو عاد أبو حيان التوحيدي في عصرنا هذا , لما كلف نفسه عناء التفتيش عن أشكال جديدة للخراب , بل لإعفاء (( ابن العميد )) و(( الصاحب بن عباد )) من دِوَاية هجائه , ولمنح كراسته للطبقة السياسية التي تصدّرت مشهد ما بعد الغزو , إن المثالب التي صاغها صاحب (( مثالب الوزيرين )) قديماً من استبداد بالرأي , وغرورٍ صَلِف , واحتكارٍ للمال العام , وتهميشٍ لأهل الفضل والأدب , لم تندثر , بل أُعيد إنتاجها في تجربة السياسة المعاصرة ولكن بصورة أشد رثاثة , إننا اليوم لا ننقد مجرد أسماء في السلطة , بل نتشوف - على طريقة التوحيدي - لـ (( تشريح )) ظاهرة سياسية جعلت من المحاصصة ملاذاً ومن الفساد عقيدة , لنكتب بشهادة المعاناة الشخصية والجمعية صفحة جديدة من كتاب المثالب .

ولعلّ الناظر في ملامح المشهد السياسي المعاصر يرى في سلوك رجالاته نسجاً مكرراً لما خطّته يمين التوحيدي , فلم تكن أزمة (( ابن العميد )) في نظر أبي حيان مجرد إخفاقٍ في الإدارة , بل كانت ادعاءً للعلم وتكبّراً على الرعية , وهو عين ما نلمسه اليوم في سياسيّي المصادفة الذين ألبستهم الظروف أثواب القيادة , فظنّوا أن السلطة هبةٌ أبدية , والتنكيل بمقدرات البلاد حقٌ مكتسب , لقد تحوّلت الوزارة في زماننا من تليفٍ للخدمة ومسؤوليةٍ أمام الأمة إلى مغنمٍ فئويٍّ وملاذٍ للاستنعاش على حساب الجياع.

أما (( الصاحب بن عباد )) العصر الحديث , فلم يعد يكتفي بالبخل عن أهل الفضل وجفاء الأدباء كما كان في العصر البويهي , بل تجاوز ذلك إلى تجفيف منابع الثقافة , وإشاعة الابتذال , وتهميش العقول ورجالات الفكر , واستبدال أهل الخبرة والتخصص بأصحاب الولاءات والدكاكين الحزبية , لقد أضحى بخل الجاه ونكود العطاء سِمةً عامة لطبقةٍ لا ترى في المواطن إلا رقماً في مواسم الانتخاب , وفي الوطن مجرد مائدةٍ تُقتسم في غرف المحاصصة المغلقة.

إن كتابة (( مثالب سياسيي ما بعد الغزو )) ليست مجرد تشفٍّ أو تفريغٍ لمراراتٍ شخصية , بل هي وثيقة شهادةٍ يكتبها العقل المفكك في مواجهة السطوة , والأدب الحُر في مواجهة الفساد المعمّم , إنها محاولة لاسترداد قيمة الكلمة التي حاولوا تدنيسها , وإعادة تذكير هذا الواقع بأن الترف الزائف والمناصب الزائلة ستمضي , ولن يبقى في مدونات التاريخ إلا ما خُطّ بنار النقد وصريح الحقيقة .

ومثلما استحال قلم التوحيدي إلى مبضع جراح يشرّح به أخلاق الحكّام ونقائصهم , فإنّ حاجتنا اليوم إلى ذلك النمط من النثر الناقد أشد وأعظم , إن (( مثالب )) زماننا لا تقف عند حدود الشحّ بالمال أو الكبر الفردي , بل تتعداهما إلى تفكيك مفهوم الدولة وإحالة مقدراتها إلى مقاطعاتٍ ومغانم , لقد استطاع التوحيدي أن يجعل من ألمه الشخصي وجفاء الوزيرين وثيقةً تكشف عورة العصر البويهي برمته , واليوم يُعيد التاريخ نفسه بأسماء جديدة وأقنعة مختلفة , ليقف المثقف والمواطن على حد سواء في مواجهة طبقة سياسية استمرأت إهانة العقل وتهميش الإبداع , ومن هنا تغدو استعادة هذا النفس التوحيدي في الكتابة ليست مجرد محاكاة لأسلوب أدبي قديم , بل هي فعل مقاومة بالكلمة , وإشهارٌ لشهادة التاريخ ضد مرحلة جعلت من الفساد منهجاً ومن الاستبداد الناعم قَدَراً محتوماً.

وهكذا يبدو أن (( مثالب )) العصور لا تموت , بل تتبدّل أثوابها ويشتدّ وِزرُها , فما خَطّه التوحيدي بمرارة قلمه لم يكن مجرد هجاءٍ لزمانه , بل كان كشفاً مبكراً لداء السلطة حين تُنسى الرعية ويُستباح الحق , إن سيرة الحكام تتلاشى , والجاه الزائف يزول , والمناصب تبيد , ولا يبقى في حافظة الأيام إلا الكلمة الصادقة التي تعري الزيف وتسجل شهادة العقل ضد العبث , وستظل مدونات التاريخ تصنف الرجال , فمنهم من يمرّ كأثرٍ بعد عين , ومنهم من يترك في جدار الزمن أثراً لا يُمحى , وإذا كانت صفحة (( الوزيرين )) قد طُويت قديماً , فإن كتابة (( مثالب )) هذا العصر ستظل وثيقة مفتوحة , تتلقفها الأجيال لتدرك أن العدل أساس الملك , وأن صوت الأدب والفكر أطول عمراً من صولجان الاستبداد.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .


المزيد.....




- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة المعاصرة .