أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .















المزيد.....

مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 09:54
المحور: الادب والفن
    


في جلسةٍ فكرية تجلى فيها عبق التاريخ , أذكت قريحة الأفندي د. تحسين جذوة الفكر باستحضار واحدة من أثقل المقولات في ميزان العزة والكرامة , لقد نفض الغبار عن صرخة المعتمد بن عباد التي دوت في أرجاء إشبيلية: (( لأن أرعى الإبل عند ابن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير عند ألفونسو )) , لم تكن هذه الكلمات مجرد جملة عابرة , بل كانت (( دستوراً )) أخلاقياً اختار فيه المعتمد مرارة النفي على حلاوة التبعية , ان مثل هذا النص التاريخي الذي استحضره د. تحسين ليس مجرد حكاية تُروى , بل هو (( مختبر سياسي )) متكامل الأركان , مما يقتضي الإسهاب في الأعتبار منه , وتفكيك طبقات هذا الموقف لنرى كيف تتحول (( المصلحة )) إلى (( انتحار )) حين تغيب المبادئ , وإن استعادة هذه المواقف في (( صالوناتنا )) الثقافية هي بمثابة إحياء للذاكرة التي تحاول نوائب الدهر طمسها , وهي تذكير بأن الكرامة , وإن كلفت صاحبها ملكه , تبقى هي (( العملة الصعبة )) التي لا تبلى بمرور القرون.

بدأ التاريخ فصوله من لهيب (( الزاب )) إلى شواطئ الأندلس , بهروب (( صقر قريش )) عبد الرحمن الداخل من بطش العباسيين بعد معركة الزاب الكبير عام 132هـ , ذلك الشاب الذي لم تكسره الغربة , شيد للأمويين في الأندلس مجداً باذخاً أضاء ظلمات أوروبا لقرون , تلقف الراية من بعده رجالٌ بنوا صرحاً لا يطاول , حتى بلغ المجد ذروته في عهد (( المنصور بن أبي عامر )) , الذي سار بالجيوش فلم تُهزم له راية , لكن بوفاته انفرط عقد الدولة , وتحولت الوحدة إلى شتات , ثم تحولت الأندلس إلى (( دويلات )) متناحرة , يتربص بها ألفونسو السادس (( ملك قشتالة )) , وفي مشهدٍ يدمي القلب , كان بعض هؤلاء الأمراء يقدمون التنازلات والجزية للعدو , طمعاً في كراسي مهتزة , وهنا برز المعتمد بن عباد , ملك إشبيلية , الذي أدرك أن السيل قد بلغ الزبى , وأن الاستنجاد بالمرابطين (( يوسف بن تاشفين )) هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

نأتي الى خيار (( رعي الجمال )) , فرغم تحذيرات المستشارين , وحتى ابنه (( الرشيد )) من أن ابن تاشفين قد يسلبهم ملكهم , وقف المعتمد وقفته الشهيرة , لقد فاضل بين يقين المسلم الذي يختار الوقوف مع أخيه في الدين (( ابن تاشفين )) مهما كانت العواقب , إرضاءً لله وصوناً للتاريخ من لعنة (( تضييع الأندلس )) , وبين ذل التبعية الذي يعني رعي الخنازير في قشتالة أسيراً مكسوراً عند ابن فرذلند (( ألفونسو )) , فكان القرار العبور نحو معركة الزلاقة 479 هـ , التي دكت حصون الصليبيين وأخرت سقوط الأندلس لقرون.

بتحليلٍ عميق لما طرحه د. تحسين , نجد أن (( مقولة الرعي )) تقدم لنا دروساً عابرة للزمن , اولها ان المبدأ فوق المنصب, فالمعتمد لم يبع دينه وأرضه لأجل كرسيه , ومات أسيراً في (( أغمات )) يرعى الإبل , لكنه عاش بطلاً في ذاكرة الأمة , وثاني الدروس خداع التحالفات الخارجية , لأن الركون للعدو (( ألفونسو )) كان سيؤدي لنفس النتيجة (( زوال الملك )) ولكن مع (( الخزي )) بينما الركون للقريب (( ابن تاشفين )) أدى لزوال الملك مع (( العزة )) , ان هذه المقولة تطرح تساؤلاً موجعاً , ماذا لو رأى المعتمد حالنا اليوم ؟ حيث ضاعت (( الإبل )) وفُرضت (( الخنازير )) - كناية عن التبعية - بأشكال وأدوات حديثة , وغاب (( ابن تاشفين )) الذي يُستجار به , فأصبحنا غرباء في أوطاننا.

بيد ان الدرس الأخلاقي الأعمق , هو تحليل المعتمد لمنطق الاختيار , فهو يرى أن السياسة ليست دائماً حسابات ربح وخسارة مادية , بل هي حسابات كرامة , وان الاستناد إلى القريب (( ابن تاشفين )) هو فعل يرضي الله والضمير التاريخي , حتى لو انتهى بخسارة الملك , فهنا تصبح الخسارة المادية (( نصراً معنوياً )) خالداً , وان الاستناد إلى العدو (( ألفونسو )) قد يبقيك على الكرسي مؤقتاً , لكنه سخطٌ لله وتدنيسٌ للتاريخ , والعبرةهنا ان القائد العظيم هو من يختار (( الخسارة المشرفة )) التي تحفظ إرث الأمة , على (( البقاء المخزي )) الذي يمحو هويتها , لقد كان المعتمد بن عباد (( محظوظاً )) , لأنه وجد في حياته خياراً بين رعي الإبل ورعي الخنازير , أما اليوم , فإننا في زمنٍ يحاول فيه الكثيرون إقناعنا بأن (( رعي الخنازير )) هو عين العقل والسياسة , وأن معضلة (( السيادة مقابل البقاء )) التي واجهها المعتمد هي ذاتها التي تواجه الدول المعاصرة في ظل التكتلات العالمية الكبرى؟

الملك عقيم , وذلك هو وهم السلطة المطلقة , فحين قال له أبناؤه ومستشاروه إن (( السيفين لا يجتمعان في غمد )) , كانوا يتحدثون بمنطق (( البقاء السياسي الضيق )) , وكانوا يخشون على قصورهم في إشبيلية أكثر من خشيتهم على وجود الإسلام في الأندلس , والعبرة ان السلطة تصبح قيداً حين يتحول الحاكم من حامٍ للمبدأ إلى حارسٍ للكرسي , المعتمد كسر هذا القيد , لأنه أدرك أن الملك زائل لا محالة , فإما أن يزول وهو راعٍ للجمال (( أصيل )) أو يزول وهو راعٍ للخنازير (( ذليل )) , ويوسف بن تاشفين لم يأتِ ليكون (( موظفاً )) عند ملوك الطوائف , بل جاء برؤية (( دولة المرابطين )) القوية التي لا ترضى بالترف والضياع , والعبرة انه عندما تضعف الجبهة الداخلية وتستدعي قوة خارجية للإنقاذ (( حتى لو كانت شقيقة )) , يجب أن تستعد لدفع الثمن من سيادتك , لكن المعتمد كان شجاعاً بما يكفي ليدفع الثمن لنفسه (( بالنفي )) مقابل أن يبقى الأذان يرفع في مآذن قرطبة وإشبيلية.

ان مأساة (( أغمات )) هي البطولة في الانكسار, ونهاية المعتمد في صحاري المغرب , فقيراً غريباً , هي التي صنعت أسطورته , فلو مات ملكاً في إشبيلية تحت حماية ألفونسو , لكان مجرد اسم في قائمة الخونة , والتاريخ لا يرحم أصحاب العروش الذين ضيعوا الأوطان , لكنه ينصب تماثيل من نور لمن ضيع العرش ليحفظ كرامة الإنسان , إن ما أثاره د. تحسين يضعنا أمام مرآة قاسية: نحن اليوم لا نعيش عصر (( رعي الجمال )) بل نعيش عصراً فُرضت فيه قيم (( الخنازير )) بمعناها الرمزي , التبعية , الاستهلاك , مسخ الهوية , دون أن نملك شجاعة المعتمد في قول (( لا )) , المعتمد كان يرى أن الغربة في الصحراء مع الجمال هي (( حرية )) , بينما يرى الكثيرون اليوم أن العبودية في القصور هي (( دبلوماسية وواقعية )) , فهل أن (( الوعي التاريخي )) الذي يحاول د. تحسين وأمثاله بثه في النفوس كفيلٌ بصناعة (( معتمد )) جديد , أم أن (( الواقعية السياسية )) الحديثة قد قتلت فينا القدرة على اختيار رعي الجمال؟

شكرًا لـ د. تحسين الذي أعاد فتح هذا الجرح التاريخي لنستخرج منه (( مصل )) الكرامة في زمن الانكسار.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .


المزيد.....




- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...
- من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر ...
- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .