أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الكفكفة والفكفكة .














المزيد.....

مقامة الكفكفة والفكفكة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 10:26
المحور: الادب والفن
    


مقامة الكفكفة والفكفكة :

يقول التراث في حكمةٍ تختزل فلسفة الأخلاق والسياسة , تقول : (( خير الناس من كف فكه وفك كفه , وشر الناس من فك فكه وكف كفه , فكم من فكة كف كفت فكوكهم , وكم من كفة فك فكت كفوفهم , فكفوا فكوككم وفكوا كفوفكم )) , وهي عبارة عن حكمة متداولة ذات مغزى عميق , اشتُهرت على الألسنة , وتلخص قواعد الأخلاق في الصمت , الجود , حفظ اللسان , والابتعاد عن البخل , والكفكفة والفكفكة تحمل في طياتها عمقاً فلسفياً واجتماعياً هائلاً , وعند تفكيكها وإسقاطها على مجتمع ما بعد الغزو في العراق , نجد أنها تشخص بدقة متناهية أزمتين بنيويتين عصفتا بالبلاد , أزمة الخطاب الطائفي والتحريضي (( الفك )) , وأزمة غياب العدالة الاجتماعية والتكافل (( الكف )) , والفك في القاموس السياسي العراقي المعاصر يعني اللسان الذي يرمز إلى الكلام , التصريحات السياسية , الفتاوى التحريضية , الخطاب الإعلامي , والادعاءات والشعارات , أما الكف ,اليد ,المال , الفعل فترمز إلى العطاء , المساعدات , التنمية , بسط الأمن , إعمار البلاد , والتمكين الاقتصادي , أو العكس: السيطرة والفساد .

(( شر الناس من فك فكه وكف كفه )) , هذه العبارة هي الوصف الأدق لحالة (( المحاصصة )) والطبقة السياسية التي تصدرت المشهد بعد 2003 , ان فك الفك (( انفلات الخطاب)) حيث فتح السياسيون والمنصات الإعلامية أفواههم بالخطاب الطائفي , والوعود الزائفة , والمناكفات السياسية , والتحريض الذي أدى إلى حرب أهلية وتمزيق النسيج الاجتماعي , وكف الكف (( شح العطاء والفساد )) في المقابل , (( كفوا أيديهم )) عن الإعمار , وبناء البنية التحتية , وتقديم الخدمات , بل وكفوا أيديهم عن المال العام بدلاً من إنفاقه على الشعب (( حبس الثروة في جيوب الفساد )) ,و كأستثمار سياسي وطني , يمكن استخدام هذا المفهوم في الحملات الانتخابية والوعي المدني لتعرية (( سياسيي الشعارات )) الذين يملكون ألسنة حادة وأيادٍ مغلولة عن خدمة الناس.

(( فكم من فكة كف كفت فكوكهم )) أي قوة المبادرة والعدالة الاجتماعية , فكم من يد انفتحت بالعطاء والتنمية , أسكتت الألسن المحرضة والأصوات الطائفية , وفي مجتمع ما بعد الغزو , فأن غياب العدالة الاقتصادية والفقر كانا البيئة الخصبة التي استغلتها الجماعات الإرهابية والمليشيات لتجنيد الشباب , لو أن الدولة (( أو المجتمع المدني )) فكت كفها بالمشاريع الفرص والتعيينات والعدالة , لكفت أفواه المحرضين وتجار الحروب , وأن صياغة برامج سياسية تركز على أن (( الأمن الاقتصادي هو بوابة السلم الأهلي )) وإشباع البطون وتشغيل الشباب هو الرد الحاسم على خطاب الكراهية.

(( وكم من كفة فك فكت كفوفهم )) , قولٌ يرمز إلى تلازم الشؤم بين انفلات اللسان وتعطيل الإنتاج , فكم من فمٍ حرّك الفتنة تسبب بقطع أرزاقٍ وشلّ أيدي البناء , أو بقراءة أخرى , كم من لسان سليط (( كفة فك )) تسبب في قطع أرزاق الناس وهدم مؤسساتهم (( فكت كفوفهم )) , وفي الواقع العراقي فأن التحريض الإعلامي والسياسي بعد الغزو أدى إلى تهجير الكفاءات , وهروب رؤوس الأموال , وغلق المصانع (( شلت كفوف الإنتاج )) , كما أن قمع الأصوات الوطنية الحرة (( كف الفك )) جعل الفاسدون يعيثون في الأرض فساداً دون رقيب.

للانتقال بمجتمع ما بعد الغزو من دولة (( مأزومة )) إلى دولة (( مستقرة )) يقدم هذا القول حلاً سياسياً بليغاً في ختامه: (( فكفوا فكوككم وفكوا كفوفهم )) , ان - كفوا فكوككم يعني تصفير الأزمات الخطابية , وتشريع قوانين صارمة تجرّم الخطاب الطائفي والمناطقي في الإعلام والسياسة - إغلاق الفك التحريضي - والتهدئة الإقليمية والدولية بكف التدخلات الخارجية التي تتحدث بالنيابة عن العراقيين , واستبدال الهويات الفرعية بهوية وطنية عراقية موحدة , أما - فكوا كفوفكم - فهي التنمية والإنماء وعودة الحياة , وإطلاق المشاريع المغلقة ,و تحرير أموال الإعمار والموازنات الاستثمارية (( فك كف الدولة في البناء )) , والرعاية الاجتماعية عن طريق دعم الطبقات الهشة والفقيرة لتقليل الفجوة الطبقية التي خلفها الغزو , ودعم القطاع الخاص بفك القيود (( الكفوف المغلولة )) عن الشباب والمستثمرين لإنعاش السوق العراقية.

هناك أمثلة تراثية تؤكد أن المجتمعات التي عبرت الأزمات تاريخياً , هي التي نجحت في تحويل الطاقة اللفظية (( الفك )) إلى طاقة إنتاجية وعطاء (( الكف )) , وفي تاريخنا , كلما كَثُرَ (( الخطباء والمحرضون )) وقَلَّ (( البُناة والمنصفون )) تداعت الدول , والعكس صحيح , ولذا نجدهم قالوا (( لسان الفتى حتف الفتى إن لم يكفه )) وهو مثل يُضرب للدول أو الجماعات التي تهلك بسبب خطاباتها غير المحسوبة (( انفلات الفك )) , و (( الجود بَسْطُ اليد , والسياسة بسْطُ العدل )) وهذا يربط بين (( فك الكف )) وبين استقرار النظم السياسية.

إن عراق ما بعد التغيير عانى من (( تضخم في الكلام الفك )) , وضمور في الأفعال والتنمية (( الكف )) , والاستثمار السياسي الحقيقي اليوم يكمن في إقناع الشارع بأن مرحلة (( الشعارات والخطابات )) يجب أن تنتهي (( كف الفك )) وتبدأ مرحلة (( الإعمار , والسيادة , والرفاه الاقتصادي ) ( أي فك الكف , ومن يفعل ذلك , هو من يستحق قيادة مجتمع ما بعد الغزو.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .


المزيد.....




- بينها كلمة من 55 حرفا.. تعرف على أطول المفردات في اللغة الرو ...
- باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجا ...
- إيران.. عراقجي يكشف في تدوينة عدد الدول الممثلة في جنازة خام ...
- رسام الكاريكاتير اليمني كمال شرف: جئنا إلى طهران للمشاركة في ...
- تقرير: تدهور مفاجئ في صحة الفنان فضل شاكر وأنباء عن إخلاء سب ...
- صبا مبارك على رأس القائمة.. نقابة الفنانين الأردنيين تطرد 21 ...
- إسرائيل تدمر الحياة الثقافية والفكرية في لبنان
- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الكفكفة والفكفكة .