أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .















المزيد.....

مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 16:11
المحور: الادب والفن
    


قرأت نصوصا عن لوحات إنسانية آسرة , تعبر عن مرايا لاهثة , تلتقط أنفاس العمر في لحظاته الأخيرة , وتصوّر العاطفة لا كترفٍ شبابي , بل كضرورة بيولوجية وروحية للبقاء , وتلك هي سيكولوجية العشق المتأخر , إن تسمية هذا العشق بـ (( المحرم )) , لا تأتي من كونه خطيئة , بل لأن المجتمع حرّم على كبار السن حقّهم في النبض , واعتبر رغبتهم في الحياة خروجاً عن (( بروتوكول الموت الوقور )) , وتتحرك هذه النصوص العشرة في منطقة رمادية بالغة الحساسية , وهي (( منطقة الشوق ما قبل الغروب )) , وفي علم النفس , يُسمى هذا بالنزوع نحو التشبث بالحياة في مواجهة غريزة الفناء , هذه النصوص ليست مجرد حكايات عابرة , بل هي وثيقة إدانة عاطفية يرفعها جيل الستين والسبعين في وجه مجتمع يبرمج الإنسان على الموت بمجرد تقاعده , إنها (( أدب الظل )) الذي يلتفت إلى فئة نسيناها , وظننا أن قلوبهم جفت بمجرد أن اشتعل الرأس شيباً.

تتحرك هذه النصوص في منطقة رمادية بالغة الحساسية , وهي (( منطقة الشوق ما قبل الغروب )) , حيث تلتصق العاطفة بالروح لا كترفٍ شبابي , بل كضرورة بيولوجية ونفسية للبقاء , إن تسمية هذا العشق بـ (( المحرم )) لا تأتي من كونه خطيئة , بل لأن المجتمع حرّم على كبار السن حقّهم في النبض , واعتبر رغبتهم في الحياة خروجاً عن (( بروتوكول الموت الوقور )) , هذه اللوحات هي وثيقة إدانة عاطفية , يرفعها جيل الستين والسبعين في وجه مجتمع يبرمج الإنسان على الفناء بمجرد تقاعده , إنه (( أدب الظل )) الذي يلتفت إلى قلوب ظننا أنها جفت بمجرد أن أبيض شعر الرأس .

لافتات العمر والظل :

1- القميص المزهر : حين عاتبته جارتُه الأربعينية على قميصه المزهر , لم تكن تدري أنها تعيدُه إلى مقبرته الشخصية , وضع القميص بجانب كفنه , ومسح ربيعَه بيده , وحين أرسل لملهمته : (( عندي جنازة )) , رمت له بقلبٍ أحمر , فصار يفتش في ذلك اللون عن عمرٍ سرقته منه السنون.

2- القبلة الأخيرة : في المسجد نصحوه بالآخرة , فعاد وحلق لحيته التي نمت حزناً على زوجته , نظر في المرآة فرأى غريباً يخرج من ركام السنين , خائفاً مستوحشاً , لكنه يملك أمنية واحدة : قبلة أخيرة تسبق الحساب.

3- مسحت الجدةُ أحمر الشفاه ببطء مبالغ فيه كأنها تمحو آثار جريمة قتل , والطرف الآخر يحدق في الشاشة السوداء , متضرعاً للسماء أن يرى ضحكتها الحقيقية قبل الموت.

4- أذكار الشوق , خبأ تطبيق التعارف في مجلد (( أذكار الصباح )) , ضحك من الحيلة وبكى من الحاجة , فالمضحكات بعد الستين هي بكائيات يغلفها الخجل من حافة القبر.

5- عصا الإيقاع , أهدته أخته عصاً ليتكئ عليها , فاتكأ عليها ليرقص (( الرقص البطيء )) مع امرأة يوجعها مفصلها , الحب في خريف العمر هو أن تجد من ينصت لطقطقة عظامك بحنان.

6 - فضيحة الونس , لم يكن يبحث عن سرير , بل عن صوت دافئ يسأله بعد الفجر: (( هل أخذت دواء الضغط؟ )) لكن المحيطين بنا يفسرون جوعنا الصغير للحب على أنه انتكاسة أخلاقية.

7- حين قالوا له (( استحِ واقترب من قبرك )) , اعترف لها بتعبه من النوم وحيداً , فلم ترد بكلام , بل أرسلت صورة ليدها المجعدة فوق فنجان قهوة , يدٌ تقول كل شيء دون الحاجة لوجه.

8- خيانة دقيقة واحدة , كذبت لتأكل السمك معه , هو يخشى السكري , وهي تخشى الذنب , ضحكت , فنسيت زوجها الراحل لدقيقة كاملة , ثم عاد إليها الحزن كجلد ثانٍ.

9- غيرة الحبر , رفض البطل أن يموت في الصفحة الخامسة ليرضي النقاد , عاش ليرسل تسجيلات عن أسعار الخضار وحروب غابرة , وهي تضع الهاتف تحت وسادتها , لا لتسمع التفاصيل بل لتتنفس الصوت.

10- المغامرة الأخيرة , (( الناس في عمرنا يشترون قبوراً لا خواتم )) , هكذا قالوا له , لكنه اشترى الخاتم وصعد الدرج لاهثاً , لم يكن هناك رداء أبيض ناصع , بل كان هناك خوفٌ صادق جداً , وهو أندر من الحب.

فلسفة (( العشق المحرم )) بعد الستين , والمحرم هنا لا يحمل دلالة دينية أو جنائية , بل هو (( التابو الاجتماعي )) المجتمع يغفر للشاب طيشه , ويغفر للمراهق تقلباته , لكنه لا يغفر للشيخ التفاته للوراء , المجتمع يرى في حب كبار السن (( مراهقة متأخرة )) أو (( تصابياً يُنقص من الوقار )) , بينما هو في الحقيقة دفاع غريزي عن البقاء.

عندما يدرك الإنسان أن (( الحفرة )) اقتربت , يحدث لديه رد فعل عكسي , فإما أن يستسلم للكفن , أو يحاول سرقة قُبلة , أو رقصة , أو ضحكة , ليثبت لنفسه وللكون أنه ما زال على قيد الحياة.

ان - القميص الزهري واللحية المحلوقة وأحمر الشفاه - هذه الأدوات الثلاث هي أدوات التجميل ضد الموت.

جارة الأربعين (( التي من المفترض أنها ناضجة )) تمارس دور (( حارس المقبرة )) وبكلمة واحدة (( معقول يا حاج؟ )) نزعت عنه قميص الحياة وألبسته كفنه.

و حلاقة اللحية بعد وفاة الزوجة هي محاولة لـ (( قشر )) طبقة الموت والوقار المفروضة , لرؤية الوجه الحقيقي المستتر خلف الحزن.

تحول (( أحمر الشفاه )) من أداة زينة إلى (( أداة جريمة )) تمسحها الجدة ببطء , خوفاً من حكم ابنتها (( المجتمع )) , والشاشة السوداء في النهاية هي رمز لـ (( العمر الأعمى )) الذي يعيشه الطرف الآخر يتوق لضحكة حقيقية.

أن يوضع تطبيق مواعدة في مجلد (( أذكار الصباح )) فذلك يلخص الكوميديا السوداء ويعكس حجم الرعب من الفضيحة , الأحفاد احترموه لأنه (( متدين )) في نظرهم , بينما هو يبكي لأنه مضطر للكذب ليعيش فطرته.

يضع الإصبع على الجرح تماماً : (( الجوع البشري الصغير )) , الشيخوخة متعبة , والوحدة فيها قاتلة , هذا الرجل لا يبحث عن مغامرة عاطفية عاصفة , هو يريد شخصاً يذكره بجرعة الدواء , لكن المجتمع , بسبب هوسه بتفسير كل علاقة بين رجل وامرأة على أنها (( جنسية )) , يحول هذا الاحتياج الإنساني الدافئ إلى (( فضيحة أخلاقية )) .

وفي (جماليات) الضعف , الحب في الشباب يقوم على مرونة الجسد وجاذبيته , أما الحب بعد الستين , فيقوم على احتمال الضعف , الرقص على وقع (( خشونة الركبة )) والشكوى من آلام الظهر , هو أسمى درجات التضامن الإنساني , الحب هنا ليس إعجاباً بالجمال , بل هو (( أن يسمع أحدهم طقطقة عظامك دون اشمئزاز )) , صورة اليد المجعدة فوق فنجان القهوة هي (( أفصح اعتراف )) , اليد التي عبرت السنين تقول : (( أنا هنا , متعبة مثلك , ونمشي نحو القبر معاً )) , والهاتف تحت الوسادة رغم ضعف السمع , هو دليل على أن الترددات الصوتية للحبيب تُشعر بالأمان , حتى لو لم تُفهم الكلمات - سعر الخضار وذكريات الحرب - الصوت هنا بمثابة (( مصل مضاد للوحدة )) .

تتجلى المواجهة المباشرة مع الموت : (( الناس بعمرنا يشترون قبوراً لا خواتم )) , والرد صاعق: (( القبر مضمون , الخاتم هو المغامرة )) , هنا ثورة على المألوف , المشهد الختامي (( عريس يلهث , وعروس تبحث عن نظارتها , وأغنية خفيضة )) هو لوحة واقعية مفرطة في الإنسانية , الجمال هنا ليس في المظهر , بل في (( صدق الخوف )) , فالخوف من الفقد والوحدة في هذا العمر يجعل المشاعر عارية تماماً من أي زيف.

هذه النصوص وأمثالها من الأدب الإنساني الدافئ تستحق دائماً الوقوف عندها طويلاً , لأنها تلمس النبض الحقيقي للإنسان بعيداً عن تكلّف القواعد الجافة , والتي جاءت مكتوبةً بأسلوب القصص القصيرة جداً , تملك ذكاءً حادا تملك ذكاءً حاداً في المفارقة , إنها ترينا أن كبار السن ليسوا مجرد (( حكماء )) أو (( أجداد )) نضعهم على الرف ليحكوا لنا الحكايا , بل هم بشر لديهم قلوب تنبض حتى الرمق الأخير , النصوص تعاتبنا جميعاً , لأننا نمارس وصاية أخلاقية وقاسية على آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا , ونبخل عليهم بـ (( قميص مزهر )) أو (( أحمر شفاه )) , في الوقت الذي يجب أن نكون ممتنين فيه لأنهم ما زالوا يملكون طاقة للحب والضحك وسط كل هذا الخراب والوهن , إنها صرخة هادئة تقول : (( اتحرروا من الخوف , ودعوا العجائز يرقصون رقصتهم الأخيرة قبل إغلاق القاعة )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...


المزيد.....




- القضاء الإيراني يؤيد حكم السجن بحق المخرج السينمائي الشهير ج ...
- مسية ثقافية لمناقشة رواية -ثلاثية غرناطة- في أثينا
- بأدلة رقمية ووثائق عسكرية.. منصة تركية تفضح زيف الرواية الإس ...
- من الكونغ فو إلى الرقص.. روبوتات يونيتري تتحدى البشر على الم ...
- مصر.. ساويرس يرد على تدوينة -حرب أكتوبر انتصار لإسرائيل- مبر ...
- محاضرة عن الشعر العربي للدكتور إياس ناصر في العاصمة اليوناني ...
- قصر الثقافة والفنون في الديوانية يقدم قراءات نقدية وشهادات ب ...
- مشاهد جوية من أفاميا.. مدينة سورية عمرها 2300 عام على قوائم ...
- نص سيريالى(لا تَسْرِقْ أَسْنَانِي!)الشاعرة هدى عزالدين محمد. ...
- رحيل الشيخ محند الطيب.. مسيرة مجاهد جزائري وهب حياته لترجمة ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .