أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .














المزيد.....

مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 09:39
المحور: الادب والفن
    


يقول سلام مسافر: أنها خاتون الشاعرات , درّست اللغة العربية , فتخرج مِن بين ضفائرها أجيال من البنات المتعلمات , وذاع صيت (( ست لميعة )) بين البغداديين , ليس بفعل شعرها السلس , والدارميات , بل لحضورها الاجتماعي في المناسبات حين كانت بغداد لم تفارق بعد تقاليد النوادي و (( القبوليات )) ومجالس الأدباء والشعراء , لمعت الشاعرة في المجتمع المخملي , وأضفت لهجتها الجنوبية الناعمة على السيدة الأنيقة بعينين واسعتين في نظراتها قدر من التحدي , يصل الى حد الوقاحة المحببة خصوصية على صاحبة القد الممشوق وصارت مصيدة للقلوب الملتاعة وعشاق الجمال.

الخاتون في الذاكرة التراثية العراقية والبغدادية تمثل الأرستقراطية والنبل , والوقار الممتزج بالأنوثة العراقية المهيبة , وعندما نصف لميعة بأنها (( خاتونة الشاعرات )) , فأنه ليس مجرد تكريم عابر , بل هو التفاتة ذكية ممن يدرك الأبعاد الثقافية للمفردة , وإننا نمنحها عرشاً يليق بامرأة صاغت من الكلمة قلائد من ذهب , وظلت محتفظة بوقارها الأدبي حتى في أصعب سنوات الغربة والرحيل.

تقول انعام كججي : تمرّ هذا الشهر خمس سنوات على غياب لميعة , فارقتنا في مهجرها بمدينة ساندييغو الأميركية , أغمضت عينيها في البلد الغريب مثل المئات من طيورنا المبدعة المهاجرة , إغماضة أخيرة والعراق بين الجفون , بلد مهموم بمشكلاته , مشغول بالتشكيلة الوزارية والمال المنهوب وأناشيد المونديال , لا وقت لاستذكار شاعرة , ذهبت وتركت لنا قصائدها وتسجيلاتها ورنّة ضحكتها , أجمل أجراس التبغدد والغواية , عرفتها مدرّسة للغة العربية في تلك المدرسة التي تحرس ساحة التحرير , تدخل الصف تُحيّي الطالبات وتأمرنا أن نجلس معتدلات , درسها الجماليّ يسبق الدرس المقرر , النحو والإعراب (( أريد ظهوركن مستقيمة , لا جمال في الأكتاف المتهدلة )) , تنتهي الدراسة وتستمر المودّة بيننا , صداقة تتجاوز حاجز الأستاذة وتلميذتها.

في الذكرى الخامسة لرحيل الخاتونة , لم تكن لميعة تبكي بغداداً من طابوق ومبانٍ , بل كانت تبكي (( الفردوس المفقود )) , تبكي بغداد الحواس , بغداد التي تُشم في رذاذ العصر وتُرى في ضوء القمر على شواطئ دجلة , كلمات صاغتها بدموع الوفاء , فجاءت صادقة تثير الشجون , لتؤكد لنا أن النفي لم يزدها إلا التصاقاً بترابها , وأن عطر قصائدها سيبقى كعطر الرازقي والشبوي البغدادي , عصياً على الذبول , طازجاً في ذاكرة الأجيال على مر العصور .

لها موقف وطني يحسب لها , فهي من معارضي الغزو , ورغم انها هاجرت إلى القارة البعيدة , كتبت في واحدة من قصائدها : (( وكيف أعيش رغداً في بلاد تُسنّ لشعبي فيها السيوفُ )) , وتحدثت ذات يوم وهي غاضبة , وغضب لميعة زلزال صغير يقذف حمماً من عبارات ساخرة , قالت إن اتحاد الأدباء ينوي تخصيص مرتب لها , ولم يكن المتصل الذي أبلغها بالأمر يعرفها , سألها هل هي شاعرة؟ (( مسكين هذا الولد , لا يعرف أنني كنت في الهيئة الإدارية لأول اتحاد للأدباء في العراق , يوم كان رئيسه الجواهري )) , نشرت الواقعة وأعلنت رفضها للمرتب , لا تريد إعانة وتفضّلاً بل تمشية مرتبها التقاعدي المستحق عن السنوات التي أمضتها في التدريس ,في آخر رسائلها المكتوبة بخط مهزوز بفعل بواهظ الشيخوخة , رجت ألا تسجن في كتاب , وأن يكون تكريم ذكراها بنشر قصائدها , وها أنا أطيع الوصية : (( أقول سأهجرُ كلّ العراق/ ولستُ بأول صبّ هَجَرْ/ فيهتف بي هاجسٌ لا يُردّ/ مكانكِ , إن ّ المنايا عِبَرْ/ هنا تُقتلينَ هنا تُدفنين وأمّا السُرى فمنايا أخَرْ/ وتعصفُ بغداد في جانحيّ أعاصيرَ من وَلَهٍ لا تَّذَرْ/ بخورٌ لها أدمعي/ ما أقلّ عطاء الفقيرِ إذا ما نَذَرْ )) .

كتبت لميعة تناجي بغداد : (( ريحة تراب الدرب مرشوش عصرية , سهرة أحباب على شاطئ ودنيه گمرية , وفزة هلا بجية محب بلا ميعاد , وبغداد عمر الگضه والبعد ماينعاد , وعمر اليجي ويسوه لو وياك الي ميعاد , بغداد مشيه بطر وي نهر المخوف أسدوده , نومه سطح والتحبه أموسدك إيده )) , كلمات تلامس شغاف القلب وتنزل الدموع , انها بغداد بظل ريحة الرازقي والشبوي وقداح أشجار الرارنج الذي يعطرها على مر العصور , والرازقي والشبوي ليسا مجرد نباتات , إنهما الهوية العطرية لبغداد , وكأنك تريد القول : إن كانت لميعة قد غابت بجسدها في منافي الغربة قبل خمس سنوات , فإن قصائدها تحولت إلى (( رازقي )) يرفض الجفاف , عطر عابر للعصور والقارات , يفوح كلما هبت نسمة حنين عراقي.

تضعنا لميعة أمام مقارنة حضارية وثقافية واختبار حقيقي للحواس عندما تقول : (( باريس , باريس حلوة شكثر ما قول / بس بغداد تظل لمعة عيوني من أحجي , وتظل ضحكتي الصدق , وتظل طعمة الزاد )) , وباريس هي أيقونة الجمال العالمي , والشاعرة لا تنكر ذلك (( حلوة شكثر ما قول )) , لكنها تضع أمام هذا الجمال الشكلي ثلاثة مرتكزات وجودية لبغداد , لمعة العين , وهي إشراقة الروح والحماسة عند الحديث عن الأصل , وضحكة الصدق , ففي المنافي تكون الابتسامات بروتوكولية أو اجتماعية , أما الضحكة النابعة من الأعماق فلا تخرج إلا في فضاء الوطن , وطعمة الزاد , وهنا تعود الشاعرة لفطرة الحواس , فالأكل في الغربة يفقد قيمته الحيوية والنفسية , والزاد لا يصبح طيباً إلا إذا تشاركته النفس مع من تحب في أرضها.

العمر يركض , والذكريات تبقى معلقة على شواطئ دجلة وفي عطر الرازقي الذي لا يموت , وحين تقارن خاتونة الشاعرات بين باريس وبغداد , فإنها لا تقارن بين معالم معمارية , بل تفاضل بين (( الجمال البارد )) و(( الدفء الإنساني )) , باريس تمنح الدهشة , لكن بغداد وحدها تمنح (( الضحكة الصدق )) و(( طعمة الزاد )) , وبين عذابات المرض ونفاذ (( الحيل )) في المنافي , تظل تفاصيل بغداد البسيطة - من نومة السطح إلى رشة ماء العصرية - هي المصل الروحي الذي يمد الشاعرة بالحياة , ليظل عمرها القادم معلقاً بشرط واحد (( ويسوى لو وياك الي ميعاد )) , إنه لعمري أصدق ميثاق حب كُتب بدموع الوجع العراقي .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...


المزيد.....




- بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
- بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو ...
- من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث ...
- في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون ...
- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...
- إسحاق دار: أعتقد أن ملف احتياطيات اليورانيوم يمكن حله من خلا ...
- الخارجية الإيرانية: انتهى عمل فرق التفاوض في هذه المرحلة لك ...
- د. سناء الشعلان: -نعيش زمن الانتحار الجماعيّ... ولا أحد يملك ...
- العمودالثامن: البحث عن وزير للثقافة
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الرابع.. -معارك سرية-


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .