أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع العراقي .















المزيد.....

مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع العراقي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 19:13
المحور: الادب والفن
    


نشرت نغم عبود نصا يعود لخورخي بورخيس : (( بعد أنْ قتلَ قابيل أخاه هابيل , التقى الأخَوان من جديد , في أرضٍ خلاء , مِنْ بعيدٍ عرفَ كلٌّ منهما الآخر , فكلاهما كان مدِيدَ القامة , جلس الأخَوان أرضاً وأشعلا نارا وأعَدّا طعاماً , كانا صامتَيْن كما يصمت الأشخاص المتعَبون في آخر النهار , وفي السماء الْتَمعَتْ نجومٌ لم تكن لها أسماء في ذلك الزمن البعيد , على ضوء اللهب , رأى قابيل أثرَ ضربةِ الحجَر على جبهة أخيه , فسقطَت قطعة الخبز من يده , قبل أن يحملها إلى فمه , وطلب الصفحَ عن جريمته , قال له هابيل : أأنتَ الذي قَتَلْتَني , أم أنا الذي قتلتُك ؟ إنّي ما عدتُ أتذكر , وعلى أيّة حال , فها نَحْنُ معا , كما كنا في الزمن القديم , قال قابيل : الآن أيقنتُ أنك صفحتَ عني , لأنّ النسيانَ هو الصفح , أنا أيضا , سأحاول أن أنسى , أجاب هابيل بصوت هادئ نعم , هو ذاك , فالخطيئة تَبْقىٰ ما بَقِيَ النَّدَم.

يعيد خورخي لويس بورخيس في هذا النص الصغير صياغة واحدة من أقدم التراجيديات الإنسانية (( قصة قابيل وهابيل )) ليحولها من ندم أبدي وعقاب ممتد إلى مساحة من السلام النفسي , مفككاً مفهوم الغفران والعقدة النفسية المرتبطة بالذنب , فالمكان والزمان المفترض واللقاء في (( أرض خلاء )) وتحت نجوم بلا أسماء يرمز إلى أزليّة الفكرة , وكأن اللقاء يحدث خارج حدود الزمان والمكان التقليديين , في منطق مطلق تتجرد فيه التركات التاريخية , وسقوط الخبز من يد قابيل لحظة رؤية الأثر يعكس بقاء أثر الجريمة حياً في ذاكرة الجاني مهما طال الزمن , فالذنب يُفسد على الإنسان لحظات حياته البسيطة والأولية (( كأكل الخبز )) , واستفهام هابيل (( أأنت الذي قتلتني , أم أنا الذي قتلتك؟ )) ليس جهلاً بالواقعة , بل تعالياً عليها , هو إلغاء أسبقية الضحية والجاني , ويسحب الصراع من خانة الانتقام وتحديد المسؤوليّات إلى خانة تجاوز الألم بالكامل .

الدروس المستفادة : يمتاز أدب بورخيس بالتلاعب بالحقائق الدينية والتاريخية لإبراز أبعاد فلسفية إنسانية , النص لا يدعو إلى تنصل الجاني من مسؤوليات أخلاقية في الواقع , بل يغوص في العمق النفسي للغفران , فالضحية الحقيقية عندما تكتفي من الألم , تمنح التسامح عبر(( النسيان )) بينما يتطلب التعافي الحقيقي للجاني أن يتوقف هو أيضاً عن جلد ذاته بالندم ليستطيع الاستمرار , النسيان هو المدى الأقصى للتسامح, ان أعمق درجات الصفح ليست مجرد القبول الشكلي بالاعتذار , بل تحويل الضغينة إلى نسيان تام يُجرّد الجريمة من سلطتها السيكولوجية , كما ختم هابيل النص بأن الندم هو الوقود الحقيقي للخطيئة , فالخطيئة لا تستمر بسبب الفعل ذاته والذي انتهى بمرور الزمن بل تستمر طالما ظل الندم حاضراً , وإيقاف الندم وإعادة بناء الجسور هو السبل الوحيد لإماتة الذنب , وتجاوز الماضي لبناء الحاضرفي جلوس الأخوين معاً وإشعال النار يعكسان أن التعايش والاستمرار يتطلبان القفز فوق أحداث الماضي المحزنة بدلاً من إشعالها مجدداً بالتلاوم.

هذا النص الفلسفي لبورخيس يلامس الوجع العراقي في أعماق جذوره وبشكل يدعو للتأمل والعمق , ويقدم زاوية رؤية قادرة على تفكيك الانسداد الحضاري والنفسي الذي يعاني منه المجتمع العراقي اليوم , ويقدم للعراق (( روشتة تعافٍ نفسي ومجتمعي )) , لا يمكن للبلاد أن تنهض إن بقيت أسيرة لما حدث في الماضي , التعافي يبدأ عندما يتوقف الجاني والضحية عن تكرار الرواية القديمة , ويتجهان معاً لإشعال نار الحاضر واقتسام خبزه بعيداً عن ألم الماضي , فإذا أسقطناه على الواقع العراقي المرير , يمكننا استخلاص دروس ونقاط تقاطع مكثفة :

تفكيك جدار (( الندم والضغينة )) التاريخية , حيث يمر العراق منذ عقود بأزمات متلاحقة وتصفية حسابات طائفية وسياسية واجتماعية لا تنتهي , الكراهية في العراق غالباً ما تُغذى بـ (( استدعاء الماضي )) وإبقاء جراحه نازفة , والدرس العراقي , لن يتجاوز العراقيون محنتهم طالما بقي الطرفان (( الضحية والجاني في المفهوم المجتمعي أو السياسي )) متمسكين باسترجاع أدوار القاتل والقتيل , فالتعافي يتطلب إيقاف شريط الماضي المتكرر , والخروج إلى (( أرض خلاء )) تجمع الجميع على أساس المواطنة والبناء.

