أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2003 .














المزيد.....

مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2003 .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 23:49
المحور: الادب والفن
    


مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2003.

في إيجازٍ بليغٍ يغني عن الإسهاب , كتب المندلاوي الجميل : (( قد يكون الموت اهون بكثير : ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا له مامن صداقته بد )) , والحقيقة ان هذا النص وما يحمله من شجون هو مرآة لواقع مرير , وكتابات المندلاوي وتوثيقه بحد ذاته فعل مقاومة ضد النسيان وضد (( تطبيع الهوان )) الذي ذكرناه , وقلمه يحفظ ذاكرة (( الأحرار )) في زمن اختلطت فيه المفاهيم , حيث يلمس بيت شعر المتنبي جرحاً غائراً في الوجدان العراقي , حين تحول البيت من (( حكمة شعرية )) إلى (( واقع يومي )) معاش منذ عام 2003 , فاذا كان المتنبي قد جعل من مداراة العدو ذروة النكد , فإن العراقي بعد الاحتلال قد عاش صياغة جديدة لهذا النكد , حيث لم يعد العدو غريباً تشخص له الأبصار , بل أصبح شريكاً في الوطن , أو جاراً في الزقاق , أو (( مسؤولاً )) يمسك بزمام الرزق والأمان , يبدو قلب الموازين واضحا وجليا , من مداراة العدو إلى استجداء الخصم , وفي العراق , لم يعد (( الحر )) يداري عدواً واحداً كما في بيت المتنبي , بل وجد نفسه في مواجهة تعددية الأعداء , الاضطرار هنا ليس مجرد (( مجاملة )) بل هو اضطرار للبقاء , حيث يضطر العراقي (( الحر )) لمراجعة دوائر الدولة التي ينخرها الفساد - الذي ذكرته كإيذان بانهيار المجتمعات - فيجد نفسه مضطراً لمداراة الفاسد الذي يكره , فقط ليحصل على حقه الشرعي , وتطبيق مبدأ الولاء فوق الكفاءة , وهنا يتحول (( الموت الهين )) إلى واقع معنوي , حين يرى الكفءُ صاحبَ الولاء الطائفي أو الحزبي يتصدر المشهد , فيضطر لمسايرته تجنباً للتهميش أو (( التغييب )) .

في تحديث للرؤية , تحالف ثالوث التخلف الموروث (( فقر , جهل , مرض )) مع ثالوث الاستباحة المستحدث : (( إدارة العسكر , الخطاب الطائفي , الولاء دون الكفاءة )) في العراق , ان تحالف هذا الثالوث مع الثالوث القديم لينتج (( موت الهوية )) , عسكرة المجتمع حين يحل السلاح محل القانون , يصبح (( الحر )) مضطراً لمداراة صاحب السلاح , وهذا هو قمة النكد الذي عناه المتنبي , والطائفية كغطاء للفسادعندما استُخدم الخطاب الطائفي لتبرير وجود (( العدو )) في الداخل , مما جعل المواطن يعيش في صراع بين كرامته (( أنفته )) وبين ضرورات التعايش مع واقع سياسي مفروض.

إذا ما أسقطنا فلسفة المتنبي على المشهد العراقي , نجد أن مفهوم (( العدو )) قد تحول من شخص أو خصم واضح المعالم كما صوره الشاعر , إلى منظومة هلامية ومعقدة من الفساد والمحاصصة التي تتغلغل في مفاصل الحياة اليومية , فبينما كان (( الاضطرار )) عند المتنبي نابعاً من ضغوط اجتماعية أو أخلاقية تفرضها المروءة والمداراة , صار المرء في عراق ما بعد الاحتلال يساق وجودياً , بما يمسّ أمن المواطن وخبزه وبقاءه على قيد الحياة , هذا التحول الجذري جعل من (( ضيق الصدر )) والحزن اللذين وصفهما المتنبي يتحولان في الواقع العراقي إلى حالة من الانكسار النفسي الجماعي , وهجرة واسعة للكفاءات التي ضاقت بذرع المداراة , مما أدى في النهاية إلى صراع مرير بين (( الولاء )) للمنظومة السائدة من أجل العيش , وبين (( الانتماء )) للوطن الذي يلفظه من يرفض الانحناء.

تظهر فلسفة الاستباحة , حين يصبح (( الحر )) غريباً في داره , وفي هذا السياق , تظهر معضلة أعمق يمكن تسميتها (( تطبيع الهوان )) , إن أخطر ما يواجهه العراق اليوم ليس مجرد وجود (( عدو لا مفر من صداقته )) , بل في تحول هذا العدو إلى (( مرجعية )) للقيم , فعندما يسود معيار الولاء دون الكفاءة , يجد الإنسان الحر نفسه في غربة مضاعفة , فهو ليس مضطراً لمداراة عدوه فحسب , بل هو مضطر لمشاهدة القيم التي آمن بها (( كالنزاهة والعدل )) وهي تُنحر يومياً على مذبح المصالح الضيقة.

هنا يكتمل (( الموت الهين )) , فالموت ليس دائماً بتوقف النبض , بل هو في تلك اللحظة التي يضطر فيها الأكاديمي لمداهنة الجاهل , ويضطر فيها الشريف لطلب العون من اللص , إنها (( مقامة الاستباحة )) حيث استبيحت كرامة الإنسان العراقي بجعله مخيراً بين أمرين أحلاهما مرّ: إما الصدام الذي يؤدي إلى الفناء (( الموت المادي )) , أو التعايش مع (( نكد الدنيا )) الذي وصفه المتنبي (( الموت المعنوي )) , وهو الأخطر , لأنه يورث الأجيال ثقافة الاستسلام والقبول بالأمر الواقع تحت مسمى (( الواقعية )) , إن (( الموت الهين )) في العراق اليوم ليس في مفارقة الحياة , بل في (( الحياة على الهامش )) , حيث يضطر الإنسان الكريم لمصافحة اليد التي سرقت أحلامه , ومباركة القوانين التي همشته , لقد تحول بيت المتنبي من توصيف لـ (( حالة نادرة )) إلى (( دستور إجباري )) لمن أراد العيش في ظل الثواليث المدنسة التي أكلت أخضر العراق ويابسه.

حين قال المندلاوي (( قد يكون الموت أهون بكثير )) , كان يصف حالة الاستلاب في العراق , في الموت الفيزيائي الذي حصده العراقيون بالملايين , والموت المعنوي , وهو الأقسى , ويتمثل في رؤية (( العدو )) - سواء كان خارجياً أو فاسداً داخلياً - وهو يتحكم في مصير الأجيال , بينما يكتفي (( الحر )) بالصمت لئلا يفقد ما تبقى له من سبل العيش .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .


المزيد.....




- باحثون يفككون أزمة قراءة التراث بمعرض الدوحة للكتاب
- هل يقرأ الذكاء الاصطناعي ما عجز عنه القراء؟ المخطوط العربي ف ...
- الشغف وحده لا يكفي.. جلسة في معرض الدوحة تراهن على التخطيط
- معرض الدوحة للكتاب.. شاعران يدافعان عن القصيدة في وجه -الاست ...
- في معرض الدوحة.. صحيفة المدينة تُستدعى للرد على عالم بلا موا ...
- مخرج فيلم -أطباء تحت القصف-.. يوم في مستشفى بغزة يكفي لصناعة ...
- حضره نخبة من نجوم الفن في مصر.. عرض خاص لفيلم 7Dogs بالقاهرة ...
- مهرجان كان: -البارح العين ما نامت- فيلم يحكي قصة المجتمع الع ...
- -الرداء والإزار-.. هيئة سعودية تكشف تفاصيل عن الاشتراطات الف ...
- مباشر: اختتام فعاليات الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان كان ال ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2003 .