أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للحب.














المزيد.....

مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للحب.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 12:59
المحور: الادب والفن
    


تقدم الكاتبة كريمة الحسيني نصا مكثفا ومشحونا , يمثل لوحة تعبيرية بالغة الأثر في عزفها على أوتار المفارقة والاصطدام بين عالمين , عالم الحس المادي الاستهلاكي (( الذي يمثله الرجل الشرقي في النص )) , وعالم الحس الروحي والجمالي الشفاف (( الذي تمثله الذات الشاعرة )) , وما يفرضه ذلك من صراع الهوية والأنوثة الكامن فيها تحت عنوان : (( البحث عن لغة أخرى للغواية )) , وفي عتبة العنوان نجد صراع (( لغات )) الغواية يضعنا مباشرة أمام الأزمة المركزية , فشل لغة التواصل التقليدية , اذ ان الغواية التقليدية , هي غواية بصرية ومادية تعتمد على مقاييس جسدية نمطية كـ (( الامتلاء , الشعرالأسود الطويل , المساحيق )) , بينما الغواية البديلة التي تبحث عنها الشاعرة هي غواية الكلمة , والارتعاش العاطفي , والشفافية الروحية.

(( حبيبي رجل شرقي )) , تعلن القصيدة منذ البداية إفلاس اللغة اللفظية والأغنيات أمام نوع من الرجال تم نمذجته تاريخياً واجتماعياً بـ (( الرجل الشرقي )) الذي يربط الغواية بالمرئي والملموس فقط , وان استدعاء صفة (( شرقي )) هنا ليس مجرد تحديد جغرافي , بل هو استدعاء لحمولة ثقافية كاملة , (( الرجل الشرقي )) في الوعي الجمعي والشعري غالباً ما يرتبط بالشهوانية الحسية , والرغبة في الامتلاك , والافتتان بالمعايير الجمالية الكلاسيكية (( السمنة كدليل على الخصوبة والرفاهية , والشعر الطويل كرمز للأنوثة التقليدية )) , إنه رجل (( بصري )) بامتياز , يرى بعينيه لا بقلبه .

تبني الكاتبة نصها على سلسلة من التقابلات الحادة التي تبرز الفجوة الشاسعة بين الطرفين , فبينما يظهر الرجل الشرقي (المحبوب) ببلادة واضحة تجاه الفن والروح , حيث لا تحركه الكلمات ولا الأغنيات , تجد الشاعرة تتنفس الكلمة وتصنع المجاز كأدوات أساسية للاستجابة , ويمتد هذا التباين إلى مفهوم الجمال , ففي حين ينجذب المحبوب إلى الجمال النمطي الحسي المتمثل في الجسد الممتلئ والشعر الأسود الطويل , تنحاز الشاعرة إلى الجمال الطبيعي العاري من الزيف متمثلاً في عبارة (( بلا مساحيق )) , أما على مستوى الحركة والسلوك , فيبرز الرجل كصياد مبادر وخشن (( يطارد )) الحسناوات , مقابل ذات شاعرة حساسة , مدافعة , وهشة (( ترتعب لو اقترب منها )) , ويتجلى هذا الصراع أخيراً في الرموز والأدوات , حيث يتدثر الرجل برموز السلطة , الغموض , والسيطرة كاليدين الخشنتين والنظارات السوداء , في مقابل أدوات الشاعرة القائمة على الكلمة , الارتعاش , والبساطة.

(( أنا شاعرة بلا مساحيق )) , هذا السطر هو قلب القصيدة النابض بالتمرد والاعتزاز بالذات في آن واحد , شاعرة , تعني أنها تملك لغة فائقة الحساسية , تعيد صياغة العالم بالكلمات , بلا مساحيق (( المكياج )) هي قناع اجتماعي وأداة من أدوات (( صناعة الغواية التقليدية )) , وبرفضها للمساحيق , تعلن الشاعرة عن انحيازها للصدق العاري , للجوهر الثقافي والروحي على حساب الواجهة البصرية المزيفة , ثم تتحول القصيدة في نهايتها إلى رصد لحالة من الترقب والتوجس الحسي فـ (( اليد الخشنة )) ترمز للخشونة المادية , والاقتراب غير المشروط بالحب الروحي , الخشونة هنا قد تكون مجازاً للفظاظة المشاعرية أيضاً , و (( النظارات السوداء )) رمز للغموض , وحجب الرؤية , وعدم القدرة على التواصل البصري الحقيقي (( العيون هي نوافذ الروح , وحين تُحجب بالنظارة السوداء , ينقطع التواصل الروحي ويصبح الطرف الآخر مجرد (( مراقب )) أو (( صياد )) متخفٍ , أما (( الارتعاب )) فهو رد فعل جسدي ونفسي يعبر عن رفض الذات الشاعرة لأن تُعامل كـ (( طريدة )) أو كموضوع للشهوة المجردة.

نأتي الى البنية الأسلوبية والجمالية للغة النص , مفرداتها بسيطة , سهلة ممتنعة , ويومية (( مساحيق , نظارات , كلمات , أغنيات )) , لكن تركيبها يولد شحنة درامية عالية , فالنص لا يستطرد , بل يقدم ومضة شعورية خاطفة تلخص صراعاً وجودياً تعيشه المرأة المثقفة/الشاعرة في مجتمع يختزل أحياناً أنوثتها في مقاييس جسدية ثابتة , والنبرة الاعترافية البوحية حين تتحدث الشاعرة بضمير المتكلم الشفاف (( أنا شاعرة )) (( أرتعب )) مما يمنح النص صدقاً تعبيرياً يلامس القارئ مباشرة.

إن قصيدة كريمة الحسيني هي صرخة هادئة تعبر عن البحث عن (( لغة ثالثة )) , وعن غربة الشاعرة داخل جسدها وداخل ثقافتها , إنها تبحث عن (( لغة أخرى للغواية )) لغة لا تمر عبر المقاييس الجسدية النمطية , أو الشعر الأسود المسترسل , بل عبر رهافة الكلمة وعمق النظرة وتلاقي الأرواح , الا ان النص ينتهي دون حل , يترك الشاعرة واقفة في مهب (( ارتعابها )) من خشونة الواقع (( الرجل الشرقي )) , متمسكة بهويتها (( بلا مساحيق )) ومؤكدة أن مأساة المرأة المبدعة تكمن دائماً في رغبتها بأن تُحَبّ لما تفكر فيه وتشعر به , لا لما تبدو عليه فحسب.

صباح الزهيري .


أبحث عن لغة أخرى للغواية
____________________
حبيبي رجل شرقي
لا تحرّكه الكلمات ولا الأغنيات
يطارد الحسناوات
ذوات الأجساد الممتلئة
والشّعور السوداء الطّويلة
وأنا شاعرة بلا مساحيق
أرتعب لو اقتربت منّي يد خشنة
أو نظّارات سوداء
كريمة الحسيني






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .


المزيد.....




- رحيل الفنان صالح الفرزيط.. صوت الأغنية الشعبية التونسية يغيب ...
- بدائل السكر تحت المجهر.. دراسة تربطها باضطرابات التمثيل الغذ ...
- -مسألة وقت-.. آخر رسائل الفنان أحمد جلال عبد القوي قبل وفاته ...
- كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لـCNN عن تأثير الم ...
- الأردن ينفي الرواية الأمريكية ويؤكد استمرار العمل بمطار ومين ...
- مصر.. وفاة الممثل أحمد جلال عبدالقوي عن عمر 42 عاما
- أمجد تادرس يروي تجارب الصحفيين المحليين الذين صنعوا قصص الغر ...
- وفاة الفنان المصري أحمد جلال عبد القوي عن عمر 42 عاما
- -الناجون من الظلام-.. شهادة حية من جحيم السجون الإسرائيلية
- ملامح إسلامية في الأدب الروسي.. حضور يمتد من بوشكين إلى الرو ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للحب.