النسيان العقلاني كشرط للبناء , في النص , يقول قابيل: (( أيقنتُ أنك صفحتَ عني , لأنّ النسيانَ هو الصفح )) , والدرس العراقي ,النسيان هنا لا يعني (( محو العدالة )) أو الضياع الشكلي للحقوق , بل يعني تجاوز الثأر النفسي , إن الغرق في ذاكرة مظلوميات الماضي يمنع صناعة المستقبل , والتسامح الحقيقي والمستدام في العراق يحتاج إلى قدرة مجتمعية وسياسية على نسيان مسببات الاقتتال والتركيز على الخبز والنار اللذين يجمعان العراقيين تحت السماء نفسها.

الخطيئة تعيش بالندم والانشغال بالماضي , يختم هابيل بقوله: (( الخطيئة تَبْقىٰ ما بَقِيَ النَّدَم )) , الدرس العراقي في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي الذي يمارس تجليد الذات وإعادة إنتاج الأخطاء نفسها تحت مسميات مختلفة , ان الانشغال بجلد الذات والندم المستمر أو إلقاء اللوم على الأطراف الأخرى يُبقي الخطيئة حية ومستمرة , والخروج من الدوامة يتطلب الانتقال من سيكولوجية الذنب والتلاوم إلى عقلية الفعل والتجاوز.

الوعي بـ (( الاشتراك في المصير )) , عندما جلس الأخوان يتقاسمان الخبز ويستدفئان بالنار , اكتشفا أنهما في النهاية مجرد إنسانَين تعِبَين في آخر النهار , وتظلهما نجومٌ واحدة , الدرس العراقي ان العراقيون اليوم بمختلف مكوناتهم يواجهون التعب ذاته , أزمات المياه , التغير المناخي , الوضع الاقتصادي , وضغوطات الحياة اليومية , الاكتشاف المهم هو أن الجميع في (( سفينة واحدة )) , وأن استنزاف الطاقات في المظلوميات القديمة يمنع العيش الكريم الحاضر.

يحفل التراث الإنساني والعربي والإسلامي بنماذج وحالات تجسد هذا (( التسامح المترفع )) وإطفاء جراح الماضي لتجاوز سفك الدماء وإعادة بناء الحياة , حيث يلتقي الخصوم أو الجناة والضحايا في نقطة (( طوي الصفحة )) من أجل مصير أعم , ومن أبرز هذه النماذج :

موقف النبي يوسف مع إخوته (( التسامح المطلق)) , فقد ألقاه إخوته في البئر وتركوه للموت أو الضياع ,وحرموه من أبيه ووطنه , وجاءت لحظة التجاوز عندما تمكن يوسف وصار ((عزيز مصر )) وحضر إخوته بين يديه أذلة خائفين من الانتقام , لم يكتفِ بالعفو , بل ألغى الذنب كأنه لم يكن , وقال جملته الشهيرة: (( قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )﴾ , والشاهد, يوسف لم يكتفِ بعدم العقاب , بل رفض حتى مجرد (( التثريب )) - أي التوبيخ أو التذكير بالجريمة - محولاً الماضي إلى نسيان تام لإعادة تجديد الروابط الأسرية.

حلم الأحنف بن قيس ودية ابن أخيه , وهو من يُضرب المثل به في الحلم والتسامح عند العرب , وتذكر الكتب التراثية أن رجلاً أتاه يوماً وقال له : (( إن ابن أخيك قتل ابنك )) فلم يضطرب الأحنف ولم يقطع كلامه , بل التفت إلى ابن أخيه الجاني وقال له بصوت هادئ: (( أثمت بربك , وقطعت رحمك , وقتلت نفسك )) لأن القتيل والقاتل أهله , ثم أردف بأن أمر بدية القتيل لأمه , وأمر بحق الجاني من المال ليفتدي نفسه , وقال: وارتحل عني فإنك تُذكرني بالجريمة , والشاهد , ترتفع هذه الحادثة عن الانتقام العشائري وسلسلة الثارات المتصلة , محولةً المأساة إلى إيقاف نزيف الدم وتغليب العقل لمنع الدمار الشامل للقبيلة.

حوارات الفلسفة والإصلاح (( ابن رشد وأسطورة الحوار)) , في التراث الأندلسي والفلسفي , ركّز متصوفة وحكماء مثل ابن عربي وابن رشد على مفهوم (( المحو )) فالحكمة لا تبنى على أن يستذكر العقل آلامه المادية , بل على إفراغ الذاكرة الجمعية من أسباب الحقد لفسح المجال للحكمة والإصلاح.

صلح الحسن بن علي (( حقن دماء الأمة )) , من أنصع الحالات التاريخية في تفضيل (( السلام والتعايش )) على إدمان الاقتتال , موقف الإمام الحسن بن علي عندما اختار عام الجماعة وحقن دماء المسلمين بعد سنوات من الحروب والتناحر, وآثر ترك الصراع على السلطة وإيقاف دوامة القتل والتلاوم , مقدماً خيار حفظ الإنسان والدم العراقي والإسلامي على استمرار الجراح التاريخية المفتوحة.

يظل الدرس المتكرر واحداً , سواء في أدب بورخيس أو في نماذج التراث العربي والإسلامي , الانتقام يطيل عمر الجريمة , بينما التسامح والنسيان العقلاني هما الوحيدان القادران على إماتتها.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.


المزيد.....




- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...
- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...
- مخطوطات موريتانيا في مواجهة التحديات.. هل تنقذها الرقمنة من ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع العراقي .